لماذا يصرّ دونالد ترامب على تكرار دعوته لسوريا للتعامل مع حزب الله؟ وهل هي مجرد تصريحات عابرة، أم أنها تخفي مشروعاً أمريكياً أكبر لإعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق؟ خلف الكلمات تبدو حسابات معقدة تتجاوز لبنان إلى مستقبل المنطقة بأسرها.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، توالت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي
يحمل مضمونها شيئًا واحدًا، وهي دعوته لتدخل سوريا العسكري في لبنان للقضاء على حزب
الله، أو نزع سلاحه.
ففي السادس عشر من شهر يونيو الحالي، نقلت وكالات الأنباء، عن ترامب قوله خلال قمة
مجموعة السبع في فرنسا، إنه اقترح على الكيان الصهيوني السماح لسوريا بالتعامل مع
حزب الله. وقال ترامب نصاً: "اقترحت على "إسرائيل" أن تدع سوريا تتعامل مع حزب
الله، لأنني بصراحة أعتقد أن سوريا ستؤدي عملاً أفضل".
وكان ترامب قبل القمة، قد صرح ما مضمونه، أنه إذا لم يستطع الكيان الصهيوني القيام
بالمهمة دون قتل الجميع، فإن أحمد الشرع سيقوم بالمهمة، مؤكداً أنه أخبر الصهاينة
بضرورة السماح لسوريا بتولي هذا الملف.
وفي
مقابلة مع شبكة
NBC
الاخبارية، أشار ترامب إلى رغبته في رؤية هجوم أكثر جراحية على حزب الله، مضيفاً:
يمكننا مساعدتهم في ذلك، أو يمكننا أن نوصي بسوريا. سوريا تقوم بعمل جيد جداً في
تنظيف أوضاعها... وهو (الرئيس السوري) يود المساعدة، على حد تعبيره.
ثم ختم ترامب سلسلة تصريحاته تلك بحديثه مع شبكة فوكس نيوز الإخبارية، عندما قال:
أقترب من تسليم ملف حزب الله إلى سوريا، ومنح القوة للرئيس السوري أحمد الشرع.
ورغم أن ترامب لم يستخدم عبارة اجتياح عسكري صراحة، إلا أن الألفاظ التي استعملها،
جاءت بمعنى أن تتولى القوات السورية التعامل مع حزب الله بدقة أكبر، وهو ما أثار
جدلاً واسعاً باعتباره دعوة ضمنية لتدخل عسكري سوري في لبنان.
ولكن ماذا يريد ترامب بالضبط من هذه التصريحات المتوالية؟
هل يريد منها مناورة مع إيران كورقة في مفاوضاته معها، لينزع من يديها ورقة ذراعها
القوي في المنطقة، وأنه قادر بالفعل على قطعه؟
أم أنه يود أن يغرق النظام السوري الجديد في المستنقع اللبناني؟
وهناك احتمال ثالث، وهو أن ترامب يريد بالفعل إغلاق ملف سلاح حزب الله، بعد أن عجز
الجيش الصهيوني عن هزيمته، وهو واثق بالفعل في قدرة الشرع على إنهاء هذا الملف؟
وثمة احتمال رابع، بأن تصريحات ترامب تلك بمثابة ضغط على رئيس وزراء دولة الكيان،
حيث يمكن أن تعبر عن عدم رضا ترامب عن الطريقة التي يدير بها بنيامين نتنياهو
الحرب، وكأنه يقول إذا لم تنهوا هذه الحرب سريعاً ووفق المخطط الزمني الأمريكي،
فإننا سننقل ملف الترتيبات الأمنية الإقليمية إلى أطراف أخرى، ولن تظلوا اللاعب
الوحيد المدعوم مطلقاً.
وهناك ربما احتمال أخير، يتعلق بإعادة هندسة الشرق الأوسط، حيث
يعتمد
ترامب على مبدأ كسر القواعد التقليدية. فترامب يرى في النظام السوري الجديد صفحة
بيضاء يمكن تشكيلها. وهو يعرض على سوريا صفقة القرن الخاصة بها.
وسنبدأ بتفنيد كل احتمال من الاحتمالات الخمسة، ومدى واقعية كل منها.
