• - الموافق2026/06/25م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
﴿وَإِذَا سَمِعُوا ‌اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾

كيف يؤثر الانشغال باللغو في حياة المسلم وعبادته وقلبه، ولماذا جعله القرآن من صفات الغافلين، بينما عدَّ الإعراض عنه من سمات المؤمنين المفلحين وأسباب الخشوع وصلاح القلب والفوز في الدنيا والآخرة؟


الحمد لله السميع البصير، اللطيف الخبير؛ أمر بحفظ الأسماع والأبصار واللسان، ونهى عباده عن القيل والقال ولغو الكلام، نحمده على ما هدانا واجتبانا، ونشكره على ما أعطانا وأولانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ يعلم خفايا القلوب وما تكنه الصدور، وكل شيء عنده في كتاب محفوظ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ كان لنعم ربه سبحانه شكورا، وعلى أذى قومه صبورا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوه فلا تعصوه، واعلموا أنكم بعد الموت مبعوثون، وعلى أعمالكم محاسبون ومجزيون؛ فإما أعمال تسر أصحابها فيفوزون، وإما أعمال تسوؤهم فيخسرون ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 9-11].

أيها الناس: من أكثر ما يشغل الإنسان عن مصالح دينه وديناه؛ اشتغاله باللغو تكلما وسماعا وعملا. وإذا شغل اللسان باللغو عطل عن الذكر، وإذا شغل السمع باللغو عطل عن سماع ما ينفعه، وإذا شغلت الجوارح باللغو تثاقلت عن الطاعات، وعن مصالح الدين والدنيا. واللغو هو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال. ومن لغو الأقوال: ما يدور في مجالس الناس من كلام لا فائدة منه، وأخبار وقصص وطرائف ونكت ونحوها. ولربما تجاوزت اللغو إلى المحرم إذا تضمنت كذبا أو غيبة أو نميمة أو همزا ولمزا، أو جدالا وخصومة فيما لا فائدة منه؛ كالجدال في أمور سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ومنها الجدال في المسابقات الرياضية ونحوها؛ فإنها تفضي إلى الغضب والخصومة في الغالب، وتملأ القلوب بالإحن والضغائن، وربما صحبها تراشق بالسباب والشتائم، وعليها يدور الولاء والبراء، والمحبة والبغضاء، وكل ذلك مما يقدح في إيمان العبد، ويقسي قلبه، ويصرفه عما ينفعه، وكان بداية ذلك الاستسلام للغو. وكل لغو في شأن من الشئون يفضي في النهاية إلى محرمات لم يحسب العبد لها حساب. ولغو الأفعال هو كل فعل لا ينفع العبد في دينه ودنياه، وأكثر اللهو من اللغو، بل يتجاوز اللغو إلى المحرم، أو يفضي به إلى محرم. ولو أحصى العبد في يومه وليلته أقواله وأفعاله؛ لوجد أن كثيرا منها من اللغو، وهذا من الخسران المبين، ومن تضييع الأعمار في غير ما فائدة.   

وقد امتدح الله تعالى المعرضين عن اللغو ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55]، وجعل الإعراض عن اللغو من صفات المؤمنين الخاشعين المفلحين فقال سبحانه ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 1-4] فجعل الإعراض عن اللغو بين الخشوع في الصلاة، وأداء الزكاة، وهما ركنان من أركان الإسلام، وهذا يشي بأن من اشتغل باللغو لهى عن صلاته ولم يخشع فيها؛ لأن القلب المشغول باللغو واللهو تعتريه قسوة تضعف الخشوع فيه. فكأن من مستلزمات الخشوع في الصلاة الإعراض عن اللغو قولا وفعلا، تكلما وسماعا، فيجتنب مجالس اللغو، ويعرض عن اللاغين، ولو صادفهم مر بهم مرور الكرام؛ كما ذكر الله تعالى في صفات عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] «إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد يكرمون أنفسهم عنه». «فكأن المعنى: لا تدخل مع اللئام مجالَ اللغو والكلام الباطل الذي يُصادِم الحق ليصرف الناس عنه».

