هل يعكس صعود تيار «أمريكا أولاً» تحولًا عميقًا في الهوية السياسية الأمريكية، يعيد صياغة علاقة واشنطن بالعالم والشرق الأوسط، ويحدّ من التدخلات العسكرية الخارجية لصالح القومية الاقتصادية والمصالح الداخلية والحسابات البراغماتية الأمريكية البحتة؟
لازالت الولايات المتحدة تتربع على عرش التفوق العالمي وفق أكثر المؤشرات العلمية،
سواء الاقتصادية أو العسكرية أو التكنولوجية وغيرها.
لذلك فإن دراسة التيارات الفكرية السياسية داخل المجتمع الأمريكي والتي تؤثر على
سياساتها ووضعها العالمي، والتغيرات الطارئة لفكر هذه التيارات وتوجهاتها، سيعطينا
بلا شك منارة ومؤشرا على مكانة هذه الدولة عالميا، ومدى استمرار هذا التفوق الواقع
حاليا، وتأثيره على منطقتنا وما يدور فيها من صراعات.
ومن أبرز التيارات الفكرية والتي كان لها تأثير مباشر على نتائج الانتخابات
الرئاسية والبرلمانية الأمريكية الأخيرة، هي صعود تيار يميني يطلق عليه "أمريكا
أولا". فمتى نشأ هذا التيار؟
وكيف ارتقى ليصبح رقما مؤثرا؟ وما تأثيره على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخاصة
على قراراته الحاسمة؟ ولكن كيف نفهم نشأة هذا التيار وحدود تأثيره؟
طريق للفهم
لفهم ظاهرة صعود تيار أمريكا أولا وتأثيره على فوز الرئيس دونالد ترامب في
الانتخابات، وإعادة تشكيل عملية صنع القرار السياسي الأمريكي، سنستخدم الاقتراب
البنائي، الذي يعد من أنسب المقاربات العلمية المعتمدة في علم السياسة والعلاقات
الدولية لتحليل هذه الحالة.
هذا
الاقتراب هو أحد النماذج التفسيرية الرئيسية في العلوم السياسية، أسسه مفكرون مثل
ألكسندر ويندت ونيكولاس أونوف، ويتميز بقدرته على تفسير كيف تُشكل الأفكار والهويات
سلوك الدول وقرارات قادتها.
يقوم الاقتراب البنائي على فكرة مركزية مفادها أن الواقع السياسي والاجتماعي ليس
معطىً مادياً ثابتاً، بل هو نتاج تفاعلات اجتماعية وأفكار مشتركة.
يفترض الاقتراب البنائي أولوية الأفكار والهوية، فالمصلحة الوطنية لأي دولة ليست
نابعة فقط من قوتها المادية (العسكرية والاقتصادية)، بل تتشكل بناءً على هوية
الدولة والأفكار التي تعتنقها النخبة والمجتمع.
يستخدم الباحثون في هذا الاقتراب أربع أدوات منهجية محددة لفهم كيفية تحول الأفكار
إلى سياسات وقرارات:
١.
تحليل
الخطاب السياسي: تفكيك الخطابات، والتغريدات، والوثائق الرسمية، والمقابلات لفهم
كيف يبني الفاعل السياسي المعاني، وكيف يُعرّف الذات (نحن) والآخر (هم).
٢.
تتبع العملية: تتبع
التسلسل التاريخي لكيفية ظهور فكرة معينة (مثل أمريكا أولاً)، وكيف انتقلت من
الهامش إلى صدارة المشهد السياسي، ثم كيف تُرجمت إلى سياسات رسمية.
٣.
تحليل الهوية: دراسة
العوامل الثقافية والتاريخية التي يستدعيها الفاعل السياسي لإيجاد شعور بالانتماء
لدى شريحة معينة من الناخبين.
٤.
دراسة
السلوكيات الرمزية: لتحليل الأفعال التي تحمل رسائل أيديولوجية (مثل الانسحاب
الاستعراضي من اتفاقيات دولية) وكيف تخدم هذه الأفعال هوية التيار السياسي.
وباستخدام الاقتراب البنائي وأدواته، يمكننا تفسير ظاهرة صعود تيار أمريكا أولا عبر
ثلاثة محاور رئيسية: نشأة التيار، تأثير هذا التيار في صعود ترامب، القدرة على
تشكيل وصناعة القرار السياسي الأمريكي.
أولا:
نشأة التيار
لفترة
طويلة، كانت الهوية السائدة للولايات المتحدة (كما بنتها النخب السياسية التقليدية)
هي كونها زعيمة العالم الحر، والمدافعة عن النظام الليبرالي العالمي والعولمة.
باستخدام تحليل الهوية، نجد أن تيار أمريكا أولاً نشأ كعملية تفكيك لهذه الهوية،
وإعادة بنائها حول مفاهيم القومية، والحمائية الاقتصادية، والسيادة الوطنية
المطلقة.
