• - الموافق2026/05/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الطفل الذي تربيه المسافات؟

في زحام الحياة الحديثة، قد يحصل الطفل على كل شيء إلا الشيء الأهم: الطمأنينة، والأمان. فهو قد لا يفهم أسباب الغياب، لكنه يشعر بآثاره العميقة. ومع تكرار المسافات، ينشأ سؤال موجع: كيف تبدو روح الطفل الذي تربّيه مسافات الانتظارات الطويلة؟


إن تطرقت يوما وساءلت طالبات صغيرات عن أحلامهن في الكبر، فستتعدد الإجابات فمنهن من تعرب عن رغبتها أن تكون "طبيبة"، وأخرى تحب مهنة "المهندسة"، وثالثة يستهويها عمل "المعلمة"، أو حتى "رائدة فضاء"، ولكن هل ستجد من بين تلكم الطالبات من تقول "أريد أن أصبح أما محبة وعلى قدر المسؤولية"؟، في العادة لا....قد تكون قلة من يقلن ذلك أو حتى قد يعد ذلك من الندرة، ولئن قيل فسيعد مستهجنا، في ظل الوضع الرأسمالي الذي يعطي العمل والتحقيق الذاتي أهمية كبرى وأحقية في الاستيلاء على العقل البشري ومنهجه دونا عن سواه من الأمور، واستنكار ما لا يمت لتحقيق الرفاهية المادية واستجلاب سعادة "الأنا" بصلة.

وليس الهدف هنا مناقشة عمل المرأة كقضية مجتمعية أو دينية أو نحو ذلك، بل لنتجه صوب أحد أكثر الأمور حساسية وخفوتا، والتي لم يتم التطرق لها بالشكل المطلوب، ذلك الطفل الصغير الذي لا حول له ولا قوة، الذي يأتي لهذا العالم بلا اختيار منه، فلا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، إلا إذا أشرف أحد الوالدين أو المعنيين بأمره على إحاطته بجميع صروف العناية والاهتمام، وإلا بلى دون ذلك وانتهى.

وقد تضطر الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في معظم البلدان الأمهات للتشبث بأقسى المهن مكرهات، فقط لتوفير الحياة الكريمة لأطفالهن، ولا عيب في ذلك ولا ملام، ولكن لنسلط الضوء على تبعات ذلك، سواء أكان ذلك الضرر الحاصل معلوم حدوثه ام غير معلوم، ومقصود أم غير مقصود، وذلك لأن الضرر قد يكون واقعا في أغلب الأحوال، ولنجعل الأمر أخف وطأة وأكثر قابلية للعلاج، فعلى الأبويين أن يكونا على قدر من الوعي الكافي بما يمكن أن ينتاب الطفل من مشكلات تبعا لهذا الإجراء.

وبعيدا عن مفهوم التربية الحديثة وما يمت إليه بصله فليس هذا بأليق مكان للطرح فيه الآن، إلا أن الأبحاث في النهاية أوضحت وجود أربع أنواع من الآباء والأمهات مقدمي الرعاية وهم كما يلي:

الوالد الحازم (الوالد المتوازن الذي يجمع بين الحزم والعاطفة، وهو كفؤ يستطيع الطفل الاعتماد عليه وعلى وجوده عندما يحتاجه)

الوالد المستبد (الوالد الدكتاتوري المتسلط البارد المشاعر يوفر امانا ماديا دون وجود أمان وإشباع عاطفي)

الوالد المتساهل (الوالد الضعيف الحنون الذي يجد صعوبة في وضع أي قوانين تخص الطفل ويقدم هنا جرعة عالية من التجاوب العاطفي والانصياع التام لمشاعر الطفل بلا تفكير)

الوالد المهمل (الوالد الذي لا يقدم الرعاية المادية أو النفسية أو العاطفية، وهو في أغلب الأحيان أما غائب وإما منعزل)

وبعد الشرح المبسط للأنماط الأربعة، يجب التطرق إلى الجزء الأهم، هو تجربة العالمة النفسية "ماري آينوسورث"، وتعتمد نتائج هذه التجربة بشكل مباشر على أنماط التربية الأبوية المذكورة، قامت ماري بتجربة بسيطة وغير مؤذية، وهي مع ذلك مهمة بالغة الأهمية في تسليط الضوء على أهمية نمط التربية في السن الصغير وتصرفات الوالدين التي يكون أثرها بالغ الانطباع على الطفل.

