• - الموافق2026/05/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
إيران تعيد صياغة استراتيجيتها العسكرية تحت قيادة مزدوجة

رغم الإعلان الرسمي عن تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى خلفًا لوالده بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي أودى بحياة المرشد السابق وعدد من كبار القادة العسكريين، فإن الغموض

البيان/متابعات: رغم الإعلان الرسمي عن تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى خلفًا لوالده بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي أودى بحياة المرشد السابق وعدد من كبار القادة العسكريين، فإن الغموض لا يزال يحيط بحقيقة دوره الفعلي داخل بنية الحكم الإيرانية، وسط تساؤلات متزايدة داخل الأوساط الاستخباراتية الأمريكية بشأن الجهة التي تمسك فعليًا بخيوط القرار في طهران خلال هذه المرحلة الحساسة.

وبحسب تقديرات استخباراتية أمريكية نقلتها شبكة سي إن إن، فإن مجتبى خامنئي يشارك إلى جانب كبار المسؤولين الإيرانيين في صياغة استراتيجية الحرب والتفاوض، لكن المشهد الإيراني يتجاوز مسألة خلافة المرشد أو إدارة العمليات اليومية، إذ يرتبط بصراع أوسع ترى فيه طهران أنه معركة وجودية لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.

ففي القراءة الإيرانية، لا تقتصر المواجهة الحالية على الرد على الضربات العسكرية أو إدارة تداعيات الحرب الأخيرة، بل ترتبط بهدف استراتيجي أكبر يتمثل في تقليص النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يحد من الهيمنة العسكرية والسياسية لواشنطن وتل أبيب.

هذا الهدف يتسق مع الخطاب الإيراني الممتد منذ الثورة عام ١٩٧٩، لكنه اكتسب بعدًا أكثر حدة بعد الحرب الأخيرة، إذ باتت طهران تنظر إلى الصراع باعتباره فرصة لإعادة تثبيت مشروعها الإقليمي، خاصة بعد سنوات من الضغوط والعقوبات والاغتيالات التي استهدفت قادة بارزين في محور حلفائها الإقليميين.

ورغم الضربات التي تلقتها، ترى أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن إيران لا تزال تمتلك قدرات عسكرية معتبرة. فبعد تقديرات أولية تحدثت عن تدمير نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، أشارت تقييمات أحدث إلى أن قرابة الثلثين لا تزال سليمة أو قابلة لإعادة التشغيل، وهو ما يمنح طهران قدرة على مواصلة الضغط العسكري متى أرادت.

كما خلص تقييم منفصل لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى أن إيران قادرة على الصمود اقتصاديًا لأربعة أشهر إضافية تحت الضغوط الأمريكية دون انهيار شامل، ما يعزز قناعة طهران بأنها قادرة على خوض صراع طويل النفس.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن إيران لا تتصرف كدولة تبحث عن تسوية سريعة، بل كدولة تحاول امتصاص الضربة ثم استعادة زمام المبادرة. كما أن استمرار نشاط حلفائها الإقليميين في أكثر من ساحة يعكس أن أدوات النفوذ الإيرانية لم تتفكك بالكامل رغم الضربات.

وفي الداخل الإيراني، يبدو أن الحرس الثوري يلعب دورًا متصاعدًا في إدارة العمليات اليومية بالتنسيق مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، في وقت لا يزال فيه ظهور مجتبى خامنئي محدودًا للغاية.

كما أن الغموض المحيط بمكان وجوده وحالته الصحية، واعتماده على التواصل المباشر عبر مبعوثين بدلًا من الوسائل الإلكترونية، يعكس حجم الحساسية الأمنية التي تحيط بقيادة النظام في هذه المرحلة.

ورغم محاولات طهران التأكيد أن المرشد الجديد بصحة جيدة، فإن بعض المحللين الاستخباراتيين الأمريكيين يعتقدون أن هذا الغموض يمنح أطرافًا داخل النظام مساحة أوسع لتعزيز نفوذها، دون أن يغير ذلك من الاتجاه الاستراتيجي العام للدولة.

وكانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية قد حذرت سابقًا من أن اغتيال المرشد السابق لن يؤدي إلى إسقاط النظام، بل ربما يسرّع صعود قوى أكثر تشددًا داخل بنية الحكم، وهو ما يبدو حاضرًا اليوم.

وفي المقابل، راهنت واشنطن وتل أبيب على أن الضربات العسكرية ستفرض على إيران إعادة حساباتها والانكفاء داخليًا، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن طهران ذهبت في الاتجاه المعاكس تمامًا.

فالنظام الإيراني يبدو أكثر اقتناعًا اليوم بأن التراجع سيؤدي إلى تقويض نفوذه الإقليمي بالكامل، لذلك يتعامل مع هذه المعركة باعتبارها مواجهة طويلة تهدف في نهاية المطاف إلى استنزاف النفوذ الأمريكي الصهيوني في المنطقة وتقليص حضورهما السياسي والعسكري تدريجيًا.

وفي ظل هذا المشهد، لا تبدو المفاوضات سوى أداة تكتيكية لإدارة الوقت، بينما تظل العقيدة الإيرانية الأساسية قائمة: الصراع لم يعد متعلقًا برد فعل على حرب عابرة، بل بمعركة أوسع على شكل النظام الإقليمي القادم في الشرق الأوسط.

 

أعلى