الاحتمال الأول: المناورة مع إيران والضغط الإستراتيجي
يبدو الأمر متناقضاً بشكل صارخ؛ فكيف للرئيس الأمريكي الذي وقع لتوّه في 17 يونيو
الجاري، مذكرة تفاهم مؤقتة مع إيران لإنهاء الحصار البحري وإعادة فتح مضيق هرمز
بهدف خفض أسعار النفط، أن يستمر في تحريض دمشق لقطع ذراع طهران الأقوى حزب الله؟
ألا يهدد هذا بنسف التهدئة الهشة وإعادة النفط للتحليق مجدداً، وهو ما يخشاه ترامب
بشدة قُبيل الانتخابات النصفية؟
المفتاح لحل هذا اللغز يكمن في فهم عقلية الصفقة عند ترامب، والتي تعتمد على منطق
المقاول الإقليمي.
فترامب لا يرى تعارضاً لأنه يحاول فصل مسار المواجهة المباشرة مع إيران عن مسار
الترتيبات الإقليمية.
فالاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير ركّز على حركة الملاحة، والممرات المائية،
وبرنامج اليورانيوم، دون الإشارة لملف الصواريخ الباليستية أو الأذرع الإقليمية.
فترامب يريد إخلاء طرف أمريكا عسكرياً لحماية الاقتصاد، ولكنه في الوقت نفسه يفوّض
قوى إقليمية صاعدة، مثل سوريا بقيادة الشرع، وبغطاء تركي للقيام بالمهمة البرية.
وبذلك يرسل ترامب إشارة لإيران مفادها، نحن التزمنا بوقف الحصار والضربات
الأمريكية، لكن الصراع في الشام هو شأن سوري لبناني داخلي لا علاقة لنا به.
وفي نفس الوقت يلوح ترامب بهذه العصا لخدمة مفاوضات الـ 60 يوماً.
فهو يرسل رسالة لإيران بأن بدائل تفكيك نفوذها جاهزة ومتحفزة، وأن عليها الانصياع
للشروط الصارمة في الاتفاق النهائي (مثل تسليم مخزون اليورانيوم) وإلا فإن أدواتها
الإقليمية ستُسحق بغطاء دولي.
الاحتمال الثاني: فخ المستنقع اللبناني للنظام السوري الجديد
ينطلق هذا الاحتمال من فرضية كلاسيكية في العلاقات الدولية ترتبط باستدراج القوى
الإقليمية الصاعدة إلى صراعات مستنزفة تنهك قدراتها العسكرية. وتعتبر واقعية هذا
الطرح منخفضة من منظور تفكير ترامب الشخصي، فالرئيس الأمريكي لا يمتلك صبراً
إستراتيجياً كافياً للتخطيط لمؤامرات طويلة الأمد أو التورط في سياسات الاحتواء
المعقدة.
فالرجل يبحث دائماً عن انتصارات سريعة وحلول تجارية مباشرة. ومع ذلك، تظل الواقعية
قائمة إذا نظرنا للأمر كاستراتيجية خفية تدفع نحوها مؤسسات الأمن القومي الأمريكي
ودوائر الصقور في العاصمة الأمريكية، خاصة المرتبطين باللوبي الصهيوني في أمريكا،
والذي يعدون نظام الشرع عدوا مؤجلا.
ولكن لماذا يعتبر هؤلاء أن تدخل الشرع في لبنان بمثابة فخ له؟
الساحة اللبنانية تمثل تاريخياً حقل ألغام لأي قوة خارجية، وتدخل سوريا هناك سيعني
حتماً مواجهة دموية ومباشرة مع بيئة حزب الله الحاضنة، وهي الطائفة الشيعية، مما
يؤدي لاستنزاف موارد الدولة السورية الناشئة.
هذا السيناريو سيجعل القيادة السورية الجديدة غارقة في أزمة أمنية لا تنتهي،
ويجبرها على الاعتماد الكامل على الدعم والغطاء الأمريكي، ويحرمها من فرصة بناء
اقتصادها الوطني الداخلي. غير أن القيادة في سوريا تدرك هذا الفخ جيداً، ولذلك
سارعت لنفي الشكل المطلوب أمريكيا للتدخل، مؤكدة رفضها القاطع لتكرار أخطاء الماضي،
مما يضعف من فرص تحقق هذا الاحتمال على النحو الذي تريده أمريكا على أرض الواقع.
