كيف يحوّل الإسلام شدة الحر من معاناة يومية إلى فرصة للإيمان والتفكر، ويجعلها تذكيرًا بأهوال القيامة ونار جهنم، ودعوةً لشكر النعم، والإحسان إلى الناس، والاستعداد للقاء الله بالأعمال الصالحة؟
الحمد لله ﴿الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا
مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ يرينا من آياته سبحانه ما يدل
على قدرته وعجزنا، وقوته وضعفنا، وغناه وفقرنا، فلا نجاة للعباد إلا به، ولا حول
ولا قوة لنا إلا به، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ النبي المصطفى، والرسول المجتبى،
بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وهداية للمؤمنين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى
آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتذكروا بحر هذه الأيام شدة الحر في الموقف
العظيم يوم القيامة، وخذوا من لفح شمس الظهيرة عبرة بما وصف لكم من لفح نار جهنم
أعاذنا الله ووالدينا وأحبابنا والمؤمنين من دخولها، ونجانا برحمته من لفحها
وسمومها، وأنعم علينا بالفلاح والفوز بجنات النعيم ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ
النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102-104].
أيها الناس: في هذه الأيام من كل عام يشكو الناس شدة الحر أثناء خروجهم من منازلهم،
وركوبهم في سياراتهم، التي تكاد الشمس تذيبها من شدة حرارتها وقت الظهيرة. وإنها
لتذكرة لهم أن يعلموا قدرة الله تعالى عليهم، وضعفهم أمام آياته، وما الشمس والحر
إلا آية من آياته سبحانه، وعلامة على قدرته عز وجل. ولو شاء سبحانه لأذاب الأرض ومن
عليها، ولو شاء عز وجل لأحرقها ومن فيها، ولو اقتربت الشمس من الأرض شيئا قليلا لما
بقي في الأرض حياة ولا أحياء، ولكنه قدر بعدها لتنفع الأحياء ولا تهلكهم؛ وليكون
حرها عبرة لبني آدم فيتذكروا خالقهم، وجعلها مسخرة لمصالحهم ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ
الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: 5]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: 33]، ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ:
13]، فالشمس وحرارتها، وانتظام سيرها، عبرة لمن اعتبر، ودليل على قدرة الله تعالى
وعجيب خلقه وتدبيره وتسخيره.
ورغم أن الإنسان في هذا الزمن هُدي لصنع ما يخفف الحر ويبرد المنازل والمساجد
والمكاتب والأسواق والسيارات، إلا أنه يشتكي في أيام شدة الصيف بأن الحر أشد من
أجهزة التبريد، والمعتنون بمناخ الأرض يحذرون من تصحر الأرض وازدياد حرارتها سنة
بعد سنة بسبب إفساد بني آدم فيها، وهذا من طبيعة الإنسان الظلوم الجهول؛ فإنه دائم
الشكوى، كثير الإفساد إلا من أنعم الله تعالى عليهم بالإيمان والإصلاح، والرضا
واليقين، فنظر إلى الدنيا بعين مفارقها، ونظر إلى الآخرة بعين طالبها، فأخذ من
دنياه زادا يبلغه الآخرة، وجعل رضا الله تعالى والجنة غايته؛ فذلك الذي لا يكثر
الشكوى، ويصلح ولا يفسد.
ومن عظيم العبرة والعظة في حر هذه الأيام أن نعلم أن شدة الحر هذه ما هي إلا نفس
تنفست به النار بقدرة الله تعالى، فأصاب نفسها ملايين البشر في مشارق الأرض
ومغاربها، فاشتكوا من حرارته، وتأذوا من لظاه، وضجروا من لهيبه، وفروا من بلدانهم
إلى بلاد باردة، أو اتخذوا وسائل تبريد ليخففوا نفس جهنم؛ فكيف بنار جهنم ذاتها
وشوبها وسعيرها وحميمها وغساقها؟ وكيف لو فتح منها باب على الأرض؟ نعوذ بالله تعالى
منها، وأي عبرة بشدة الحر أبلغ من هذه العبرة، وأي عظة أوضح منها، ودونكم بعض
النصوص في ذلكم: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ
أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 81]، وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: «اشْتَكَتِ
النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا! فَأَذِنَ
لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ
مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ»
رواه الشيخان. فهذا الحر الشديد نفس واحد من أنفاسها فكيف لو فتح على الناس باب
منها، نعوذ بالله تعالى من ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ
شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»
رواه الشيخان.
