• - الموافق2026/05/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
جيوش الظل الرقمية.. كيف حولت روسيا الهاكرز لسلاح ردع؟!

لم يعد اسم أجهزة الاستخبارات الروسية مرتبطًا فقط بإرث لجنة أمن الدولة السوفيتية التي هيمنت على مشهد الحرب الباردة لعقود، بل برزت أدوات جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة في العصر الرقمي، تقودها اليوم الاستخبارات العسكرية الروسية

 

البيان/متابعات: لم يعد اسم أجهزة الاستخبارات الروسية مرتبطًا فقط بإرث لجنة أمن الدولة السوفيتية التي هيمنت على مشهد الحرب الباردة لعقود، بل برزت أدوات جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة في العصر الرقمي، تقودها اليوم الاستخبارات العسكرية الروسية التي أصبحت إحدى أبرز أذرع موسكو في إدارة الحروب الإلكترونية وحملات الاختراق العابرة للحدود، مستندة إلى تاريخ طويل بدأ منذ تأسيسها عام ١٩١٨ على يد قادة الثورة البلشفية.

ولم تعد مهام الاستخبارات العسكرية الروسية مقتصرة على الأدوار التقليدية في ساحات القتال أو جمع المعلومات العسكرية، بل توسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل اختراق البرلمانات الغربية، واستهداف الأحزاب السياسية، وتنفيذ حملات تضليل واسعة عبر الفضاء الرقمي، في إطار ما تصفه موسكو بعقيدة "الحرب الهجينة" التي تمزج بين القوة العسكرية التقليدية والعمليات السيبرانية والإعلامية والنفسية.

وتحولت الاتهامات الغربية ضد موسكو في هذا الملف من مجرد تقديرات استخباراتية إلى مواقف رسمية معلنة. ففي عام ٢٠١٦ أصدرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ومكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكية بيانًا مشتركًا أكدوا فيه امتلاكهم ثقة كبيرة بأن الحكومة الروسية كانت وراء اختراق البريد الإلكتروني لمؤسسات سياسية أمريكية خلال الانتخابات الرئاسية، في واحدة من أبرز الهجمات السيبرانية التي هزت المشهد السياسي الأمريكي، بعدما تم تسريب آلاف الرسائل الإلكترونية الخاصة باللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي.

كما أعلن حلف شمال الأطلسي خلال عام ٢٠٢٤ تضامنه مع ألمانيا والتشيك بعد تعرض مؤسسات حكومية وحزب سياسي ألماني لهجمات إلكترونية نُسبت إلى مجموعة قرصنة مرتبطة مباشرة بالاستخبارات العسكرية الروسية، مؤكدًا أن هذه العمليات استهدفت تقويض المؤسسات الديمقراطية الأوروبية.

وفي تطور آخر، كشفت إحدى عشرة دولة غربية في بيان مشترك عن تعرض شركات لوجستية وتقنية غربية شاركت في نقل الدعم العسكري إلى أوكرانيا لهجمات سيبرانية روسية استهدفت موانئ ومطارات وشركات دفاعية وشبكات نقل في أوروبا والولايات المتحدة، فيما أعلنت أجهزة الاستخبارات الهولندية لاحقًا أن مجموعات روسية تمكنت من اختراق شبكات الشرطة الهولندية واستهدفت كذلك شبكات تابعة لحلف شمال الأطلسي.

وسط هذا المشهد، برز التساؤل الأهم داخل الدوائر الغربية: من أين تحصل موسكو على هذا العدد الكبير من الكفاءات التقنية عالية التدريب؟

الإجابة ظهرت عبر تحقيق استقصائي دولي شاركت فيه صحيفة الغارديان البريطانية وصحيفة لوموند الفرنسية، واستند إلى أكثر من ألفي وثيقة مسربة من داخل جامعة باومان التقنية الحكومية في موسكو، إحدى أعرق الجامعات الروسية المرتبطة تاريخيًا بالصناعات الدفاعية والفضائية.

ورغم أن الجامعة اشتهرت لعقود بتخريج مهندسي الصواريخ وعلماء الفضاء، فإن الوثائق المسربة كشفت عن وجود قسم شديد السرية داخلها يعرف باسم "القسم ٤" أو "قسم التدريب الخاص"، يعمل بعيدًا عن الأنظار وتحت إشراف مباشر من مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى.

ووفقًا للوثائق، فإن عملية اختيار الطلاب داخل هذا القسم لا تخضع للمعايير الجامعية التقليدية، بل تتم عبر مراقبة دقيقة للطلاب المتفوقين في مجالات البرمجة والرياضيات والأمن السيبراني، قبل ضمهم إلى برامج تدريبية تمتد لسنوات.

ويخضع هؤلاء الطلاب لتدريبات متقدمة تشمل اكتشاف الثغرات البرمجية المعقدة، وتطوير أدوات هجومية، وتنفيذ عمليات اختراق متقدمة، إلى جانب تدريبات على أدوات التجسس الرقمي التي تطورها الأجهزة السيادية الروسية بشكل حصري.

ولا يتوقف الأمر عند الجانب التقني، إذ تكشف الوثائق أن أحد أخطر جوانب التدريب يتمثل في تعليم الطلاب إدارة حملات التضليل السياسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يسمح بالتأثير على الرأي العام في الدول المستهدفة وتوجيه السرديات السياسية بما يخدم المصالح الروسية.

كما يتضمن البرنامج بناء ولاء أيديولوجي واضح، حيث يتم غرس الرواية الرسمية للدولة الروسية في نفوس المتدربين لضمان انتقالهم لاحقًا إلى العمل داخل الوحدات الاستخباراتية وهم يحملون التزامًا سياسيًا وأمنيًا كاملاً.

وظهر في الوثائق اسم الجنرال فيكتور نيتيشكو باعتباره أحد أبرز المشرفين على هذه البرامج التدريبية، وهو اسم ارتبط سابقًا باتهامات أمريكية تتعلق بمجموعة قرصنة روسية شهيرة اتُهمت بالوقوف وراء اختراقات واسعة استهدفت الانتخابات الأمريكية عام ٢٠١٦.

ولا تبدو جامعة باومان حالة منفردة، إذ تشير المعطيات إلى وجود برامج مشابهة في جامعات تقنية أخرى داخل روسيا، في إطار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى ضمان تدفق مستمر لما يمكن وصفهم بـ"المحاربين الرقميين" إلى أجهزة الدولة الروسية.

ويكشف ملف "القسم ٤" أن الجامعات الروسية لم تعد مجرد مؤسسات أكاديمية تقليدية، بل تحولت إلى جزء من البنية الاستراتيجية للحرب الإلكترونية الروسية، في وقت تتزايد فيه المخاوف الغربية من أن تكون المعارك القادمة أقل صخبًا من الحروب التقليدية، لكنها أكثر تأثيرًا، وتُخاض هذه المرة عبر لوحات المفاتيح وشبكات الإنترنت بدلًا من ساحات القتال التقليدية.

 

أعلى