فالسوريون يركزون اليوم على ترتيب بيتهم الداخلي وتجنب الصراعات الإقليمية التي قد
تطيح بمكاسبهم السياسية والسيادية المحققة مؤخراً، ويفضلون الدبلوماسية على خوض
مغامرات عسكرية غير مأمونة العواقب في الجوار اللبناني المعقد أمنياً وطائفياً
وعسكرياً طوال العقود الماضية، وربما لهم ترتيبات دخول الى لبنان، ولكن ليس
بالطريقة التي يريدها ترامب.
الاحتمال الثالث: البحث عن حسم عجز عنه الكيان الصهيوني
يستند هذا الاحتمال إلى القراءة البراغماتية المباشرة لتصريحات ترامب، الذي يبدو
مقتنعاً بعدم كفاءة جيش دولة الكيان الصهيوني في حسم المعركة.
تكمن
وجاهة هذا السيناريو
في توافقه مع الاستراتيجيات التي يتبعها ترامب، والذي يفضل المقاولين المحليين
لإنجاز المهام.
فهذا الرجل يرى أن الجيش السوري يمتلك ميزة جغرافية واستخباراتية هائلة في لبنان
تفوق الكيان الصهيوني.
ومبررات تدخل ترامب في غزة لإيقاف الحرب عندما عجز جيش الكيان الصهيوني عن القضاء
على حماس، حيث لا يزال ماثلا أمام ترامب، وربما يود تجربته في الجنوب اللبناني ولكن
بآليات عملية أكثر.
لكن حتى من تلك الناحية العملياتية، يفتقر هذا الطرح في أحد جوانبه للواقعية؛
فالجيش السوري خرج لتوه من سنوات صراع مدمرة، وهو يعاد هيكلته وبناؤه،
فالاستراتيجية العسكرية السورية الحالية لا تضع صداماً كهذا في أولوياتها.
كما أن الكيان نفسه، رغم تعثره في لبنان، لن يقبل برؤية عودة القوات السورية إلى
لبنان، لما يشكله ذلك من تهديد استراتيجي طويل المدى على حدوده الشمالية، ففي
السابق قبل بوجود جيش الأسد في لبنان، بل كان مطلبا منه لإخراج قوات المقاومة
الفلسطينية، فالنظام السابق قد اختبره الصهاينة ما يقرب من نصف قرن، وهو يعتمد على
دعم أقلية طائفية سورية، وهذه استراتيجية صهيونية منذ تأسيسه، حيث يسعى إلى تمكين
الأقليات العرقية والدينية والطائفية في دول الجوار كوسيلة لتثبيت دولته المغتصبة،
وتوسيع دائرة نفوذها.
بناءً على هذه المعطيات، فإن اعتقاد ترامب بالشكل الذي يريده، يمثل تبسيطاً مخلاً
لتعقيدات المشهد والتركيبة التاريخية والسكانية للمنطقة، ويعكس فجوة واضحة بين
التصورات السياسية للنخبة الحاكمة في البيت الأبيض والقدرات الفعلية للأطراف على
الأرض.
الاحتمال الرابع: الضغط الداخلي على نتنياهو
يركز الاحتمال الرابع على البعد التكتيكي في علاقة ترامب المعقدة بـ بنيامين
نتنياهو، وتعتبر واقعية هذا التفسير مرتفعة جداً. فترامب يشعر بالاستياء من
الاستنزاف العسكري الصهيوني المستمر وتأثيره السلبي على صورته السياسية. فالتلويح
بالبديل السوري يمثل ورقة ضغط نفسية وسياسية لإجبار دولة الكيان الصهيوني على إنهاء
الحرب وفق جدول زمني أمريكي.
