البيان/صحف: تطرح العلاقة بين تركيا والدولة العبرية اليوم واحدة من أكثر معادلات الشرق الأوسط تعقيدًا، حيث تتقاطع المنافسة السياسية والاقتصادية والأمنية في مسار تصاعدي من التوتر اللفظي إلى احتكاك غير مباشر، دون أن يبلغ بعد مستوى المواجهة العسكرية المباشرة. ويأتي هذا الجدل في ظل تحولات إقليمية أوسع أعادت توزيع موازين النفوذ منذ ما بعد “الربيع العربي”، ودفعت كل طرف إلى إعادة تعريف موقعه ودوره في الإقليم.
تشير التحليلات الروسية المنشورة في صحيفة إزفيستيا إلى أن جوهر التوتر بين الجانبين لا يرتبط بحوادث عابرة، بل ببنية تنافس استراتيجي على قيادة المجال الإقليمي، حيث ترى كل من أنقرة وتل أبيب أن أي تراجع أمام الطرف الآخر اليوم قد يترتب عليه خسارة طويلة الأمد في موازين النفوذ غدًا. هذا التصور يجعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى “تنافس صفري” في بعض الملفات، رغم وجود قنوات تعاون غير مباشرة في مجالات محددة.
فعلى المستوى الجيوسياسي، عززت تركيا حضورها في ساحات إقليمية متعددة مثل سوريا وليبيا وأذربيجان وشرق المتوسط، وهو توسع تعتبره الدولة العبرية عامل ضغط استراتيجي جديد، لأنه يضع قوة إقليمية سنية كبرى في مساحات تماس غير تقليدية مع مصالحها الأمنية والبحرية. في المقابل، تنظر أنقرة إلى السياسات العبرية في الإقليم، وكذلك علاقاتها مع بعض القوى الكردية، باعتبارها مساسًا مباشرًا بأمنها القومي، خصوصًا في ظل حساسية الملف الكردي بالنسبة للدولة التركية.
غير أن هذا التصعيد في الخطاب والمصالح لا يعني تلقائيًا اقتراب مواجهة عسكرية مباشرة. فالعلاقة بين الطرفين لا تزال مقيدة بجملة من “الخطوط الحمراء” السياسية والأمنية، أبرزها الارتباط الوثيق لكلا البلدين بمنظومة مصالح مع الولايات المتحدة، إضافة إلى شبكة من التوازنات الاقتصادية والاستخباراتية التي تجعل كلفة أي صدام مباشر مرتفعة للغاية. كما أن كلا الطرفين يدرك أن تحويل التنافس إلى مواجهة عسكرية مفتوحة سيؤدي إلى تداعيات إقليمية تتجاوز القدرة على الاحتواء.
ومع ذلك، فإن ما يميز المرحلة الحالية هو اتساع رقعة “المواجهة غير المباشرة”، سواء عبر ساحات النفوذ الإقليمي، أو عبر الحرب الإعلامية والسياسية، أو عبر دعم أطراف محلية متنازعة في أكثر من ملف. هذا النمط من الصراع يعكس انتقال العلاقة من مستوى “التنسيق الحذر” الذي ساد في مراحل سابقة، إلى مستوى “إدارة تنافس حاد” قائم على الردع المتبادل دون الانزلاق إلى الحرب.
وتبقى فرضية التصعيد العسكري المباشر مرتبطة بعدة شروط غير متوفرة حتى الآن، أبرزها انهيار قنوات الردع غير المباشر، أو وقوع حادث أمني كبير يغيّر قواعد الاشتباك، أو توسع إحدى ساحات النفوذ إلى درجة تمس مباشرة المصالح الحيوية للطرف الآخر بشكل لا يمكن احتواؤه سياسيًا. وحتى في هذه الحالة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يزال يدور حول “صدام محدود بالوكالة” وليس حربًا شاملة بين الدولتين.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين تركيا والدولة العبرية تتجه نحو مزيد من التعقيد والتوتر، لكنها لا تزال حتى الآن ضمن إطار المنافسة الاستراتيجية المضبوطة، وليس الصراع العسكري المباشر. ومع استمرار تداخل الملفات الإقليمية وتعدد ساحات الاشتباك غير المباشر، فإن مستقبل هذه العلاقة سيعتمد على قدرة الطرفين على إدارة التنافس دون كسر قواعد الردع القائمة.