البيان/وكالات: تدخل الحرب اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية ومليشيات الحوثي، وعودة جبهات تعز ولحج ومأرب والجوف إلى واجهة العمليات القتالية، بالتزامن مع تقدم ميداني حوثي باتجاه عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً. ويضع هذا التصعيد محافظة تعز في قلب معادلة عسكرية وإنسانية معقدة، تتجاوز حدود الحصار المستمر منذ سنوات، لتتصل بمستقبل السيطرة على المناطق الجنوبية والطرق الاستراتيجية المؤدية إلى مضيق باب المندب.
وتشهد تعز مواجهات متصاعدة على عدد من المحاور، في ظل محاولات حوثية للتقدم نحو المدينة والسيطرة على مواقع عسكرية محيطة بها. وأعلنت القوات الحكومية، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، استعادة موقعين في جبهة الأقروض جنوب المدينة، بعد اقتحام مواقع كانت تسيطر عليها المليشيات، كما تحدثت عن تنفيذ غارات استهدفت تجمعات وآليات عسكرية حوثية في مفرق جبل حبشي.
وامتدت المواجهات إلى محافظة لحج، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع في منطقة الخزان الأحمر بمديرية المقاطرة، في وقت شهدت فيه المنطقة اشتباكات عنيفة خلال الأيام الماضية. وكانت المليشيات الحوثية قد حققت تقدماً في مديرية المقاطرة وسيطرت على مركزها، وفق مصادر عسكرية نقلت عنها وكالة رويترز، ما منحها موقعاً متقدماً على الطريق الحيوي الرابط بين تعز وعدن، وهدد خطوط الإمداد والتحركات العسكرية الحكومية في المنطقة.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية مع اقتراب المليشيات الحوثية من عدن، إذ نقلت رويترز عن أربعة مصادر عسكرية في الثاني من نوفمبر أن مقاتلي المليشيات أصبحوا على مسافة تقارب 80 كيلومتراً من المدينة، في أقرب تقدم لهم باتجاهها منذ عام 2015. ويهدد هذا التقدم بتطويق مواقع القوات الحكومية على امتداد المرتفعات المطلة على مضيق باب المندب، فضلاً عن زيادة الضغط على الطريق الرابط بين عدن وتعز.
وفي جبهة الجوف شمالي البلاد، أطلقت القوات الحكومية هجوماً مضاداً ضمن عملية «فجر اليمن» التي بدأت في أكتوبر الماضي، وتمكنت، وفق مصادر عسكرية، من السيطرة على مواقع ومرتفعات استراتيجية شرقي مدينة الحزم، بينها سلسلة جبال الدحيضة، في محاولة لتقليص المكاسب التي حققها الحوثيون خلال الأشهر الماضية. كما امتدت العمليات إلى جبهات باب المندب والوازعية ومأرب والبيضاء، في مؤشر على انتقال المواجهة من الاشتباكات المحدودة إلى تحركات عسكرية متزامنة على أكثر من محور.
وتحدثت القوات الحكومية عن تنفيذ نحو 951 عملية استهداف خلال 24 ساعة، شملت مواقع وتجمعات وتحركات عسكرية حوثية، بينما ترافقت العمليات مع غارات جوية وقصف متبادل في مناطق غربي اليمن، بينها الحديدة وباجل. وفي المقابل، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة باتجاه أهداف سعودية، فيما أعلن التحالف اعتراض طائرات مسيرة في منطقة الرياض وصاروخ باليستي في جنوب المملكة.
ولا تنفصل هذه التطورات عن الأزمة الإنسانية المتفاقمة في تعز، حيث يواجه نحو مليون شخص نقصاً حاداً في الغذاء والوقود والمياه والأدوية، وفق تصريحات محافظ المحافظة. وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى تعذر وصول المساعدات إلى أكثر من 600 ألف شخص يعتمدون عليها، في وقت تراجعت فيه الإمدادات الطبية والقدرة التشغيلية للمستشفيات، وسط تحذيرات من نفاد الأكسجين والمواد الأساسية.
وتشير تقديرات محلية إلى سقوط مئات القتلى والجرحى منذ بدء التصعيد الأخير، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان من مناطق المواجهات. وكانت تقارير حقوقية قد حذرت من أن استخدام الحصار ومنع وصول الغذاء والدواء قد يرقى إلى جريمة حرب، إذا ثبت تعمد استخدام التجويع وسيلةً للضغط على السكان المدنيين.
وفي سياق متصل، تصاعدت اتهامات باستخدام أسلحة غير تقليدية في بعض جبهات القتال، بعد تداول تقارير عن تعرض مقاتلين لحالات اختناق يُشتبه في ارتباطها بمواد سامة. وطالبت الحكومة اليمنية بإجراء تحقيق مستقل لتحديد طبيعة المواد المستخدمة والمسؤولين عن الحوادث.
سياسياً، تكشف التطورات الميدانية عن تراجع فرص استعادة مسار التسوية في المدى القريب، خصوصاً مع تمسك الأطراف بخيارات عسكرية متعارضة، واستمرار ارتباط خطوط المواجهة بحسابات إقليمية تتصل بأمن البحر الأحمر وباب المندب. كما أن تقدم الحوثيين باتجاه عدن، مقابل تحركات القوات الحكومية في الجوف ولحج وتعز، يعكس محاولة كل طرف تحسين موقعه التفاوضي عبر فرض وقائع جديدة على الأرض.
وتبدو تعز اليوم أكثر من مجرد مدينة محاصرة؛ فهي نقطة ارتكاز في الصراع على جنوب اليمن وممراته الاستراتيجية، كما أن السيطرة على الطرق المحيطة بها قد تحدد قدرة الحكومة على الحفاظ على اتصال مناطق نفوذها، وتؤثر في مستقبل الوجود العسكري للطرفين قرب باب المندب. وبين التصعيد الميداني وتفاقم الكارثة الإنسانية، يظل خطر اتساع الحرب قائماً، في ظل غياب تسوية سياسية قادرة على معالجة جذور الصراع وإنهاء معاناة المدنيين.