وحيلة أهل الباطل مع أهل الحق استخدام اللغو في محاولة طمس الحق، وإشغال الناس عنه بالمهاترات اللفظية، والمجادلات الكلامية، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]، فهم لا يغلبون أهل الحق إلا باللغو، وهو ما يفعله كثير ممن يعترضون على شريعة الله تعالى؛ إذ يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ويشوشون على مستمعيهم باللغو ليصرفوهم عن الحق إلى الباطل، ويتكئون على الأقوال الشاذة والمرجوحة ليضربوا بها محكمات النصوص؛ كما قال الله تعالى فيهم  ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]، واللغو أمضى أسلحتهم على الجهال والدهماء. ولو لم يكن في ذم اللغو إلا أنه سلاح أهل الباطل لدحض الحق؛ لكان كافيا في التنفير منه، وتنزه المؤمن عنه، فكيف وهو يؤثر في قلوب أصحابه فيكسبها القسوة، ويغطيها بالران، وذلك من الخطر العظيم على قلب العبد ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

وذم الله تعالى الشعراء في القرآن لكثرة لغوهم في أشعارهم ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ» رواه البخاري.

ولأن الأسواق يكثر فيها اللغو كانت شر البقاع، كما كانت المساجد خير البقاع؛ لأنها موطن الذكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» رواه مسلم. وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أهل الأسواق بالصدقة لمحو أثر اللغو والحلف فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ السُّوقَ يُخَالِطُهَا اللَّغْوُ وَحَلِفٌ، فَشُوبُوهَا بِصَدَقَةٍ» رواه أحمد.

ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي عرفت عنه اجتنابه للغو؛ كما قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ...» رواه النسائي وصححه ابن حبان. وهو صلى الله عليه وسلم أسوة للمؤمنين، فينبغي التأسي به في الإعراض عن اللغو سماعا وحديثا، ومفارقة مجالس اللغو؛ حفاظا على القلب من القسوة، وعلى الحسنات من الإهدار والتضييع.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

أيها المسلمون: للغو أثر في العبادات، وهذا يدل على خطورته؛ فربما أذهب أجرها كله، أو انقصه، وكم يغبن العبد يوم القيامة حين يجد اللغو قد أفسد عمله الذي داخله أو أنقص أجره، أو قاده اللغو إلى محرم القول أو الفعل فاكتسب به أوزارا وهو لا يشعر.

وفي حضور الجمعة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ؛ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ، والإمام يخطب، فقد لغوت» رواه الشيخان. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَغَدَا وابْتَكَرَ، فَدَنَا وَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَأَجْرِ سَنَةٍ: صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رواه أحمد، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «مَن اغتَسَلَ يومَ الجُمُعةِ، ومَس مِن طِيبِ امرأتِه إن كانَ لها، ولَبِسَ مِن صالح ثيابِه، ثمَّ لم يَتَخَط رِقابَ الناسِ، ولم يَلْغُ عندَ المَوعِظَةِ، كانت كفَّارةً لِمَا بينهما، ومَن لَغَا وتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ كانت له ظُهراً» رواه أبو داود. ومن تأمل هذه الأحاديث عرف كيف أن اللغو قد يذهب أجر الطاعات أو ينقصها، ومن حكم فرض زكاة الفطر تطهير صيام الصائم من اللغو؛ مما يدل على أثر اللغو في العمل الصالح، وإنقاص أجره، قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ...» رواه أبو داود.

ومن شرف ترك اللغو التشبه بأهل الجنة في نعيمهم؛ فإن الجنة منزهة عن اللغو، قال الله تعالى ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: 62]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25- 26]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 35]، وقال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: 10-11]. فمن أعرض عن اللغو عاش جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، وفي ذلك راحة القلب وطمأنينته وسعادته.

وصلوا وسلموا على نبيكم...

أعلى