البيان/متابعات:تأتي الانتهاكات والاعتداءات التي قامت بها السلطات الصهيونية مع ناشطين أجانب كانوا على متن “أسطول الصمود العالمي”، وما رافقها من موجة إدانات دولية واسعة من عدة عواصم غربية ومنظمات حقوقية، لتعيد تسليط الضوء على شخصية وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير، الذي تصدّر المشهد الإعلامي بعد تداول مقطع مصوّر له داخل منشأة احتجاز في ميناء أشدود، في واقعة اعتبرتها أطراف دولية مؤشراً على تصاعد التطرف اليهودي المتشدد في التعامل مع الناشطين والملفات المرتبطة بقطاع غزة، وأثارت في الوقت ذاته نقاشاً واسعاً حول طبيعة الخطاب السياسي والسلوك التنفيذي داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية.
ينحدر بن غفير من بيئة فكرية يهودية عدوانية متطرفة تشكّلت في سياق التيارات اليمينية الدينية داخل الدولة العبرية، حيث تأثر في مراحل مبكرة من حياته الفكرية بأفكار الحاخام مئير كهانا، أحد أبرز رموز التيار القومي الديني الراديكالي، وهو ما انعكس لاحقاً على مساره السياسي وخطابه العام الذي يقوم على تشديد مفهوم الهوية القومية والدينية للدولة، وربط الأمن الداخلي بمقاربة عدوانية قائمة على التطهير العرقي تجاه الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. وقد مثّل هذا التوجه قاعدة تأسيسية لحزبه “القوة اليهودية”، الذي رسّخ حضوره داخل اليمين الصهيوني المتشدد قبل أن يدخل في تحالفات سياسية أوصلته إلى موقعه الوزاري الحالي.
وعلى امتداد مسيرته، ارتبط اسم بن غفير بسلسلة من القضايا والجدالات القانونية والسياسية في المراحل المبكرة من نشاطه العام، والتي شملت اتهامات مرتبطة بالتحريض أو دعم حركات كانت محظورة وفق التصنيفات الصهيونية في تلك الفترة، قبل أن يعيد تموضعه داخل الإطار السياسي الرسمي، مستفيداً من صعود التيار القومي الديني داخل الخريطة الحزبية الصهيونية، ما جعله يتحول من شخصية هامشية مثيرة للجدل إلى فاعل مركزي في بنية القرار الأمني الداخلي.
ويستند الخطاب السياسي لبن غفير إلى مقاربة أمنية متشددة تعتبر أن الاستقرار الداخلي يتطلب استخدام أدوات ردع قوية، مع التركيز على تعزيز صلاحيات الشرطة وتوسيع نطاق الإجراءات الأمنية في مواجهة ما تصفه الحكومة بالتهديدات الأمنية، وهو ما يجعله أحد أبرز ممثلي التيار الذي يرفض التنازلات السياسية في الملفات الأمنية، ويدفع باتجاه سياسات أكثر عدوانية ضد الفلسطينيين في إدارة الصراع. وقد انعكس هذا التوجه بشكل مباشر على صورته في الخارج، حيث ارتبط اسمه في العديد من المحافل الدولية بانتقادات تتعلق بطبيعة السياسات التي يشرف عليها، خصوصاً في ظل الحرب الجارية في غزة.
وفي السياق الدولي الأخير، برزت الإدانات الغربية كعامل ضغط سياسي وإعلامي، إذ ركزت بيانات صادرة عن دول أوروبية وأمريكية وكندية على ما اعتبرته تجاوزات في التعامل مع الناشطين المحتجزين، مع الدعوة إلى احترام المعايير القانونية والإنسانية في إدارة مثل هذه القضايا. وقد ساهمت هذه المواقف في إعادة إبراز شخصية بن غفير كرمز لنهج سياسي أمني متشدد، يلقى رفضاً متزايداً في دوائر دولية متعددة، ويضع الحكومة الصهيونية أمام تحديات دبلوماسية متصاعدة.
وانعكس ذلك على ردة فعل الدول الأوربية، ففي هولندا، أعلنت وزارة الخارجية منع بن غفير من دخول أراضيها، مع توجيه اتهامات له بـ“التحريض المتكرر على العنف ضد الفلسطينيين” والدعوة إلى سياسات توسعية في الضفة الغربية، معتبرة أن تصريحاته وسلوكياته تتعارض مع التزامات حقوق الإنسان الأوروبية، وهو ما اعتُبر خطوة تصعيدية ضمن السياسة الهولندية تجاه بعض أعضاء الحكومة الصهيونية.
وفي إسبانيا, أعلنت الحكومة إدراج بن غفير ضمن قائمة شخصيات محظورة من دخول البلاد، على خلفية مواقفه التي وصفتها مدريد بأنها “تحريض على العنف ودعم سياسات تهدد حل الدولتين”، مؤكدة أن القرار يأتي في إطار إجراءات أوسع مرتبطة بتصاعد التوتر في غزة والضفة الغربية.
أما سلوفينيا، فقد كانت من أوائل الدول الأوروبية التي أعلنت قراراً مماثلاً بحظر دخوله، كما شهدت بولندا موقفاً أكثر حدّة بعد حادثة الأسطول الأخيرة، حيث دعت وزارة خارجيتها إلى اتخاذ إجراء بمنع بن غفير من دخول البلاد، بالتوازي مع استدعاء دبلوماسي صهيوني للاحتجاج على ما وصفته بسوء معاملة الناشطين، معتبرة أن الواقعة تستدعي إجراءات ردع دبلوماسي إضافية.
وفي السياق الأوروبي الأوسع، صدرت مواقف إدانة شديدة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودول مثل فرنسا وإيطاليا وإيرلندا، ركزت على وصف سلوكه في حادثة احتجاز الناشطين بأنه “مهين وغير مقبول”، مع مطالبات بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وضمان معاملة المحتجزين بكرامة، دون أن تصل هذه المواقف حتى الآن إلى قرارات حظر موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي.