كيف تحوّل الأذان إلى شعار خالد يعظّم التوحيد وشعائر الله، ويجمع بين الروح والمادة، ويبرز فضل المؤذنين، بينما حفظ التاريخ مواقف مؤثرة ارتبطت بنداء الإسلام، فبقي الأذان رمزًا للإيمان والطاعة ووحدة المسلمين وتعظيم الدين في مختلف العصور والأماكن؟
«الله أكبر» نداء خالد، بـه الأمجادَ نصنع، وبه الصَّلاةَ نَبدأ، وبه الحياةَ
نَبني؛ {وَمَنْ يُعظِّمْ شَعَائرَ الله فَإنَّها مِنْ تَقوَى القلُوب}
[الحج: 32].
من معاني «الله أكبر»: أن تكون الحياة كلُّها صـغيرة أمام ناظرَيك. إذا عُرِضَ
عليك المال والجـاه؛ بل إذا عُرِضَـت عليك الدُّنيـا بما فيها، استمسكتَ بدِين
الله، وقـلت: «الله أكبر». الله أكبرُ مِن المال والجـاه والثَّروة.
الله أَكبرُ إِيـمَانٌ وَمُعتَمـدُ
الله أَكبـرُ إِعـلَاءٌ وَمُعتَقـدُ
فـي السَّنة الأولـى بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شُرِع الأَذان؛
وذلك لمَّا هاجر المسلمون إلى المدينة المنوَّرة، وبنوا المسجد، واحتاجوا إلـى أداة
تجمعهم فـي وقت واحد؛ لأداء الصَّلوات المكتوبة فـي جماعة؛ حيث قال النَّبيُّ صلى
الله عليه وسلم للصَّحابـيِّ الَّـذي رأى في منامه مَن يعلِّمـه الأذان، قال له:
«قُم فلَقِّنهُ بلالًا؛ فَإنَّه أَندَى صَوتًا مِنك»[1].
رؤيا رآها الصَّحابـيُّ الجليلُ عبد الله بن زيد -رضي الله عَنه-، قال: لـمَّا
أُمِرَ بالنَّاقوس لِيُضْرَب به لأجل الصَّلاة، طاف بي -وأنا نائم- رجل يحمل
ناقوسًا في يده، فقلت له: يا عبد الله! أتبيع النَّاقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال:
فقلت ندعو به إلى الصَّلاة. قال: أفلا أدلّك على ما هو خير مِن ذلك؟ قلت: بـلى،
قال: تقـول: الله أكبر، الله أكبـر، الله أكبر، الله أكبـر، أشـهد أن لا إله إلّا
الله، أشـهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنَّ محمَّـدًا رسول الله، أشهد أنَّ
محمَّـدًا رسول الله، حيّ على الصَّلاة، حيّ على الصَّلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على
الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله.
قال: فلمَّا أصبحتُ أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأخبرته بما رأيت،
فقال: «إنَّها لَرؤيَا حَقّ إنْ شَـاءَ الله، فَقُم معَ بِلال، فَألقِ عَليهِ مَا
رَأيت؛ فَليؤذِّن بِه؛ فَإنَّه أَندَى صَوتًا مِنك». قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه
عليه ويؤذِّن به. فسمع بذلك عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- وهو في بيته، فخرج
يجرُّ رداءه، ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : والَّذي بعثك بالحقّ، لقد رأيت
مثل الَّذي رأى. فقال صلى الله عليه وسلم «فلله الحمْدُ»، ثُمَّ قال صلى الله عليه
وسلم «إنَّهـا لَرؤيَا حقّ[2].
إجابة المؤذِّن:
وقـد ندب الإسـلام للمسلم -إذا سـمع المؤذِّن-، أن يقول مثـل ما يقول، ووعـده
على ذلك بالأجـر العظيم، وهذا يقتضي أن يُقْبِل المؤمن على الأذان؛ فكلَّما سمع منه
جـملة ردَّدها، أمَّا عند «الحيْعَلتَـين» فيقول: لا حـول ولا قوَّة إلّا بالله[3].
ولهذه الكلمة أثر عجيب في دَفْع الهمِّ والغمِّ؛ ولا تحوُّل مِن ذلٍّ إلى عزَّة،
ولا مِن فقر إلى غنى، ولا مِن مرض إلى صِحَّة، ولا مِن ابتلاء إلى عافية، ولا مِن
معصية إلى طاعة، ولا مِن شرٍّ إلى خير، إلّا بحول الله وقوَّته.
