إلى أي مدى نجحت أسيلسان في تحويل الصناعات الدفاعية التركية من مجرد قطاع عسكري إلى منظومة سيادية تصنع النفوذ السياسي والاقتصادي، وكيف يمكن لهذا النموذج أن يعيد رسم مكانة تركيا وسط سباق التكنولوجيا والحروب الإلكترونية عالميًا؟
في قلب التحول الصناعي العسكري الذي تشهده تركيا خلال العقدين الأخيرين، تبرز شركة
أسيلسان بوصفها أحد أكثر النماذج تعقيدًا وتماسكًا في هندسة القوة الحديثة، حيث
يتداخل فيها الاقتصاد بمفهوم الأمن القومي. فمنذ تأسيسها عام ١٩٧٥ عقب حرب قبرص وما
تبعها من قيود غربية على الإمدادات العسكرية لتركيا، لم تعد الشركة مجرد كيان
صناعي، بل تحولت إلى ركيزة مركزية في مشروع تركيا لبناء استقلالها الدفاعي والتقني.
جاء تأسيس أسيلسان استجابة مباشرة لصدمة استراتيجية تمثلت في إدراك أن الاعتماد على
الخارج في الاتصالات العسكرية والأنظمة الحساسة يخلق نقطة ضعف سيادية. ومن هنا نشأت
رؤية تقوم على إنتاج "الدرع الإلكترونية" للجيش محليًا، بدءًا من أنظمة الاتصالات،
وصولًا إلى الرادارات والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي متعدد الطبقات، وهو ما
جعلها تدريجيًا تتحول إلى ما يصفه عدد من الباحثين بـ"العقل الإلكتروني للقوات
المسلحة التركية".
اليوم، تعمل الشركة ضمن بنية تقنية متكاملة تشمل أنظمة القيادة والسيطرة، الرادارات
بعيدة المدى، الحرب الإلكترونية، أنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى إلكترونيات
الطائرات المسيّرة والسفن الحربية. ويشير باحثون في الصناعات الدفاعية، إلى أن
القيمة الحقيقية لأسيلسان لا تكمن في منتجاتها الفردية، بل في قدرتها على دمج هذه
الأنظمة ضمن شبكة تشغيلية واحدة تربط ساحة المعركة رقميًا وتعيد تشكيل مفهوم
السيطرة العسكرية.
اقتصاديًا، تعمل الشركة ضمن نموذج هجين يجمع بين منطق السوق ومنطق الدولة. فهي
مدرجة في بورصة إسطنبول، لكنها خاضعة لهيكل ملكية يهيمن عليه الذراع الاستثماري
لمؤسسة القوات المسلحة التركية، ما يجعلها عمليًا امتدادًا للبنية السيادية للدولة.
ويصف الباحث الأمريكي آرون شتاين هذا النموذج بأنه حالة "اندماج مؤسسي بين الدولة
والسوق"، حيث تتحول العقود الدفاعية إلى محرك اقتصادي مباشر بدل أن تكون مجرد
مشتريات حكومية تقليدية.
ويظهر هذا الاندماج بوضوح في آلية الحوكمة، خصوصًا في تشكيل مجلس الإدارة، الذي
يتكون من مزيج من ممثلين عن المؤسسة المالكة الرئيسية وأعضاء مستقلين وفق متطلبات
هيئة أسواق المال التركية. غير أن التحليل المؤسسي يشير إلى أن التعيينات في هذا
المجلس لا تُفهم فقط ضمن منطق الشركات المدرجة، بل ضمن إطار أوسع تحكمه اعتبارات
الأمن القومي. فالأعضاء المرتبطون بالمساهم المسيطر يتم اختيارهم عبر آليات داخلية
مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، بينما يُضاف الأعضاء المستقلون لضمان الحد الأدنى من
التوازن الرقابي والامتثال المالي، وهو ما ينتج مجلسًا أقرب إلى "هيئة توجيه
استراتيجية للدولة" منه إلى مجلس إدارة تجاري تقليدي.
