إلى أي مدى أسهمت الفلاتر الرقمية، وضغط المجتمع، وصناعة الجمال الحديثة في تحويل السعي الطبيعي لتحسين المظهر إلى هوس مرضي يدفع الإنسان لرفض ذاته، وملاحقة عمليات التجميل بحثًا عن قبولٍ وسعادةٍ قد لا تأتي؟
"لن أكون
راضية أبداً عن مظهري، أعتقد دائماً أنني سأبدو أفضل بعد العملية القادمة".
ذلك ما أعربت عنه الفتاة "تشو تشونا" في إحدى مقابلاتها التي أجريت معها، كانت
"تشو" قد بدأت رحلتها في إجراء العمليات التجميلية منذ الثالثة عشر من عمرها فقط،
حيث أنفق والدها على هذه العمليات ما يربو عن خمسمائة ألف دولار أمريكي.
تفاقم هوس "تشو" بالجمال إلى الحد الذي دفعها لإجراء أكثر من مئة عملية تجميلية
خلال ثلاث سنوات!، تضمنت تلك العمليات توسيع العينين ــ عشر مرات ــ، وتجميل الأنف،
وشفط الدهون، وغيرهم الكثير.
ولا ريب في أن الدافع الذي حدا بـ"تشو" لإجراء هذا الكم الفظيع من العمليات
التجميلية هو دافع نفسي مشوه، وليست "تشو" المثال الأوحد او الأول لهوس الجمال أو
اضطراب التشوه الجسدي .
ومع تصاعد وتيرة إجراء عمليات التجميل في المجتمعات العربية الإسلامية، كان لزاما
علينا أن نتوقف هنيهة لنتأمل في واقع مجتمعاتنا وتسارع مجريات انحدارها، وبحث
الأسباب التي قد تكون سببا في ما يحل على مجتمعاتنا من بلاء عظيم.
ولا يمكننا البت كليا في الأسباب التي أودت بالعالم إلى الإصابة بهوس المظهر والشكل
الخارجي، ولكن لا شك أن هناك بعض الأسباب المنطقية التي يمكن أن نرجع ما يصيب هذا
الجيل إليها.
"جسد بلا روح"
في ظل المجتمع الرأسمالي الذي تسوده المادية ويصير فيه الإنسان إلى سلعة معروضة
بالكلية وتنعدم فيه الأهمية المولاة للدين والروح؛ أصبح الجسد هو العامل الأهم في
الكيان الإنساني، لم يعد الإنسان المعاصر ينظر إلى جسده بصفته "وعاء للروح"، بل
أصبحت الروح هي الكيان المحرك للجزء الأهم "الجسد"، من خلال تغيب التعاليم الدينية
التي تذكرنا بواقع الحلال والحرام وحرمانيه تشويه الوجه والجسد، وبالرضا بقضاء الله
وقدره أيا كان وعدم استذكار أن الله لا ينظر إلى أشكالنا ولا إلى صورنا، وفي
النهاية يتحول الوجه إلى صورة نهائية غير مكتملة قابلة للتعديل، لتعبث فيها الأيدي
الآثمة بما يشوه الروح قبل الجسد.
"ديسمورفيا الفلاتر"
لم يكن الإنسان في الماضي مشغولًا بتفاصيل مظهره الدقيقة كما هو الحال اليوم؛
فالمرايا القديمة لم تكن تعكس صورة حادة تكشف أدق العيوب، ولم تكن تتيح ذلك النوع
من التدقيق القاسي في الملامح. أما اليوم، فلم تعد المرآة وحدها مصدر القلق، بل
انضمّت إليها عدسات الهواتف الذكية وما تحمله من فلاتر رقمية تعيد تشكيل الوجه وفق
معايير جمالية مصطنعة.
هذه الفلاتر لا تُجمّل الصورة فحسب، بل تُعيد تعريفها، فتخلق نسخة مثالية يصعب
—
إن لم يكن مستحيلًا
—
بلوغها في الواقع. ومع تكرار التعرض لهذه الصور، تتسع الفجوة بين ما يراه الإنسان
على الشاشة وما يراه في المرآة، لتنشأ حالة من عدم الرضا المستمر، قد تتطور إلى
صراع نفسي خفيّ يمتد أثره لساعات أو حتى أيام.
وهكذا، لا يعود الخلل في المظهر بقدر ما يكون في الإدراك؛ إذ يبدأ الإنسان في قياس
نفسه بمعايير غير حقيقية، ويحمّل ذاته عبء الوصول إلى صورة لم توجد أصلًا.
"الأفراد الأشد سعادة"
وبينما كان أثر الفلاتر الشخصية المستخدمة سيئًا بصورة غير قابلة للإغفال، كان
"المؤثرين" ذوي "البشرة الزجاجية" و"الفك المنحوت"، أشد وطأة على أبناء الجيل
الحالي، وبينما يميل العقل البشري إلى عقد المقارنات بصورة شبه دائمة، كانت وسائل
التواصل البوابة الأولى والأمثل لإعمال العقل البشري في تشريح جميع ما يطرأ عينه من
أشخاص، وفي ظل الفلاتر والتعديلات المحدثة وبالطبع الأشخاص الأكثر حسنًا بصورة
طبيعية، أصبح شبح "المثالية الافتراضية" وحشا غير قابلا للطرد او التماهي، حيث إن
الجمال المطارد في أكثر حالاته جمال غير موجود على الإطلاق!