لا حول ولا قوَّة إلّا بالله، عزٌّ واستسلام لله، ولا حول لعبد في أيِّ أمر مِن
الأمور، ولا قوَّة له على أيِّ شيء -بعد الأخذ بالأسباب- إلّا بالله -عزَّ وَجلَّ-.
فإذا فرغ المؤذِّن مِن أذانه، يُسَنُّ للمستمع أن يقول بعد الصَّلاة على رسول
الله: اللَّهُمَّ ربّ هذه الدَّعوة التَّامَّة والصَّلاة القائمة، آتِ محمَّدًا
الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الَّذي وعدته؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضيَ
الله عَنهما-، أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذَا سَـمعتُم
المؤذِّن فَقولُوا مثلَ مَا يقُول، ثمَّ صلُّوا عليَّ؛ فإنَّه مَن صلَّى عليَّ
صَلاة، صلَّى الله عَليهِ بِها عَشـرًا، ثمَّ سَلوا الله ليَ الوسِـيلة، فإنَّها
منْزلَة فِي الجنَّة لا تَنبَغي إلّا لِعبدٍ مِن عباد الله، وَأَرجُو أنْ أَكونَ
أنَا هُو؛ فمَن سَـألَ الله ليَ الوسِيلة حلَّت لهُ الشَّـفاعَة»[4].
وفي الأذان «أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله»؛ لا إله
إلّا الله، مِن أجلها خُلق الإنسان، ومِن أجلها أُنزلت الكتب، وهي أحسن الحسنات،
ومَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، إنَّها المثل الأعلى والوصف الكامل، وأعظم وصف
لله هو أنَّه لا إله إلّا الله. ولا إله إلّا الله كلمـة باقية عالية.
مادَّة ورُوح
إنَّ نداء المؤذِّن: «حيّ على الصَّلاة، حيّ على الفلاح»، على رأس وقت كلِّ
صلاة؛ إعلان عن وسطيَّة الإسلام، وتأكيد على جَمْعه بين الدِّين والدُّنيا، وبين
المادِّيَّة والرُّوحيَّة.
وإنَّ مـمَّا يُحبِّب النَّاس في دين الله: أن يعرفوا وسطيَّته هذه، وأن يعرفوا
أنَّ التَّزيُّن للقاء الله ليس مشروطًا بهجر الدُّنيا؛ وإنَّما لكلِّ وقت عمل،
ولكلِّ عمل وقت، والحياة أولويَّات، كلُّ أولويَّة تظهر في وقتها المناسب.
يقول الكاتب الفرنسيُّ الشَّهير «إتيان دينيه» في وصف خير العالمين نبينا محمَّد
صلى الله عليه وسلم في كتابه «حياة محمَّـد»: «ألمح الآن شـعاعًا ورديًّا يتدفَّق
فـي الأفق والنُّجوم، وتطرق سمعي كلمات تتردَّد صداها في هدأة اللَّيل: «الله أكبر،
لا إله إلّا الله، محمَّد رسول الله، حيّ على الصَّلاة، حيّ على الفلاح...».
مَعـانٍ وَمَـواقِف:
وكما يشـدُّنا الأَذان إلى كلماته، يشـدُّنا إلى تاريخه، فتاريخ الأذان هو تاريخ
الإسلام في الأرض.
لـمَّا فتح رسـول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة المكرَّمة، وطهَّر البيت مِن
الأصنام الَّتي فيه وفيما حوله، دعا مؤذِّنه بلالًا -رضيَ الله عَنه-، وأمره أن
يصعد على الكعبة ويُؤذِّن، فارتقى -رضيَ الله عَنه-، ورفع صـوته بالأذان، فكان
الأذان أبلغ رسـالة على أنَّه قد بدأ عهد جديد.