لذلك ينظر إلى الشركة من خلال التقييم العام لتعاقداتها بوصفها أهم محركات نموها
وتوسعها الجيوسياسي. خلال العام الأخير فقط، ووفق الإعلانات الرسمية للشركة
وتقاريرها المالية، تجاوزت قيمة العقود الجديدة التي حصلت عليها أسيلسان حاجز ٣٫١
مليار دولار أمريكي، ليصل إجمالي تعاقداتها التراكمي إلى ما يقارب ١٩ إلى ٢١ مليار
دولار، وهو ما يعكس امتداد التزاماتها المستقبلية لسنوات طويلة مقبلة. وتغطي هذه
العقود قطاعات متعددة تشمل أنظمة الدفاع الجوي، الرادارات، الحرب الإلكترونية،
الاتصالات العسكرية، وأنظمة إدارة ساحة المعركة الرقمية.
وتتوزع هذه العقود جغرافيًا بين السوق المحلي التركي، الذي يشكل العمود الفقري
للطلب، وعدد من الأسواق الدولية. في الشرق الأوسط، وقّعت الشركة عقودًا في دول مثل
المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، تركزت على أنظمة
الاتصالات العسكرية والحلول الرادارية والحرب الإلكترونية. وفي آسيا الوسطى، برزت
أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان كأهم الأسواق، حيث قدمت الشركة أنظمة قيادة وسيطرة
واتصالات ميدانية متقدمة ضمن تعاون دفاعي أوسع مع أنقرة. أما في أفريقيا، فقد توسع
الحضور التركي عبر أسيلسان في أسواق مثل نيجيريا وعدد من الدول الأخرى، من خلال
حلول المراقبة الحدودية والرادارات وأنظمة الأمن الداخلي.
ويرى محللون في الصناعات الدفاعية، من بينهم مايكل روبين، أن هذا التوسع لا يمكن
قراءته فقط كنجاح تجاري، بل كجزء من استراتيجية تركية أوسع تستخدم فيها الصناعات
الدفاعية كأداة نفوذ سياسي غير مباشر. في المقابل، يشير جال لوفيفر إلى أن تركيا
توظف شركات مثل أسيلسان ضمن ما يمكن وصفه بـ“الدبلوماسية
الدفاعية”، حيث
تصبح الصفقات العسكرية امتدادًا للعلاقات الجيوسياسية.
على الصعيد التقني، تُعد الحرب الإلكترونية والرادارات من أبرز نقاط التفوق النسبي
للشركة، خصوصًا في بيئات الصراع الحديثة التي تعتمد بشكل متزايد على تعطيل الخصم
بدل الاشتباك المباشر. إلا أن بعض الخبراء، مثل جيفري مانكوف، يشيرون إلى أن التحدي
الأكبر أمام أسيلسان لا يكمن في قدراتها الحالية، بل في انتقالها إلى الجيل القادم
من التكنولوجيا الدفاعية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي العسكري والأنظمة
الذاتية واتخاذ القرار الآلي، حيث لا تزال الشركات الأمريكية والصهيونية تتقدم
بفارق تقني واضح.
وعند مقارنتها بشركات عالمية مثل إلبت سيستمز، يظهر اختلاف جوهري في الفلسفة لا يقل
أهمية عن الفارق التقني. فبينما تعتمد إلبت سيستمز على نموذج تجاري عالمي قائم على
الابتكار السريع والتصدير الواسع، تتحرك أسيلسان ضمن نموذج سيادي يهدف إلى بناء
منظومة دفاع وطنية متكاملة، حتى لو جاء ذلك على حساب سرعة الاندماج الكامل في السوق
العالمية.
لذلك يمكن قراءة قصة أسيلسان نجاح صناعي صاعد، يراها آخرون اختبارًا مفتوحًا لقدرة
الدول المتوسطة على تحويل التقدم التكنولوجي إلى نفوذ استراتيجي طويل الأمد في نظام
دولي شديد التنافسية.