البيان/متابعات: يتجه المشهد في مالي ومنطقة الساحل الإفريقي إلى حالة من إعادة التشكّل البنيوي العميق، حيث لم يعد الصراع محصورًا في مواجهة بين الدولة وجماعات مسلحة، بل تحول إلى شبكة متعددة المستويات تتداخل فيها الفواعل المحلية والإقليمية والدولية، وتبرز في قلبها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، باعتبارها الفاعل الأكثر تأثيرًا في إعادة هندسة ميزان القوة على الأرض، ليس فقط من خلال العمل العسكري، بل عبر التحول التدريجي إلى كيان هجين يجمع بين البعد المسلح، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي غير المعلن.
منذ تأسيسها عام 2017، لم تنشأ الجماعة كتنظيم جديد بالكامل بقدر ما كانت إعادة دمج لعدة فصائل جهادية كانت تعمل بشكل متفرق في مالي ومنطقة الساحل، ما منحها منذ البداية بنية مرنة قائمة على التحالفات الداخلية بدل الهيكل الهرمي الصارم. ومع تطور الصراع، بدأت الجماعة في إعادة تعريف موقعها داخل البيئة المالية، حيث انتقلت من خطاب مرتبط بتنظيم القاعدة العالمي إلى خطاب محلي يركز على "مظالم الدولة" و"فشل الحكم" و"الانتهاكات الأمنية"، وهو تحول يعكس انتقال مركز الثقل من الأيديولوجيا العابرة للحدود إلى الشرعية المحلية القائمة على التفاعل مع المجتمعات المهمشة.
في هذا السياق، تبلورت مطالب الجماعة بشكل غير مباشر حول ثلاث دوائر رئيسية: رفض الوجود العسكري الأجنبي في مالي والساحل، خصوصًا الوجود الفرنسي السابق وما تبعه من ترتيبات دولية؛ إسقاط أو إضعاف الأنظمة العسكرية الحاكمة في باماكو باعتبارها غير شرعية في نظرها؛ وفرض نموذج حكم يستند إلى تفسيرها الخاص للشريعة في المناطق التي تنشط فيها، مع تقديم نفسها كبديل أمني وإداري في الفراغات التي تعجز الدولة عن إدارتها.
على مستوى التحولات، يمكن رصد انتقال تدريجي للجماعة من نموذج "التمرد المسلح الكلاسيكي" إلى نموذج "إدارة النفوذ غير المباشر"، حيث لم تعد السيطرة على الأرض هدفًا مطلقًا بقدر ما أصبحت القدرة على التأثير في المجال المحلي هي الغاية الأساسية. وقد تجلى ذلك في توسعها في فرض الإتاوات على طرق التجارة، والتحكم في مسارات الوقود والإمداد، والتأثير على حركة السكان في بعض المناطق الريفية، بما جعلها جزءًا من الاقتصاد القسري غير الرسمي في الساحل.
هذا التحول البراغماتي لم يكن معزولًا عن تطورات البيئة الإقليمية، بل جاء استجابة مباشرة لتغير ميزان القوى العسكري والسياسي في مالي، خصوصًا بعد الانقلابات العسكرية وصعود المجلس العسكري في باماكو، الذي تبنى مقاربة أمنية مختلفة أعادت توجيه التحالفات بعيدًا عن فرنسا نحو شركاء جدد، وفي مقدمتهم روسيا عبر ترتيبات أمنية متعددة المستويات. هذا التحول أدى إلى إعادة توزيع الوجود العسكري، لكنه لم ينجح في تفكيك البنية العملياتية للجماعة، بل دفعها إلى التكيف عبر التشتت الجغرافي وتوسيع نطاق الحركة نحو مناطق أقل كثافة عسكرية.
في هذا السياق، دخلت الجماعة في نمط صدام مباشر وغير مباشر مع المجلس العسكري في باماكو، حيث تصاعدت العمليات في الوسط والشمال، بالتزامن مع محاولات الحكومة فرض سيطرة عسكرية أكثر صرامة. إلا أن هذا الصدام لم يكن أحادي الاتجاه، إذ واجهت الجماعة أيضًا تغيرًا في طبيعة التدخل الخارجي، حيث أدى انسحاب أو تقليص الوجود الفرنسي وإعادة تموضع القوات الدولية إلى خلق فراغات أمنية، استُبدلت جزئيًا بوجود روسي اعتمد على نماذج مختلفة في إدارة العمليات، ما جعل طبيعة المواجهة أكثر تشابكًا وأقل خطية مقارنة بالمرحلة السابقة.
في موازاة ذلك، تميزت الجماعة بقدرة لافتة على إعادة تشكيل علاقاتها مع الفاعلين المحليين، خصوصًا في شمال مالي، حيث ظهرت مستويات من التقاطع غير المعلن مع حركات الطوارق، وعلى رأسها الحركات المرتبطة بإقليم أزواد. هذا التقاطع لم يصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي المستقر، لكنه اتخذ شكل تفاهمات ظرفية في بعض المناطق، تقوم على تقاطع المصالح في مواجهة الدولة المركزية، خصوصًا في ظل التاريخ الطويل من التوتر بين شمال مالي والسلطة في باماكو. وقد أعاد هذا النمط إنتاج ديناميكيات مشابهة لمرحلة 2012، حين تداخلت الحركات الانفصالية مع الفصائل المسلحة الإسلامية قبل أن تتفكك لاحقًا بفعل التدخل العسكري والانقسامات الداخلية.
أما على مستوى البيئة الإقليمية، فقد استفادت الجماعة من الطبيعة المفتوحة للحدود بين مالي ودول الجوار، حيث يمثل كل من النيجر وبوركينا فاسو امتدادًا عملياتيًا مباشرًا، في حين تشكل موريتانيا والجزائر فضاءات احتواء نسبي مع وجود مسارات تسلل عبر الصحراء، بينما تظل ليبيا عاملًا غير مباشر في تغذية الصراع عبر تدفقات السلاح وشبكات التهريب الممتدة منذ انهيار الدولة الليبية. هذا التشابك الإقليمي عزز من قدرة الجماعة على المناورة وإعادة التموضع، وجعل من الصعب حصرها داخل حدود دولة واحدة.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تعد مجرد طرف في الصراع داخل مالي، بل أصبحت محورًا بنيويًا في إعادة تشكيله، حيث تتقاطع عندها خطوط التوتر بين الدولة والمجتمع، وبين الفاعلين الإقليميين، وبين الجماعات المسلحة نفسها. وقد أدى هذا التموضع إلى تحويلها من تنظيم تمرد تقليدي إلى فاعل هجين يدمج بين العمل العسكري، وإدارة النفوذ المحلي، والقدرة على التكيف السياسي غير المعلن، في بيئة إقليمية تتسم بتآكل سلطة الدولة وتعدد مراكز القوة، ما يجعل مستقبل الصراع مرهونًا بقدرة الفاعلين الدوليين والإقليميين على التعامل مع هذه البنية المركبة بدل الاقتصار على المقاربة العسكرية وحدها. ويرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن الجماعة “نجحت في توظيف المظالم المحلية لصالح توسعها الميداني، في ظل فشل الاستجابات الأمنية في معالجة جذور الصراع”، وهو ما يعكس طبيعة التحول من تنظيم أيديولوجي إلى فاعل محلي متجذر في البيئة الاجتماعية.