"المعركة الأخيرة"
عندما يفرغ الداخل من المعنى، وتنضب روح الفكر والقلب نضوبا تاما، وعندما يفقد
الإنسان بوصلته الدينية والمعنوية، وفوق ذلك يرتشف الخيبات في حياته المهنية
والعاطفية، يلتفت دائما إلى المشروع الأيسر "المظهر"، حيث يرى المنهزم أن الشكل
الخارجي هي المعركة الوحيدة الباقية له ــ في نظره ــ للنجاح فيها، فيرى في "الفك
المنحوت" او ترى في "الشفاه الممتلئة"، طوق نجاة لتحسين حياته والخروج بسعادته
وتحكمه في حياته إلى بر الأمان، حيث تصبح يد الجراح وصليل الآلات المعدنية طريقة
نفسية لتفريغ القلق الوجودي الذي ينهش داخله، ويظن انه بالأنف الجديد سيحظى بحياة
جديدة وتحط عليه سعادة وليدة، ومن هنا كانت العملية "البسيطة التي لا تهدف إلا إلى
زيادة الثقة بالنفس لا أكثر" شريط البداية المقصوص الذي تتبعه بعد ذلك افتتاحيات لا
متناهيه من شاش الوجه!
"سردية البطل"
وفي الحقيقة لم تزد الأفلام أو الروايات الأمر إلا سوءا، بدئا من أفلام ديزني
"البريئة" حتى هوليود الحديثة، تبنت تلك الشركات العملاقة سردية واحدة فقط، ألا وهي
(الجمال يعني البطولة)، لا يكون الأمير الوسيم في العادة سوى بطل الحكاية، وليست
الجميلة النائمة وقصتها عنا ببعيد، وبينما تعتبر الأعين الجميلة هي فقط الأحق برؤية
السعادة، وهي فقط المخولة بحمل أطيب الصفات الشخصية وبريق الفضيلة، كان القبح دائما
هو الملازم الأول ودليل الشر المطلق الذي لا مراء فيه، ومع تكرار السردية نفسها،
تشرب اللاواعي الفكرة على مدى سنوات "أنا جميل؛ إذن أنا بطل!.....أنا قبيح؛ إذن أنا
شرير!"، لذا كانت العمليات التجميلية هي صك الشهادة المحرر للارتفاع من دور
الكومبارس إلى الدور استحقاق الدور الرئيس.
"فتاة الشارع المقابل"
ولا شك أن فتاة في حياتها قد قورنت بأخرى في أي فترة من فترات حياتها، الفتاة
جارتنا أو ابنة الخالة، ولا شك أيضًا أن أي من الناس قد تعرض لتعليقات لاذعة من
السيدة الجارة، أو من القريبة المحبة أو من أفراد العائلة أنفسهم!، ولا يمكن أن تعد
جملة "لقد سمنتي قليلا يا عزيزتي لا يمكن أن تسمني أكثر بعد الآن .... حاولي خسارة
بعض الوزن"، ذات مغزى كبير أو ذات دلالة على نية سيئة مبيته في نفس قائلها، ولكنها
تعد شرارة البداية في ذهن متقد ينضح بأفكار مشوه مسمومة عن النفس، لبدأ الدخول في
دوامة لا متناهية من الحميات القاسية أو الكراهية المفرطة وفي النهاية ترسو الأذهان
الكليلة إلى الحل الأمثل والأسهل وهو عمليات التجميل على الرغم من تبعاتها السلبية
الفائقة للحصر، تميل مجتمعاتنا ــ وربما بشكل أخف وطأة من بقية المجتمعات ــ إلى
تبجيل الجمال وإعطاء أصحابه ميزات وإن كانت معنوية، فيبقى "الأشخاص العاديون"
يرزحون تحت وطأة سقف العادية الدائم، الذي يمنعهم بشكل ما من التطلع إلى الأفق بشكل
كبير والالتفات إلى براح الفرص ومجريات الحياة الأكثر أهمية.
والحل؟
الحل لن يكون في العادة أكثر من إعادة النظر في المرآة مرة أخرى، ولكن ليس بعين
الناقد بل بعين المفكر الناضج، التفكر في آيات القرآن والارتباط بالله وبتعاليم
دينه الحنيف وإكبار قوله الكريم (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، تزكية العقل
والنفس من خلال ملئها بما ينفع وقتها "نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك هي بالباطل"
من قراءة لما يفيد وينفع، والاجتهاد والتفوق وعمل المستطاع لرفع قيمة نفسك بحق
وبجدارة.
التحرر من سردية البطل والنظر بشكل أعمق إلى خفايا الأمور، لن يفيد الإنسان شيئا إن
كان ذا مظهر حسن وعقل سقيم وفكر عقيم، وثم فإن المحبة والاستحسان التي يلقاها كل من
كان بمظهر حسن من عامة الناس، لا تضر ولا تنفع ولا تقدم ولا تأخر، بل إن محبة
وإجلال بنيت على المظاهر والجمال ليحسن بها أن تؤول إلى زوال، ويكفي الإنسان ذخرا
أن يكون محبوبا من أهله واحبته، ومرضيا لله ولحق نفسه عليه.
ولا بد أن نتطرق إلى أن الصفات الحسنة الكريمة تطغى على المظهر في غضون دقائق
معدودات، سائل نفسك...كم مرة قابلت فيها شخصا بارع الجمال لكن بعد قضاء بعض الوقت
معه أدركت أنك لن تحب أن تصحبه مجددا؟
ولذا فإن العقل يعتاد كل ما يراه، من حسن أو دمامة، وتبقى دائما النفس السهلة
الكريمة هي المحببة إلى النفس، فبيد أن جمال الشكل يذوي مع الأيام فإن جمال الروح
معين ينضح دائم ينضح ما به من جمال.