البيان/متابعات: في المشهد اللبناني الراهن، يحتفظ الموارنة بثقل سياسي مؤثر داخل بنية النظام الطائفي، انطلاقًا من موقع رئاسة الجمهورية وقائد الجيش الذي يشغله تقليديًا ممثل عنهم، وما يرافق ذلك من حضور داخل المؤسسات السيادية والإدارية. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، برزت داخل الأوساط السياسية المارونية مقاربات متباينة تجاه الصراع مع الدولة العبرية، تتراوح بين الدعوة إلى تحييد لبنان وتثبيت الاستقرار الداخلي، وبين مواقف أكثر حدة ترفض أي انخراط في مسارات تهدئة تُفهم كتنازل استراتيجي. ويعكس هذا التباين استمرار الانقسام التاريخي داخل البيئة المارونية نفسها حول طبيعة العلاقة مع المحيط العربي وحدود الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يكتسب استحضار المسار التاريخي للعلاقات المارونية – العبرية أهمية خاصة، بوصفه إطارًا تفسيريًا لفهم جذور هذه المواقف وتطورها عبر الزمن.
فمنذ نشأة الكيان اللبناني الحديث عام 1920، تبلورت داخل جزء من النخبة المارونية رؤية استراتيجية تقوم على بناء تحالفات خارج الإطار العربي، مستندة إلى هواجس ديموغرافية وسياسية مرتبطة بالهوية والدور. وقد تداخلت هذه الرؤية مبكرًا مع المشروع الصهيوني في فلسطين، لتنشأ شبكة علاقات واتصالات امتدت على مدى عقود، أخذت أشكالًا سياسية وأمنية، وتطورت لاحقًا إلى تحالف عسكري مباشر خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
تعود البدايات إلى عام 1920، حيث تشير الدراسات إلى أول "اتفاق تعاون" بين ممثلين عن الحركة الصهيونية وشخصيات مارونية، في سياق ما عُرف لاحقًا بمفهوم "تحالف الأقليات" في الشرق الأوسط، الذي سعى إلى ربط الجماعات غير المسلمة ضمن جبهة مشتركة في مواجهة المحيط العربي الإسلامي. وقد تأسس هذا التصور على قناعة عبّر عنها قادة من الطرفين بأن "الأقليات تشترك في مخاوف وجودية واحدة"، ما يجعل التحالف بينها خيارًا استراتيجيًا.
في ثلاثينيات القرن العشرين، أخذت هذه الاتصالات طابعًا أكثر وضوحًا، خاصة مع صعود شخصيات مارونية بارزة مثل إميل إدّه، الذي لعب دورًا محوريًا في تعميق العلاقة. فقد عقد لقاءات مع قيادات صهيونية، أبرزها اجتماعه مع حاييم وايزمان عام 1937 في باريس، حيث جرى بحث إمكانية إبرام اتفاق صداقة بين لبنان والوكالة اليهودية. وتشير الوثائق إلى أن إدّه لم يكتفِ بالاتصالات، بل تبنى رؤية تحالف سياسي بل وحتى عسكري مع المشروع الصهيوني، في إطار تصور “شراكة بين أقليات متفوقة ثقافيًا”.
وفي العام ذاته، دعم إدّه توصيات لجنة بيل التي نصت على تقسيم فلسطين وإنشاء كيان يهودي، وهو موقف يعكس تقاطعًا سياسيًا مبكرًا بين جزء من النخبة المارونية والمشروع الصهيوني. كما تكشف وثائق أخرى أنه اقترح عام 1945 ترتيبات جغرافية وديموغرافية حساسة في جنوب لبنان ضمن تصور أوسع للعلاقة مع الصهاينة.
بلغ هذا المسار ذروته في عام 1946، عندما وقّعت الكنيسة المارونية، ممثلة بالبطريرك أنطون عريضة، اتفاقًا مع الوكالة اليهودية. وقد نص الاتفاق على اعتراف متبادل: دعم ماروني لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مقابل اعتراف صهيوني بخصوصية الكيان اللبناني. وفي السياق ذاته، قدّم ممثلون مارونيون مذكرة إلى الأمم المتحدة عام 1947 تؤيد إنشاء الدولة اليهودية، في موقف يعكس انسجامًا سياسيًا مع المشروع الصهيوني قبيل قيام الكيان.
غير أن هذا التوجه لم يتحول إلى سياسة رسمية للدولة اللبنانية بعد الاستقلال عام 1943، نتيجة التوازنات الداخلية التي فرضها “الميثاق الوطني”، والذي قام على تسوية بين المسيحيين والمسلمين. ومع ذلك، استمرت الاتصالات غير الرسمية، وظلت فكرة "التحالف الطبيعي" حاضرة في التفكير الاستراتيجي لبعض النخب المارونية، خاصة في ظل تصاعد الصراع العربي الصهيوني.
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، انتقلت هذه العلاقة من مستوى الاتصالات السياسية إلى التحالف العسكري المباشر. فقد أقامت ميليشيات مارونية، وعلى رأسها حزب الكتائب والقوات اللبنانية، قنوات تعاون مفتوحة مع الدولة العبرية، شملت الدعم العسكري والتدريب والتسليح. وتوّج هذا المسار خلال الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، عندما نسّق بشير الجميل بشكل مباشر مع القيادة العبرية، في محاولة لإعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني بما يتوافق مع هذا التحالف وارتكب على أثر ذلك مجزرة صبرا وشاتيلا بحق اللاجئيين الفلسطينيين في لبنان.
في تلك المرحلة، لم يعد التعاون مجرد خيار تكتيكي، بل أصبح جزءًا من رؤية استراتيجية تعتبر الدولة العبرية حليفًا في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية والقوى اليسارية والإسلامية داخل لبنان. وقد تجسّد ذلك أيضًا في تشكيل "جيش لبنان الجنوبي" الذي عمل تحت مظلة العبرية في جنوب لبنان لسنوات لاحقة.
ورغم هذا المسار، تجدر الإشارة إلى أن الموقف الماروني لم يكن موحدًا؛ فقد عارضت شخصيات بارزة مثل ريمون إدّه أي تعاون مع الصهاينة، واعتبرته مساسًا بسيادة لبنان، ما يعكس الانقسام الداخلي داخل المجتمع الماروني نفسه.