• - الموافق2026/05/12م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
باشينيان يعيد تفكيك السردية الأرمنية ويثيرغضب موسكو

أعاد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ أرمينيا الحديث، بعدما أدلى بتصريحات غير مسبوقة شكك فيها بالرواية التقليدية المرتبطة

 

البيان/متابعات: أعاد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في تاريخ أرمينيا الحديث، بعدما أدلى بتصريحات غير مسبوقة شكك فيها بالرواية التقليدية المرتبطة بما يعرف بـ"الإبادة الجماعية للأرمن"، وذهب أبعد من ذلك بإعلانه أن إقليم ناغورنو كاراباخ "لم يكن جزءاً من أرمينيا"، معتبراً أن الصراع حوله جرى توظيفه لعقود ضمن حسابات النفوذ الروسي في جنوب القوقاز.

هذه التصريحات لم تُفهم في أرمينيا باعتبارها مجرد مراجعة تاريخية، بل كإعلان سياسي عن تحول استراتيجي أوسع يحاول باشينيان من خلاله إعادة تعريف هوية الدولة الأرمينية بعد الهزائم العسكرية والانتكاسات الجيوسياسية التي تعرضت لها خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد خسارة السيطرة الفعلية على كاراباخ لصالح أذربيجان، وتراجع الثقة الشعبية بالدور الروسي.

منذ حرب كاراباخ الثانية عام 2020، تعرضت صورة روسيا كضامن أمني لأرمينيا لضرر كبير داخل المجتمع الأرميني، إذ اتهمت قطاعات واسعة موسكو بعدم التدخل بالشكل الكافي لحماية يريفان، رغم عضوية أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا. وتعمقت هذه الأزمة بعد العملية العسكرية الأذرية التي أنهت الوجود الأرمني في الإقليم، بينما اكتفت موسكو بمواقف محدودة.

في هذا السياق، يبدو أن باشينيان يحاول تقديم سردية جديدة تقوم على أن أرمينيا دفعت لعقود ثمن صراعات جيوسياسية لم تخدم مصالحها الوطنية، وأن استمرار التمسك بروايات تاريخية مرتبطة بالإبادة أو كاراباخ قد يبقي البلاد رهينة لصراعات مفتوحة مع تركيا وأذربيجان، ويمنعها من إعادة التموضع إقليمياً.

هذا التوجه ينسجم مع مسار سياسي بدأه باشينيان تدريجياً عبر الانفتاح على الغرب، وتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وتقليص الاعتماد الأمني على موسكو، إلى جانب محاولات تطبيع العلاقات مع أنقرة وباكو.

لكن المشكلة أن هذه التحولات تصطدم مباشرة بالبنية العاطفية والرمزية للهوية القومية الأرمنية. فقضية "الإبادة الجماعية" تمثل أحد أهم مرتكزات الوعي الوطني الأرمني، كما أن كاراباخ ظلت لعقود قضية مركزية في الخطاب السياسي والثقافي الأرمني، ما جعل تصريحات باشينيان تُفسر داخلياً باعتبارها تنازلاً عن الثوابت الوطنية.

رد الفعل الروسي السريع عبر الإعلام الرسمي لم يكن منفصلاً عن هذا السياق. فالهجوم الذي قاده الإعلامي فلاديمير سولوفيوف والمحلل سيمين باغداساروف يعكس قلق موسكو من فقدان نفوذها التقليدي في جنوب القوقاز، خاصة مع تنامي الحضور التركي والغربي في المنطقة.

بالنسبة لروسيا، لا يتعلق الأمر فقط بأرمينيا، بل بموقعها الاستراتيجي في جنوب القوقاز ككل، وهي منطقة تمثل ممراً مهماً للطاقة والتجارة والنفوذ العسكري بين أوروبا وآسيا.

أما تركيا وأذربيجان، فتنظران إلى هذه التحولات باعتبارها فرصة تاريخية لإغلاق ملف كاراباخ نهائياً وفتح مرحلة جديدة من الترتيبات الإقليمية، خصوصاً ما يتعلق بممر زنغزور ومسارات الربط التجاري الإقليمي.

في المحصلة، لا تبدو تصريحات باشينيان مجرد زلة سياسية أو تصريحات عابرة، بل قد تكون مؤشراً على محاولة إعادة صياغة العقيدة السياسية الأرمينية بالكامل؛ انتقال من دولة تقوم على سرديات تاريخية وصراعات هوية، إلى دولة تبحث عن تسويات مؤلمة لضمان بقائها في بيئة إقليمية شديدة القسوة. لكن هذا التحول يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يفتح صداماً داخلياً عميقاً ويزيد من هشاشة موقع أرمينيا بين القوى المتنافسة في القوقاز.

 

أعلى