• - الموافق2025/04/06م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
عودة التوتر الباكستاني الأمريكي... الأسباب والتداعيات

ما الذي يريده ترامب من فرض عقوبات على رئيس أركان الجيش الباكستاني؟ ولماذا اختار هذا الرجل بالذات ليوقع عليه العقوبات، والأهم من كل ذلك، ما وراء اختيار التوقيت لطرح هذا المشروع؟


في تطور مفاجئ، قدم نائبان بمجلس النواب الأمريكي إلى الكونغرس مشروع قانون حمل اسم قانون الديمقراطية الباكستانية، يتضمن فرض عقوبات على رئيس أركان الجيش الباكستاني سيد عاصم منير.

فد ذكر موقع ذا هيل الأمريكي، منذ عدة أيام، أن النائبين الجمهوريين "جو ويلسون" و"جيمي بانيتا" قدما مشروع قانون في الكونغرس من شأنه فرض عقوبات على منير بسبب اضطهاده للمعارضين السياسيين في باكستان.

ويدعو مشروع القانون إلى فرض عقوبات بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي للمساءلة في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك حظر التأشيرة وحظر الدخول إلى الولايات المتحدة ضد منير في غضون 180 يوما.

ويتهم مشروع القانون منير بتعمد إلحاق الاضطهاد والسجن غير العادل بالمعارضين السياسيين، ويهدف أيضا إلى تحديد الأفراد الرئيسيين المتورطين في هذا الاضطهاد وفرض عقوبات مماثلة عليهم.

ويسمح مشروع القانون للرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع العقوبات إذا انتهى الحكم العسكري في باكستان، واستعادة سيادة القانون والديمقراطية، وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين المعتقلين ظلما.

ويطالب مشروع القانون أيضًا بالإفراج عن رئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان، القابع في السجن منذ عام 2023، بتهم تتراوح بين الفساد ودعم الإرهاب.

وقال النائب ويلسون في منشور على حسابه بمنصة إكس، يسعدني أن أقدم قانون الديمقراطية الباكستانية لفرض عقوبات على من يقوض الديمقراطية في باكستان.

وأوضح ويلسون، الذي وصف خان بـسجين سياسي، لموقع ذا هيل أنه أرسل رسالة إلى ترامب يدعوه فيها إلى الضغط على القيادة العسكرية الباكستانية، بما في ذلك حظر التأشيرات، لاستعادة الديمقراطية وإطلاق سراح خان.

ويُذكر أن هذين النائبين من أنصار الرئيس ترامب ولابد أن تقديمهما مشروع القانون، يقف خلفه ترامب.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما الذي يريده ترامب من فرض عقوبات على رئيس أركان الجيش الباكستاني؟ وهو المعروف عنه أن نشر الديمقراطية ليس على أجندته.

ولماذا اختار هذا الرجل بالذات ليوقع عليه العقوبات، ولم يختر مثلا رئيس الوزراء وهو أعلى سلطة سياسية في باكستان؟

 

السياسة الأمريكية في شبه القارة الهندية تعد امتداداً لسياسة بريطانيا التي كانت تستعمر هذه المنطقة من قبل؛ وهي تتلخص تاريخيا في التحالف مع الهندوس وعلمنة المسلمين

والأهم من كل ذلك، ما وراء اختيار التوقيت لطرح هذا المشروع، والذي يبدو من ظاهره أنه ممارسة ضغوط على النظام الباكستاني؟

للإجابة على هذه الأسئلة، لابد من تحليل ثلاثة عناصر: وضع الجيش في النظام السياسي الباكستاني، وخصائص العلاقة الأمريكية الباكستانية، وأخيرا التطورات الأخيرة في جنوب آسيا والتي دفعت أمريكا لممارسة تلك الضغوط.

مكانة الجيش في باكستان

يشغل الجيش الباكستاني مكانة عالية داخل الأمة الباكستانية، سواء على المستوى العاطفي أو في استراتيجيات هذه الدولة.

أما على المستوى العاطفي، فالأمة التي ولدت على سفك الدماء والمذابح التي نظمت من قبل الهندوس كإجراء انتقامي على انفصال المسلمين بدولة لهم، بدا لها الجيش كحامي لها من هذه المجازر والانتهاكات.

كما مثل الجيش للباكستانيين الأداة الوحيدة لرفع الظلم عن مسلمي باكستان، والذي تمثل في فصل كشمير بالرغم من غالبيتها المسلمة، لذلك كانت القوات المسلحة الباكستانية هي أول مؤسسة في الدولة تمارس مهامها، حيث تم تكليفها خلال العام الأول من عمر الدولة بأعمال إغاثة اللاجئين والتدخل في إقليم كشمير، ومن هنا تستمد هذه المؤسسة دورها وخطورتها في النظام السياسي الباكستاني.