واستدعى هذا التيار مشاعر القلق لدى شرائح واسعة من العمال والطبقة المتوسطة تجاه
تأثيرات العولمة، معتبراً إياها تهديداً للهوية الأمريكية الأصلية.
لتفكيك جذور تيار أمريكا أولاً قبل مرحلة دونالد ترامب، يجب أن ننظر إليه ليس كحزب
سياسي، بل كنزعة قومية انعزالية متجذرة في التاريخ الأمريكي، تظهر بقوة كلما شعرت
القاعدة الشعبية بإنهاك الدولة من الانخراط العالمي.
كانت البداية عام ١٩٤٠، عندما نشأت لجنة أمريكا أولاً، والتي تأسست لمنع دخول
الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، وكان هدفها الضغط على الرئيس فرانكلين
روزفلت للالتزام بالحياد.
كان القائد التنظيمي للجنة، روبرت وود وهو كان رئيسا لشركة سيرز العملاقة، بينما
كان الوجه الإعلامي والأكثر تأثيراً، تشارلز ليندبرغ الذي أثارت خطاباته حينها
جدلاً واسعاً بسبب نبرته التي اعتُبرت معادية للسامية.
ومن المفارقات، أن تلك اللجنة ضمت في بداياتها أسماء شابة أصبحت لاحقاً رموزاً
لليبرالية مثل جيمس ستيوارت وجون كينيدي، والذي ساهم بمبلغ مالي في بداياته قبل أن
تتغير قناعاته.
ومن الغريب أيضا، أن تيار أمريكا أولاً لم يكن حكراً على اليمين، بل كان تحالفاً
عرضياً، فقد دعمه المحافظون التقليديون من اليمين، والذين عارضوا صفقة روزفلت مع
الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ورأوا في التدخل الخارجي توسيعاً لسلطة الحكومة
الفيدرالية.
وفي نفس الوقت، دعم التيار اشتراكيون ومعادون للإمبريالية (مثل نورمان توماس)،
الذين رأوا أن الحرب تخدم الرأسمالية والشركات الكبرى على حساب دماء العمال.
ومن المفارقات أيضا في هذا التيار، أنه دخل في صراع مع المحافظين الجدد.
هذا هو الصراع الأكثر جوهرية في فهم تيار أمريكا أولاً، الذي أصبح الخصم اللدود
للمحافظين الجدد:
فالمحافظون الجدد، يؤمنون بالأممية، واستخدام القوة العسكرية لنشر الديمقراطية،
والقيادة الأخلاقية للعالم.
بينما تيار أمريكا أولاً، يرفض بناء الأمم، ويرى أن تغيير الأنظمة في الخارج هو
إهدار للموارد الأمريكية.
ومن أجل ذلك قاد بات بيوكانن أحد أشهر قادة هذا التيار في تسعينات القرن الماضي،
حملة شرسة ضد التدخل في العراق وضد التدخل في البلقان، معتبراً أن المحافظين الجدد
اختطفوا الحزب الجمهوري لصالح أجندات عالمية.
أما علاقة تيار أمريكا أولا باليمين الصهيوني الأمريكي تاريخياً، فقد اتسمت العلاقة
بين التيارين بالتوتر الشديد والعداء في مراحل كثيرة:
ففي الأربعينيات، اتهم أبرز رموز تيار أمريكا أولا في تلك الفترة، مثل تشارلز
ليندبرغ وهوج الجماعات اليهودية صراحة بأنها تدفع أمريكا نحو الحرب العالمية
الثانية لمصالح غير أمريكية، مما وصم التيار بمعاداة السامية لعقود.
كما كان بات بيوكانن من أشد المنتقدين لتأثير اللوبي الصهيوني على السياسة الخارجية
الأمريكية، ووصف الكونجرس بأنه منطقة محتلة من قبل الكيان الصهيوني، مما جعله في
حالة صدام دائم مع اليمين الصهيوني والمحافظين الجدد.
ولذلك شهد هذا التيار تحولا مع ترامب. فما فعله ترامب لاحقاً كان توليفة غير
مسبوقة؛ حيث دمج شعار أمريكا أولاً الانعزالي مع دعم مطلق لليمين الصهيوني، وهو ما
يعتبر انحرافا عن الجذور التاريخية للتيار التي كانت تميل للحياد التام وعدم تقديم
مساعدات خارجية لأي طرف.
بعد هذا الاستعراض، وبالتغلغل في فكر هذا التيار، نجد أنه ارتكز على عدة ركائز
فكرية أهمها:
١.
الحماية التجارية، فقد رفض اتفاقيات التجارة الحرة (مثل نافتا).
٢.
السيادة الوطنية، وانبثق منها معارضة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
٣.
الهوية الثقافية، ومنها التركيز على القيم الغربية التقليدية ومعارضة الهجرة
الكثيفة.