ولـمَّا توفِّي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم امتنع بلال -رضيَ الله عَنه- عن
الأذان، ولحق بالشَّام مرابطًا في سبيل الله، فلمَّا فتح المسلمون مدينة دمشق، وذهب
عمر بن الخطَّاب -رضيَ الله عَنه- يزورها، لجأ النَّاس إلى بلال -وكان حاضرًا-،
وطلبوا إليه أن يؤذِّن، فأذَّن إكرامًا لمقـدم أمير المؤمنين، فما رُئِي أحد إلّا
وهو يبكي؛ لأنَّ صوته -الَّذي انقطع عنهم عشر سنوات- ذكَّرهم بأيَّام رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
بِلالُ سَوادُ وَجهِكَ عِنـدَ ربِّـي
هِـلالٌ لا يُجـارِيـهِ هِلالُ
وَلَونُكَ كَانَ فِي مَاضِيكَ شَيئًا
وَلَكنْ عَاشَ فِي غَـدهِ الجمَـالُ
أَذانُك لمْ يَزلْ فِي الأَرضِ حيًّا
وَفِي عَرضِ السَّـماءِ لـهُ مِثـالُ
أَطـولُ الناس أَعنـاقًا
أما عن فضل المؤذِّنين؛ فقد قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : «المؤذِّنون
أَطولُ النَّاس أَعنَاقًا يَـومَ القِيامَة»[5]؛
أي: أنَّ النَّاس يعطشون يوم القيامة، والإنسـان إذا عطش انطوت عنقه، والمؤذِّنون
لا يعطشـون يومها، فلا تنطوي أعناقهم[6].
وقيـل: معناه أنَّهم أكثر أعمالًا. ورُوي: إِعناقًا بكسر الهمزة، أي: إسراعًا إلى
الجنَّة[7].
وأيًّا كان المعنى، فهو فضـل للمؤذِّن، وشرف له في الآخـرة، يوم يفرُّ المرء مِن
أخيه، وأمِّه وأبيه، يوم تبلغ القلوب الحناجر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا مَن
أتى الله بقلب سليم.
دَعـوة نبوية بالمغفـرة
عن أبي هريرة -رضيَ الله عَنه- قال: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم
«الإِمامُ ضَامن، وَالمؤذِّن مُؤتَمن، اللَّهُمَّ أَرشدِ الأئمَّة، وَاغْفرْ
لِلمُؤذِّنين»[8]،
وعن أبي هريـرة -رضيَ الله عَنه- قال: قال رسـول الله صلى الله عليه وسلم :
«المؤذِّن يُغفَر لهُ مدَى صَوتِه، وَيَستَغفِر لهُ كلُّ رَطبٍ وَيَابِس»[9].
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا
يُرَدُّ الدُّعاءُ بينَ الأَذانِ وَالإقَامَـة»[10].
ولقد تمنَّى عملاق الإسـلام عمر بن الخطّاب -رضيَ الله عَنه-؛ أن لو استطاع أن
يجمع بين الخلافة وأعبائها، وبين أداء الأذان وما يستدعيه مِن تفرُّغ ووقت؛ وذلك
لما علِمه مِن الأجر الكبير الَّذي ينتظر المؤذِّنين الَّذين يقومون بهذا النداء
بدقَّة وأمانة، فقد ثبت عنه -رضيَ الله عَنه- أنَّه قال: «لو كنت أطيق الأذان مع
الخلافة لأذَّنت»[11].
[1] صحيح سنن أبي داود، جـ1، ص 98- حديث رقم 469، وصحيح ابن ماجه، جـ1 ص 118، ح رقم
706.
[2] السُّنن الكبرى للبيهقيّ 1/390. وفي الحديث: أنَّه علَّمه في الرُّؤيا ألفاظ
الإقامة أيضًا. فإنْ كان صلاة الصُّبح قال المؤذِّن بعد الحيعلتين: «الصَّلاة خير
مِن النَّوم»؛ تذكيرًا بأهمِّيَّة الصَّلاة، وهذا في رواية أحمد في المسند وأبي
داود في السُّـنن.
[3] كما في رواية الإمام مسلم مِن حديث عمر -رضي الله عَنه-، برقم 385.
[4] صحيح مسلم: كتاب الصَّلاة، باب اسـتحباب القول مثل قول المؤذِّن؛ 1/288.
[5] صحيح مسلم (1/242)، كتاب الصَّلاة، باب فضل الأذان.
[6] كشف الخفاء للعجلوني (2/384).
[7] الدِّيباج للسّيوطي (2/122).
[8] سنن أبي داود (1/254)، كتاب الصَّلاة، باب ما يجب على المؤذِّن مِن تعاهد
الوقت.
[9] سنن ابن ماجه بسند صحيح 1/240، كتاب الأذان، باب فضل الأذان وثواب المؤذِّنين.
[10] سـنن أبي داود، رقم (489).
[11] فتح الباري: 2/77، والمجموع 3/76.