قامت ماري في تجربتها بوضع أطفال بين عمر اثني عشر شهرا وثماني عشر شهرا في غرفة ألعاب مع مقدم الرعاية وليكن أقرب مثال "والدته"، وأجلست الأم على كرسي في الغرفة، ويبقى الطفل يلعب بينما تظل الام سلبية، ثم أدخلت امرأة غريبة عن الطفل وتتكلم مع الأم، ثم تخرج الأم ليبقى الطفل مع المرأة الغريبة، ثم تعود الأم بعد ذلك وتغادر المرأة الغريبة وتكرر هذه الدورة مرة ثانيه ومع إبقاء الأمر تحت الملاحظة وجدت ماري أن الأطفال انقسموا إلى عدة أقسام:

قسم تجاوب مع الغريب باللعب وأبتعد عن كرسي الأم في حال وجودها، ثم عند مغادرتها توقف عن اللعب وأبدى انزعاجه وعند عودة الأم عاد للتفاعل مع الشخص الغريب بصورة طبيعية، وكانت هذه أفضل النتائج الدالة على وجود تعلق آمن حيث يكتشف الطفل العالم وهو مدعم بالأمان بوجود أمه الذي يعلم تماما أنها ستعود وأنها قادرة على حمايته.

القسم الثاني تجاوب مع الشخص الغريب في وجود الأم وحتى عند مغادرتها، ولم يبد أي ردة فعل لوجودها او لذهابها وكانت تلك ردة فعل الطفل المصاب بالتعلق التجنبي، أي انه طفل مهمل لا يعبأ بوجود مقدم الرعاية لأنه ببساطة لا ينتظر منه دعما ماديا أو معنويا، ويصبح هو في هذه الحالة سيد نفسه المسؤول عنها.

القسم الثالث وهو ما نريد أن نركز عليه، لم يبرح الطفل جانب أمه وأبدى خوفا وانزعاجا من الغريب وبدأ في البكاء الهستيري عند ذهاب الأم، وعندما عادت عاد لجانبها أيضا، وهذا ينتج عن التعلق القلق .

وهناك نوع رابع أدرج بعد ذلك في أبحاث أخرى وهو التعلق المشتت حيث أبدى الأطفال عند عودة الأم ردود فعل غريبة، منها الاختباء أو البكاء أو الهرب، وهنا يمكن القول إن مقدم الرعاية يمثل للطفل مصدر تهديد أكثر من كونه مصدر أمان.

ومن هنا كان علينا ربط ذلك بشكل وثيق بما قيل في أول ما قيل، ينشأ "التعلق القلق" غالبا عند تغير الاستجابة العاطفية من الأم مثلا، فتتبدل من الحنونة إلى القاسية ومن العصبية إلى الهادئة المسالمة، ومن المتجاهلة إلى الصارمة وهلم جرا، ولكن الفكرة هنا هو الاستدلال من نتائج هذه التجربة على نقطة أخرى، وهي أن غياب الأم غير المنظم وغير المبرر ــ بالنسبة للطفل ــ ربما يعادل أثر تذبذب المشاعر وعدم استقرارها عند مقدم الرعاية،  فعدم وجود الأم ــ بالشكل الأدق ــ في محيط الطفل بشكل شبه دائم في طفولته المبكرة يؤثر سلبا على سلوكياته كطفل سوي.