ولذلك عند رصد سنوات ممارسة العسكريين الحكم المباشر في باكستان، نجد أنها قد بلغت ما يقرب من أربعين عاما في دولة عمرها يقترب من الثمانين عاما أي حوالي نصف عمرها يحكمها العسكر مباشرة، مع العلم أن النصف الآخر من عمر تلك الدولة والذي حكمه مدنيين، كان للعسكر دورا قويا في السياسة من وراء الكواليس.

ولا نغفل أنه ليس طموح العسكر للحكم أو تعاطف الشعب الباكستاني مع الجيش هي فقط العوامل التي سببت حكم العسكر للدولة الباكستانية، بل أيضا كان فساد الطبقة السياسية وانتهازيتها وضعف فكرها الإستراتيجي من بين تلك العوامل.

وترجع الأصول التاريخية للمؤسسة العسكرية الباكستانية إلى ما قبل الاستقلال في عام 1947 إلى المدرسة البريطانية، نظرا لاحتلال بريطانيا الهند، حيث تتشابه بنية وهيكلة الجيش الباكستاني بصورة كبيرة مع بنية الجيش الهندي البريطاني في نهاية القرن التاسع عشر.

لذلك عندما تأسست الأكاديمية العسكرية الباكستانية عام 1947، جاءت على نمط الأكاديمية العسكرية البريطانية في ساند هيرست، حتى أن أوائل الخريجين من الأكاديمية العسكرية الباكستانية يلتحقون بساند هيرست، ولكن مع تلاشي النفوذ البريطاني العالمي وحلول القوة الأمريكية محله، بدأ الجيش الباكستاني أيضا يتوجه تسليحا وتدريبا نحو الولايات المتحدة، وبالتحديد في كلية القادة والأركان بالولايات المتحدة الأمريكية وهي التي درس فيها الجنرال ضياء الحق، ففي خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي بدأ إيفاد الضباط الباكستانيين لتلقي التدريب في الولايات المتحدة الأمريكية بدلا من المملكة المتحدة.

وتذكر صحيفة ذا كريستيان ساينز مونيتور الأمريكية، أن هؤلاء الضباط الأجانب الذين يقومون بزيارة الولايات المتحدة، ليس فقط لتعلم الثقافة العسكرية والتكتيكات والتاريخ بل أيضا لصنع علاقات دائمة معهم.

ولكن مشاعر الكره والغضب والإحباط من الولايات المتحدة في سلك الضباط الباكستانيين تنامت مع الوقت، نتيجة السياسيات الأمريكية المتقلبة في باكستان، والتي ثبت لهؤلاء الضباط أنها تتبع المصلحة الأمريكية فقط لا غير.

فالحروب التي خاضها الجيش الباكستاني مع الهند، ووقوف أمريكا على الحياد، أثبت لهؤلاء الضباط أن أمريكا لا تريد خسارة العلاقات مع الهند العدو التاريخي لباكستان.

ويبدو أن الكره كان مفصليا بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، إذ أتبعه انسحاب أمريكي آخر من المنطقة برمتها وتركها لتواجه مصيرها بنفسها.

ويقول مسئول أمريكي كبير سابق في تصريح صحفي: إذا ما تحدث الجنرالات الباكستانيون إليك بشأن أصولهم النووية، وإذا كانت شفاههم تتحرك فإنه يكذبون، إن الباكستانيين لن يشركوا أي أحد في أسرارهم وبالأخص مع دولة استخدمتهم من وجهة نظرهم ككوب بلاستيكي رمته بعدما استنفذت هدفها منه.

وعلى سبيل المثال لم يسمح لأي أمريكي بأن يصل إلى عبد القدير خان، الذي يطلق عليه أبو القنبلة الباكستانية والذي قايض أجزاء حساسة من الأسلحة النووية في السوق السوداء الدولية.

العلاقات الأمريكية الباكستانية

إذا تأملنا في العلاقة بين الدولتين فلم تشهد علاقة بين بلدين هذا الكم من الغموض والتذبذب كما تشهده العلاقة بين باكستان والولايات المتحدة؛ فكثير من المحللين يصفونها بالتحالف والتبعية الباكستانية لأمريكا؛ بينما يعدها آخرون نوعاً من ألعاب القط والفأر بين البلدين.

فمثلا في خضم الغرق الأمريكي في أفغانستان، فاجأ الرئيس أوباما الجميع عام 2009 بتصريح يقول: "نريد أن نوضح للشعب الأمريكي أن السرطان في باكستان".

 

بما أن هناك تحالفًا صينيا باكستانيا في الممر الاقتصادي، والذي يضاد الممر الهندي الأمريكي، فكان لابد أن تتعرض باكستان للغضب الأمريكي

الإشكالية الأمريكية دائما تكمن، في أن باكستان تقع في منطقة ضبابية متداخلة بين الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وبين إستراتيجيتها في جنوب آسيا.

