• - الموافق2026/04/27م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تغطية الإعلام الهندي الحرب بين إسرائيل وأمريكا وإيران

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يكشف الإعلام الهندي وجهاً مثيراً للجدل في موقفه من الحرب الأمريكية على إيران، حيث تتصارع الروايات وتتباين المواقف. تتداخل فيها المصالح مع القيم، والسياسة مع الهوية.


 

تشهد الساحة الدولية تصاعدًا ملحوظًا في التوترات العسكرية والسياسية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولم تعد هذه المواجهة محصورة في نطاقها الجغرافي، بل امتدت آثارها إلى الإعلام العالمي، وخاصة في دول ذات وزن ديموغرافي وسياسي مثل الهند. وفي هذا الإطار، يظهر الإعلام الهندي بوصفه ساحة تعكس تعقيدات داخلية عميقة، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الخلفيات الدينية، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع المواقف الأيديولوجية، ما أدى إلى بروز خطاب إعلامي متنوع ومتناقض في آن واحد.

تعددية الخطاب الإعلامي

عند تحليل التغطية الإعلامية الهندية، يتضح غياب رؤية موحدة تجاه هذا الصراع، إذ تنقسم وسائل الإعلام إلى اتجاهات متعددة يمكن تلخيصها في ثلاثة أنماط رئيسية.

 الاتجاه الأول، وهو الأكثر حضورًا، يتبنى موقفًا داعمًا لإسرائيل والولايات المتحدة، ويرتبط بالإعلام اليميني القومي الذي يعكس توجهات سياسية داخلية. هذا التيار لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يعيد تفسيرها ضمن إطار "مكافحة الإرهاب" و"حماية الاستقرار"، وهو ما ينسجم مع الخطاب السياسي السائد في الهند.

في هذا السياق، تُقدَّم إيران بوصفها عنصرًا مهددًا للاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل تحركاتها في منطقة الخليج. ويتم التركيز بشكل لافت على أي تصعيد يمس السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت، حيث تُعرض هذه الأحداث كدليل على الطابع التوسعي للسياسة الإيرانية، مما يبرر ضمنيًا دعم التحالف الأمريكيالإسرائيلي.

في المقابل، يظهر اتجاه ثانٍ أكثر توازنًا، يتمثل في بعض المنصات المستقلة والمحللين الاستراتيجيين، الذين يحاولون قراءة الصراع في سياق أوسع. هذا الاتجاه لا يمنح إيران تأييدًا مطلقًا، لكنه يسعى إلى تفسير مواقفها في ضوء الضغوط الدولية، خاصة من جانب الولايات المتحدة، إضافة إلى الإشارة إلى اختلال ميزان القوى في المنطقة والانحياز الغربي لإسرائيل.

غير أن هذا الطرح المتوازن لا يخلو من النقد، إذ يتخذ موقفًا واضحًا ضد أي خطوات إيرانية تهدد استقرار الخليج أو الاقتصاد العالمي. فإغلاق مضيق هرمز، مثلًا، يُعد تهديدًا مباشرًا للتجارة الدولية، ويؤثر بشكل كبير على الهند التي تعتمد على واردات الطاقة من المنطقة، كما أن أي تصعيد عسكري في الخليج ينعكس سلبًا على العمالة الهندية هناك.

أما الاتجاه الثالث، فيحاول الجمع بين الموقفين، فينتقد السياسات الإسرائيلية من جهة، ويعارض التمدد الإيراني من جهة أخرى، خاصة عندما يؤدي ذلك إلى توسيع دائرة الصراع. ويعكس هذا الاتجاه إدراكًا متزايدًا لدى بعض النخب بأن مصلحة الهند تكمن في التوازن، لا في الانحياز الحاد.

انعكاس الانقسام على الرأي العام

لا يقتصر هذا التباين على الإعلام، بل يمتد إلى المجتمع الهندي نفسه، الذي يعكس بطبيعته تنوعًا دينيًا وثقافيًا. فهناك فئة من المسلمين الشيعة تميل إلى دعم إيران بشكل واضح، انطلاقًا من اعتبارات مذهبية وسياسية، في حين يظهر قطاع من الهندوس القوميين تأييدًا قويًا لإسرائيل، متأثرين بالخطاب الإعلامي اليميني.

أما الفئة الأوسع من المجتمع، والتي تضم المسلمين السنة وقطاعات من الهندوس غير المنخرطين في التيارات المتشددة، فتتبنى موقفًا مركبًا. فهي قد تتعاطف مع إيران في مواجهتها مع إسرائيل، لكنها في الوقت ذاته ترفض أي هجمات تستهدف دول الخليج، نظرًا للعلاقات العميقة التي تربط الهند بهذه الدول.

ويظهر هذا التناقض بشكل واضح في المواقف من العمليات العسكرية المتبادلة، حيث يجد بعض الأفراد أنفسهم بين تأييد ضرب إسرائيل من جهة، ورفض تهديد استقرار الخليج من جهة أخرى، وهو ما يعكس تعقيد المشهد الشعبي وعدم قابليته للاختزال في موقف واحد.

المصالح الهندية ومعادلة التوازن

لفهم هذا المشهد بشكل أدق، لا بد من النظر إلى موقع الخليج في الاستراتيجية الهندية. فالعلاقات بين الهند ودول الخليج تمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد الهندي، سواء من حيث الطاقة أو التجارة أو العمالة. ويعيش ملايين الهنود في هذه الدول، وتُعد تحويلاتهم المالية مصدرًا مهمًا للدخل القومي.

لذلك، فإن أي تهديد لأمن الخليج يُنظر إليه في الهند باعتباره تهديدًا مباشرًا لمصالحها. ومن هنا يمكن تفسير الحذر الذي يميز الموقف الرسمي، حيث تسعى الهند إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، دون الانخراط المباشر في الصراع.

خاتمة

تكشف التغطية الإعلامية الهندية للحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، عن حالة من التعدد والتعقيد تعكس طبيعة المجتمع الهندي ذاته. فهذا الانقسام ليس مجرد انعكاس لصراع خارجي، بل هو تعبير عن توازنات داخلية دقيقة، تتداخل فيها المصالح مع القيم، والسياسة مع الهوية.

ومن المرجح أن يستمر هذا التباين في ظل استمرار التوترات الإقليمية، حيث ستظل الهند تحاول الحفاظ على موقعها بين مختلف القوى، بينما يبقى إعلامها مرآة تعكس هذا التوازن الحساس.

أعلى