لا يملك دماغ الطفل القدرة على التحليل والتفكير في السن الصغير، ولا يملك القدرة على تبين الأسباب المنطقية لهذا الغياب أو أسبابه، كل ما يعرفه هو "أنا أحتاج أمي وأمي الآن موجودة"، وهذا يخلق في دماغ الطفل التباس غير مفهوم، لا يدرك سبب الغياب ولا سبب التواجد اللحظي الآن، ولا يدرك النظام القائم على الذهاب والعودة بصورة دورية ــ خصوصا اذا كان الغياب مفاجئا ولفترات شبه طويلة ــ  ولكن يدرك أن الأمور غير دائمة غير منتظمة وبالتالي... غير آمنة!، فالضرر هنا لا يقع فقط نتاج لغياب "دوام الثمان ساعات" بل في الستة عشر ساعة القادمة التي لا تعد في شيء سوى أنها انتظار مقرون بالتوتر والتأهب لوقوع الكارثة، فينعدم الأمان عند الطفل حتى في حالة وجود الأم بالفعل قرب الطفل، لأنه يسأل نفسه دائما "متى ستحين اللحظة التي ستغادر فيها أمي ولن تكون إذ ذاك معي؟"

ربما يكبر هذا الطفل ويمر بمراحل الطفولة عاديا لا تبدو عليه سيماء المرض إلا من بعض خوف وقلق وتوتر وتجنب وخوف من الحياة وتصلب في مواجهة الصعاب، وما إلى ذلك التي قد تكون أمورا طبيعية وتكون في أغلبها محض جينات أختص بها هذا الطفل، ولإن لم يكن فلن يعدو ذلك عن كونه استعدادا وراثيا!

ويكبر هذا الطفل ويشب ويصير رجلا بالغا، ثم هو ليس في أحسن من ما كان في شيء ولكن ربما أسوأ، فلا يدري مما هو يرتعد خوفا، ولا يدري أي شيء هو يخشى أن يفقد، ولا يدري سبب تشبثه دائما بما يعرف وخوفه من الغريب، ولا يدري ما سبب كثرة تفكيره وتوتره، ويتلفت هنا وهناك، وربما قد يختلف إلى مختلف الأطباء النفسيين منهم والجسمانيين، ثم هو لا يجد ما ينفع من دواء ولا يجد له شفاء، ولا سببا منطقيا يقوده إلى ما يعاني من أهوال.

فدماغ الطفل يحتفظ بوضع التأهب وانعدام الأمان، ثم يتشبث العقل بذلك في اللاواعي، ليتعامل مع العالم كله كأنه شيء مجهول يحمل آثار الخوف في ما تلاه من أيام وسنوات، ويتمثل ذلك أكثر ما يكون في الخوف الزائد مما يعتري طريقه من عثرات، والتي لا محالة لا بد معترضة سبيله في حياته، ومن بربك تكون حياته خالية من العقبات والعثرات؟!

فينتج جيل في حالة افتقار إلى "الثقة الاجتماعية" ويغدو قليل التطور وأقل مقدرة على المخاطرة؛ فالمجتمع الذي ينشأ وهو يحاول جاهدا اكتساب الاستقرار والأمان الذي فقده لن يجد الوقت الكافي للخروج من حيز حماية النفس للنظر بشكل أوسع في إفادة المجتمع.

وبما أن هؤلاء الأطفال لا بد أن يكبروا ليصيروا "مقدمي رعاية" في يوم من الأيام فهذا جزء آخر وبعد آخر من المشكلة، حيث إن ردة الفعل الطبيعية إما أن يصبح هؤلاء الآباء متساهلين، يخضعون لمشاعر الطفل بكل الأحوال، كيما لا تكرر هذه التجربة القاسية مع أبنائه، وإما أن يصبح هذا "الطفل" بشخصه بعيدًا جدًا عن أولاده لأنه لم يستطع أن يعيش هو بذاته طفولة مفعمة بالمشاعر السوية.

فنحن بصدد الحصول على جيل يؤثر المعروف والمنتظم ويفتقر إلى النفسية القوية المتفتحة، لتصبح التكلفة الحقيقة لانعدام الأمان في الطفولة خسارة المجتمع المتماسك لصالح مجتمع الفردانيين.

ومن هنا كان السؤال، هل يستحق تحقيق الرخاء الاقتصادي أو تحقيق الذات، دفع الثمن من رصيد الطفل؟، هي يستحق ذلك استنزافه معنويا؟، ذلك أن لكل أمر ثمنًا.

 

 

أعلى