البيان/صحف: يطرح مقال للكاتب بن درور يميني في صحيفة يديعوت أحرونوت قراءة تحليلية عميقة لتحوّل جذري في طبيعة العلاقة بين الدولة العبرية والولايات المتحدة، معتبراً أن ما تواجهه تل أبيب اليوم لا يشبه أي أزمة سابقة في تاريخها مع الإدارات الأمريكية، سواء في عام 1975 خلال “إعادة التقييم” في عهد الرئيس جيرالد فورد، أو في أزمة الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 في عهد باراك أوباما، حين كان الدعم داخل الكونغرس لا يزال قوياً وحاسماً.
وبحسب المقال، فإن الفارق الجوهري اليوم لا يكمن في موقف البيت الأبيض فقط، بل في تآكل قاعدة الدعم التقليدية للدولة العبرية داخل الكونغرس الأمريكي نفسه، وهو ما يصفه الكاتب بأنه “تحوّل بنيوي” في المشهد السياسي الأمريكي، لم يعد يسمح بتكرار نمط رسائل الدعم الحزبية التي كانت تُرسل سابقاً من مئات أعضاء مجلس الشيوخ والنواب لصالح إسرائيل.
ويشير الكاتب إلى أن الفارق بين الماضي والحاضر يتجسد في الأرقام والسياق السياسي؛ ففي أزمات سابقة وقّع 76 سيناتوراً عام 1975 رسالة دعم للدولة العبرية، كما وقّع 83 سيناتوراً عام 2015 رسالة مشابهة تؤكد التزام واشنطن بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” للدولة العبرية. لكن بحسب التحليل، فإن مثل هذه المبادرات “لم تعد ممكنة اليوم”، في ظل تغير المزاج العام داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
ويذهب المقال إلى أن هذا التحول لا يعود فقط إلى قرارات سياسية ظرفية، بل إلى تغير أعمق في الرأي العام الأمريكي خلال العقد الأخير، حيث لم تعد الدولة العبرية تحظى بالإجماع الشعبي الذي كان ينعكس مباشرة على مواقف الكونغرس. ويربط الكاتب هذا التغير بعوامل متعددة، من بينها تصاعد التيارات التقدمية داخل الجامعات والمؤسسات الإعلامية، إضافة إلى تأثير حملات ونشاطات سياسية وإعلامية معادية للدولة العبرية.
وبحسب الطرح الوارد في المقال، فإن ما بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 مثّل نقطة انعطاف إضافية، حيث تراجعت مستويات التعاطف الشعبي مع الدولة العبرية في الولايات المتحدة، وهو ما انعكس تدريجياً على المشرّعين الذين باتوا أكثر حذراً في تبنّي مواقف داعمة بشكل مطلق لتل أبيب، مقارنة بالمراحل السابقة.
ويؤكد الكاتب أن الخطورة لا تكمن فقط في انتقاد الإدارة الأمريكية الحالية، بل في تحول دعم الدولة العبرية داخل الكونغرس من “أصل سياسي مضمون” إلى “عبء محتمل”، مشيراً إلى أن حتى اللوبيات التقليدية الداعمة للدولة العبرية، مثل “أيباك”، باتت تواجه انتقادات متزايدة في بعض الدوائر السياسية الأمريكية.
كما يربط المقال بين هذا التراجع وبين سلوك الحكومة الصهيونية الحالية، معتبراً أن بعض السياسات والتصريحات المتعلقة بالتوسع الاستيطاني أو التعامل مع الفلسطينيين تسهم في تسريع الابتعاد الأمريكي، إذ أصبحت تُستخدم كأدوات ضغط داخل النقاش السياسي في واشنطن ضد إسرائيل نفسها.
وبحسب الأرقام والسياق الذي يقدمه الكاتب، فإن التحول الحالي لا يتعلق بأزمة دبلوماسية عابرة، بل بمرحلة “إعادة تعريف” للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين، حيث لم يعد الدعم الأمريكي للدولة العبرية تلقائياً أو مضموناً كما كان في العقود الماضية، بل بات مشروطاً ومتأثراً بشكل مباشر بالرأي العام والانقسام السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.
ويخلص التحليل إلى أن الدولة العبرية تواجه تحدياً استراتيجياً طويل المدى في واشنطن، يتمثل في استعادة صورتها داخل الرأي العام الأمريكي، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لاستعادة الدعم السياسي في الكونغرس، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تحول عميق في طبيعة التحالف التاريخي بين الجانبين.