وليتفكر كل من ضاق من شدة الحر بحال أهل النار أعاذنا الله تعالى منها؛ ليأخذ
بأسباب النجاة، ويعمل بعمل أهل الفوز والفلاح. وفي القرآن وصف كثير للنار ﴿إِنَّهَا
سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: 66]، ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ
سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97]. وفي القرآن وصف لحال أهلها حين يحيط بهم لهبها من كل
جانب، ويصلاهم حرها من فوقهم ومن تحتهم ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا
أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]. ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ
فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41]. والإنسان في الدنيا يفر من الموت، ويتشبث
بالحياة، ولكن أهل النار يطلبون الموت ويتمنونه من شدة ما هم فيه، ويطلبون تخفيف
العذاب فلا يجابون ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:
75]. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ
فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ
كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36].
وإذا توقف العبد لأي شغل في الشمس وهي تلهبه، أو في ظلها والسموم يلفحه؛ فليتذكر
موقفه يوم القيامة، وما ورد فيه من وصف مهول، وكرب شديد؛ نسأل الله تعالى النجاة
منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«تُدْنَى
الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ
مِيلٍ... فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ
مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ
إِلْجَامًا. قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ إِلَى
فِيهِ»
رواه مسلم. فمن له قدرة على تحمل ذلك؟!
إن الواحد منا إذا خرج في الظهيرة، وتعرق جبينه، وابتلت ثيابه بعرقه؛ ضاقت نفسه،
وأخذ يبحث عن ظل يأوي إليه، وعن ماء بارد يروي عطشه، وعن هواء بارد يزيل ما نفسه من
ضيق وضجر. فكيف بالموقف العظيم؛ إذا كانت الشمس على رؤوس الموقوفين، فيغرقون في
عرقهم من شدة حرها، فلا تسل حينئذ عن عطشهم وضجرهم وشدة كربهم، أظلنا الله تعالى في
ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأعاذنا من النار وعمل أهلها، ونجانا برحمته من كرب يوم
القيامة، إنه سميع مجيب.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى
آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ
نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا
هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: 123].
أيها المسلمون: علينا ونحن نرفل في نعم الله تعالى، ونتقي شدة الحر بما رزقنا من
وسائل الراحة والتكييف والتبريد أن نشكر الله تعالى على نعمه، فبيوتنا مظللة مكيفة
يأوي إليها الواحد بعد مشقة الخروج في الشمس فيجد الأنس والراحة، وإنها والله لنعمة
ما كان يجدها السابقون ولو كانوا ملوكا وأغنياء، وأنعم الله تعالى بها علينا في هذا
الزمن. وتفنن الناس في اللباس البارد الذي يخفف شدة الحر، ولا يمتص حرارة الشمس وهو
أيضا من رزق الله تعالى ومنحته لنا ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ
ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ
تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: 81]. وأنعم علينا بوسائل تبريد
المياه، فيشربه الواحد منا على الحر باردا يهنأ به، وهو من النعيم الذي نسأل عنه
يوم القيامة، وجاء النص عليه لأهميته عند الناس، وعظيم نعمة الله تعالى عليهم به
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ
أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي الْعَبْدَ مِنَ
النَّعِيمِ أَنْ يُقَالُ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ وَنُرْوِيَكَ مِنَ
الْمَاءِ الْبَارِدِ؟» رواه الترمذي وصححه ابن
حبان.
وشكر الله تعالى على هذه النعم يكون بالاستعانة بها على طاعته سبحانه، واللهج
باللسان حمدا لله تعالى وشكرا، وتفقد أحوال البيوت المستورة الذين لا يجدون مالا
يبردون به بيوتهم، أو لا يطيقون تكلفة طاقتها، وإعانتهم على ما يسترهم ويستر أسرهم،
ويخفف عنهم شدة الحر. ومن شكر الله تعالى بذل الماء البارد لعابر السبيل العطشان،
وللعمال الذي يعملون تحت وهج الشمس، وفي شدة الحر؛ فإن الماء البارد يرطب أكبادهم،
ويقطع عطشهم، ويعينهم في أعمالهم، ويسرهم إحساس الناس بهم، وقد غفر الله تعالى لمن
سقى كلبا عطشان، وشكر صنيعه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«فِي
كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» رواه
الشيخان. وسئل صلى الله عليه وسلم:
«أَيُّ الصَّدَقَةِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» رواه أحمد.
وصلوا وسلموا على نبيكم...