ولكن ما تأثير هذا التيار على الحياة السياسية الأمريكية؟
هذا التيار ظل هامشياً داخل الحزب الجمهوري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى
جاءت لحظة الفشل في العراق، والأزمة المالية 2008، وهي اللحظة التي أعاد فيها
دونالد ترامب إحياء هذه الأفكار القديمة ووضعها في قالب عصري وشعبي.
وصول ترامب للرئاسة
في الفترة التي سبقت وصول ترامب إلى الرئاسة الأمريكية، ازدادت شعبية هذا التيار
على أيدي رموز جديدة، ولم يعد التيار مقتصرًا على مفكرين خلف الكواليس، بل أصبح
يقوده صقور سياسيون وإعلاميون يمثلون المحرك الفعلي للحزب الجمهوري كان من أبرزهم:
جي دي فانس: نائب الرئيس الأمريكي، وهو التجسيد السياسي الأوضح لهذا التيار. وفانس
يمثل الجناح الذي يرفض التدخلات العسكرية الخارجية، خاصة في أوكرانيا، ويركز على
القومية الاقتصادية.
ومن أبرز رموزه حاليا، تاكر كارلسون، الإعلامي الأكثر تأثيراً، والذي يلعب دوراً
جوهرياً في صياغة الرأي العام للقاعدة الانتخابية لترامب، وهو من أشد المعارضين
للحروب في الشرق الأوسط.
ومن رموزه أيضا، فيفيك راماسوامي، وهو الذي يروج لمنظور الواقعية القومية، حيث يرى
أن الدعم الأمريكي لأي طرف يجب أن يكون مشروطاً بتحقيق مصلحة مادية مباشرة وألا
يكون شيكاً على بياض.
كذلك دخل التيار ميدان مراكز الفكر والسياسة، وهي كيانات تعمل على مأسسة أفكار
التيار وتحويلها إلى خطط تنفيذية، فأسس معهد سياسة أمريكا أولاً، وسيطر على مؤسسة
هيريتيج، والتي أشرفت على مشروع 2025.
"امريكا أولا" والشرق الأوسط
بخصوص إيران: يتبنى التيار استراتيجية الضغط الأقصى، ولكن دون التورط في حرب شاملة.
فالهدف هو خنق النظام اقتصادياً وإضعاف وكلائه لضمان الاستقرار الذي يسمح لأمريكا
بالانسحاب تدريجياً من المنطقة للتركيز على الصين.
فهم لا يريدون تغيير النظام بالقوة (نهج المحافظين الجدد)، بل يريدون تحييد التهديد
بأقل تكلفة عسكرية.
وبخصوص حرب غزة: نجد أن التيار يدعم الكيان الصهيوني بقوة، من منظور إنهاء المهمة
بسرعة، والمنطق هنا ليس عقائدياً بالضرورة لكل أطراف التيار، بل هو منطق براجماتي؛
فالمماطلة في الحرب تعني استنزافاً للموارد الأمريكية وانخراطاً أكبر لواشنطن. لذا،
الضغط سيكون باتجاه حسم عسكري سريع أو تسوية تضمن أمن الكيان دون الحاجة لوجود
عسكري أمريكي دائم.
ويبقى السؤال هل سيكون هذا التيار أحد العوامل التي ستدفع بحدوث تغييرات مستقبلية
في اتجاهات السياسة الأمريكية تجاه دولة بني صهيون؟
هذا هو السؤال الجوهري، والإجابة تكمن في صراع مكتوم داخل تيار أمريكا أولاً نفسه:
فالجناح الإنجيلي والقومي التقليدي: يرى أن أمن الكيان جزء لا يتجزأ من الهوية
الأمريكية، أما الجناح القومي الواقعي وأكثره من الشباب، فقد بدأوا يطرحون تساؤلات
كانت تعتبر محرمة في الحزب الجمهوري، مثل: إلى متى سنستمر في تقديم مليارات
الدولارات كمساعدات خارجية بينما تعاني بنيتنا التحتية؟
التوقعات المستقبلية
لذلك سنرى مستقبلا إذا استمر صعود هذا التيار هو تحول العلاقة بين أمريكا والكيان
من الشراكة الاستراتيجية إلى العلاقة التبادلية.
فلن نرى تخلياً عن دولة الاحتلال، لكننا قد نرى مطالبة أمريكية واضحة للكيان بأن
يتحمل تكلفة أمنه بنفسه بشكل أكبر.
لذلك سيقاوم هذا التيار بشدة أي محاولة لإرسال قوات أمريكية للدفاع عن الكيان في
حال نشوب حرب إقليمية واسعة، مفضلاً تقديم الدعم الاستخباراتي والتكنولوجي فقط.
وهذا التوقع يؤكده المحلل الصهيوني في صحيفة معاريف يعقوب كاتس، حيث كتب: "في ظل
إدارة جمهورية، سيتوقف الكثير على الجناح الذي يسيطر على البيت الأبيض داخل الحزب.
إن النزعات الانفصالية داخل الحزب الجمهوري اليوم حقيقية، بل ومتنامية".