فالسياسة الأمريكية في شبه القارة الهندية تعد امتداداً لسياسة بريطانيا التي كانت تستعمر هذه المنطقة من قبل؛ وهي تتلخص تاريخيا في التحالف مع الهندوس وعلمنة المسلمين، وورثت أمريكا هذا الدور أي التحالف مع الهند، ومما زاد من أهمية الهند هو وجود المنافس الشرس للولايات المتحدة على الصدارة العالمية وهي الصين، وبما أن هناك تنافسًا تاريخيًا بين الصين والهند على الزعامة الأسيوية، فمن الطبيعي أن تكون الهند حليفا استراتيجيا لأمريكا في صراعها مع الصين على الزعامة العالمية.

بينما سياسة أمريكا في الشرق الأوسط تتمحور في جزء كبير منها، حول الحرب على الإرهاب التي تشنها الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالتالي تتقاطع مع باكستان في تلك السياسة.

الخلاصة، أن هناك انعدام ثقة بين الدولتين منذ عقود، فقد اعتبرت الولايات المتحدة باكستان أحد الأسباب الرئيسية لإخفاقات الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والذي دام لعشرين عاما، وهو تصور قلل بشكل كبير من رغبتها في التعاون مع باكستان، كما أدى الاعتقاد بأن باكستان حليف غير موثوق به إلى تفاقم التوتر في العلاقات الثنائية.

وفي المقابل، كان هناك انعدام ثقة لدى النخبة الباكستانية وخاصة النخبة العسكرية تجاه أمريكا، وفرضها عقوبات على الدولة الباكستانية بسبب برنامجها النووي، وقد ازداد انعدام الثقة في إسلام آباد إزاء الدعم الأمريكي العلني والسري للهند في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ترامب وباكستان

إذا أردنا تحليل الدوافع للتهديد الأمريكي الأخير لباكستان، يجب علينا فهم مواقف إدارة ترامب مع الملفات التي تتقاطع مع باكستان، وهي الصين والهند وطالبان، مع العلم أن هذه الملفات متداخلة مع بعضها، ولكن يبدو الرابط الأقوى بين تلك الملفات الثلاثة وبين التصعيد الأمريكي تجاه باكستان، هو الاقتصاد الذي هو أولوية لدى ترامب، وهو المنظور الذي تقيم به إدارته علاقتها مع الدول الأخرى.

وبوصول ترامب إلى الحكم، ارتفعت نبرة التهديد الأمريكي للصين.

فقد بادر ترامب، بفرض رسوم جمركية إضافية على الواردات الصينية  و بما أن هناك تحالفًا صينيا باكستانيا في الممر الاقتصادي، والذي يضاد الممر الهندي الأمريكي، فكان لابد أن تتعرض باكستان للغضب الأمريكي، والذي ظهر في قيام أمريكا ترامب بإدراج 70 كيانًا جديدًا في قائمة قيود التصدير، شملت شركات ومؤسسات من الصين وإيران وباكستان، متهمة إياها بالعمل ضد الأمن القومي والمصالح الأمريكية.

ولكن العلاقة المتطورة بين رئيس وزراء الهند والذي كان من أول الزائرين لواشنطن لتهنئة ترامب على فوزه، تعد دليلا على حجم التحالف المرتقب بين البلدين، والذي يساعد على تدهور العلاقة بين باكستان والولايات المتحدة.

وقد أعلن الزعيمان أنهما متحدان في حرب بلا هوادة ضد الإرهاب، وتعهدا أمام عشرات آلاف الأميركيين من أصل هندي بإقامة تحالف شخصي ووثيق بينهما.

أما الملف الثالث، فهو ملف طالبان، فبينما تتحسن العلاقات بين طالبان مع إدارة ترامب، والتي أسفرت عن زيارة مبعوث ترامب بشأن الرهائن آدم بوهلر، وبعد ذلك، أطلقت حكومة طالبان سراح الجاسوس الأمريكي، جورج غليزمان، كما تم إلغاء مكافآت مالية بملايين الدولارات، كانت مُخصصة لمن يدلي بمعلومات تفضي إلى القبض على بعض قادة شبكة حقاني المسلحة في أفغانستان، بما في ذلك مكافأة تستهدف زعيمها سراج الدين حقاني، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الداخلية في حكومة طالبان.

ويسود الاعتقاد بوجود رغبة أمريكية، بالدخول في الفرص الاستثمارية المتنامية في أفغانستان.

وفي نفس الوقت، تدهورت العلاقة بين طالبان وباكستان، بسبب التعاون بين تيار داخل حكومة طالبان وبين جماعات مسلحة قبائلية تقوم بحرب عصابات ضد الجيش الباكستاني.

فهذه الملفات الثلاثة، سواء الصيني والهندي والأفغاني، تسير فيها باكستان على غير الهوى الأمريكي في عصر ترامب، فكان لابد أن تنال باكستان أو الطرف الذي يدير السياسة من خلف الستار وهو رأس الجيش الباكستاني نصيبه من تهديد ترامب لعله ينصاع للإرادة الأمريكية.

ولكن الخبرة العسكرية الباكستانية في التعامل مع التهديدات الأمريكية، والتي دأبت على الانحناء أمام العاصفة حتى تمر، تشي بأنه سيتم تجاوز الأمر.

أعلى