فالتلويح بالتدخل السوري، يبعث به ترامب رسالة حاسمة مفادها، أن الدعم الأمريكي ليس
شيكاً على بياض، وأن أمريكا مستعدة للبحث عن ترتيبات أمنية بديلة تتجاوز الرغبات
الصهيونية إذا استمر المأزق الحالي.
وتتأكد واقعية هذا الطرح بالنظر إلى رغبة ترامب المعلنة في تصفير الأزمات الخارجية
للتفرغ للملفات الاقتصادية الداخلية. هو يدرك أن إطالة أمد الصراع تخدم مصالح
نتنياهو الشخصية وتضر بالإستراتيجية الأمريكية الكبرى. لذلك، يستخدم تصريحاته كصدمة
سياسية لخلط الأوراق وإجبار الحكومة الإسرائيلية على تقديم تنازلات في مفاوضات
التسوية. ومن هنا، تنجح هذه السياسة في إحداث شرخ في المواقف السياسية الصهيونية،
وخاصة داخل المعارضة، حيث بدأت بعض الأوساط العسكرية والسياسية الصهيونية هناك تبدي
قلقاً حقيقياً من إمكانية تحول الموقف الأمريكي نحو مقاربات أكثر راديكالية
وتجاهلاً للمصالح الحيوية للكيان. إنها استراتيجية واضحة لابتزاز الحليف وتوجيهه
نحو المسار الذي يخدم الأجندة الرئاسية لترامب، مما يجعل هذا الاحتمال واقعيا
لخلفيات هذه التصريحات المتكررة التي صدمت الدوائر السياسية العبرية ودفعتها لإعادة
حساباتها العسكرية بدقة خوفاً من خسارة الحليف الإستراتيجي الأكبر للكيان الصهيوني.
الاحتمال الخامس: إعادة هندسة الشرق الأوسط عبر البراغماتية الصادمة
يرى ترامب في النظام السوري الجديد فرصة لكسر جمود المعادلات القديمة.
يقوم هذا الطرح على تقديم صفقة متكاملة لسوريا: الدعم السياسي، رفع العقوبات،
والمساهمة في إعادة الإعمار، مقابل قطع الصلة بإيران وتحجيم حزب الله. تعتمد واقعية
هذا المسار على مدى استعداد القيادة السورية للمغامرة بمكانتها الإقليمية. فرغم
المغريات الاقتصادية الكبيرة التي يقدمها الغرب، تواجه سوريا عوائق ضخمة تمنعها من
التجاوب الكامل مع هذا العرض بالشكل المطروح عليها أمريكيا.
فالنظام الجديد يحتاج لتثبيت أركانه داخلياً أولاً، والدخول في مواجهة مع قوى
إقليمية كإيران قد يهدد استقراره الهش.
وبالتالي، يظل هذا السيناريو طموحاً ونظرياً أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ
الفوري، لأن شروطه الإقليمية والمعقدة لم تنضج بعد، ولأن الثقة المتبادلة بين
أمريكا وسوريا لم ترق بعد إلى درجة التحالف الوثيق، وتتطلب سنوات من بناء جسور
التفاهم المشترك.
الخلاصة
هكذا نرى أن أفكار ترامب تصطدم دوماً بصخرة الواقع والتعقيدات الجيوسياسية المتجذرة
في الشرق الأوسط، لتظل هذه المقاربة مجرد رؤية نظرية تعكس أسلوب الإدارة الحالية في
إدارة العلاقات الدولية والملفات الساخنة بعيداً عن الالتزام بالثوابت والتحالفات
التقليدية السابقة للقوى العظمى.
ويبقى أن الطرف الوحيد الذي يستطيع أن يقلب الطرح النظري لترامب، والذي يتعلق
بالرغبة الأمريكية بدخول سوريا إلى لبنان لحسم ملف حزب الله، بصرف النظر عن الدوافع
الأمريكية، هو الطرف السوري، خاصة أنه في رفضه الدخول لم يغلق الباب كاملا في وجه
ترامب، ولكنه أبقاه مواربا، لحين تحقق شروطه سواء بقطع دعم الخارج للتمرد في الداخل
السوري، أو في طبيعة التدخل السوري المرتقب في لبنان ليسير وفق أجندة سورية، وليس
وفق أجندة صهيونية.