البيان/وكالات: يشير فشل اجتماعات وزراء خارجية مجموعة “بريكس” التي عُقدت في نيودلهي في التوصل إلى بيان مشترك إلى مستوى متقدم من التباينات الداخلية التي باتت تعاني منها المجموعة، خصوصًا في أعقاب التوسعات الأخيرة التي أدخلت أطرافًا ذات تناقضات إقليمية وسياسية واضحة، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. ويعكس هذا التعثر صعوبة بلورة موقف موحد تجاه القضايا الدولية الحساسة، وفي مقدمتها أزمة الشرق الأوسط، في ظل تصاعد الخلافات بين عدد من الأعضاء الجدد والقدامى.
وتبرز في هذا السياق حدة التباين في المواقف بين إيران وعدد من الدول الخليجية، حيث تحولت هذه الخلافات إلى عامل مؤثر في عرقلة أي توافق داخل التكتل، مع تمسك كل طرف برؤيته الخاصة للصراعات الإقليمية. وقد أسهم هذا التباين في إدخال ملفات أمنية وسياسية معقدة إلى داخل أجندة “بريكس”، بما في ذلك اتهامات متبادلة ومواقف متشددة انعكست مباشرة على مسار التفاوض داخل الاجتماعات.
كما تكشف المعطيات عن اتساع رقعة التباين في الرؤى الاستراتيجية بين الدول الأعضاء تجاه العلاقات مع الولايات المتحدة والدولة العبرية، إذ تتبنى روسيا والصين خطابًا أكثر حدية في مقابل توجهات أكثر براغماتية من دول مثل الهند والبرازيل، التي توازن بين التزاماتها داخل التكتل ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية مع القوى الغربية ودول الخليج، ما يزيد من صعوبة صياغة موقف جماعي متماسك.
وفي ضوء هذا التشابك، تبدو التوسعة السريعة للمجموعة قبل تهيئة أرضية سياسية مشتركة عاملاً مساهماً في تعميق الانقسامات، حيث أدى انضمام أطراف ذات تنافسات إقليمية مباشرة إلى نقل الخلافات الثنائية إلى داخل بنية “بريكس”، الأمر الذي انعكس على فاعلية التكتل وقدرته على التحرك ككتلة واحدة في الملفات الدولية الحساسة.
وتلعب الهند دورًا محورياً في هذا التوازن المعقد، من خلال سعيها للحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، لا سيما في ما يتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، وهو ما يدفعها إلى تبني مواقف حذرة تتجنب التصعيد وتراعي في الوقت ذاته مصالحها الاستراتيجية مع شركائها الإقليميين والدوليين.
وفي المقابل، تطرح التطورات المرتبطة بالتنسيقات والتحركات غير المعلنة بين بعض الأطراف الإقليمية مزيدًا من علامات الاستفهام حول مستوى الانسجام داخل المجموعة، وتزيد من حدة الشكوك بشأن إمكانية تحويل “بريكس” إلى تكتل سياسي قادر على تقديم بديل فعلي للمنظومة الغربية، في ظل تداخل التحالفات وتعدد مساراتها.
ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك محاولات تقودها موسكو وبكين لاحتواء الخلافات ومنع تفكك الموقف الجماعي، عبر الدفع نحو مقاربات دبلوماسية أكثر مرونة، والاستفادة من تجارب سابقة في الوساطة الإقليمية، بما يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك داخل المجموعة.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة واتساع دائرة العضوية المحتملة، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار غياب آليات فعالة لتسوية الخلافات الداخلية إلى إضعاف قدرة “بريكس” على التحول إلى فاعل دولي مؤثر، وتحويلها إلى إطار غير متماسك يتأثر مباشرة بالاستقطابات الإقليمية المتصاعدة، بما يحد من طموحاتها في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.