فرانسوا هولاند .. أوروبي حتى النخاع

فرانسوا هولاند .. أوروبي حتى النخاع


 

يقول هوبير فيدريين مستشار فرانسوا هولاند رئيس فرنسا الجديد إنه أوروبي حتى الصميم لكنه يسعى إلى إعادة التوازن الاجتماعي لفرنسا، وفي نفس الوقت فإن أفكار الرجل تعبر عن طموح للتغير.

للتعريف بشخصية هذا الرجل فإنه من مواليد شهر أغسطس لعام 1954 ، ظهرت قوته في الحقل السياسي الفرنسي منذ ترأسه قيادة الحزب الاشتراكي الفرنسي عام 1997 حتى 2008، واليوم يقود فرنسا بعد أن كان عمدة لمدينة تول منذ 2001 وحتى 2008 كما شغل مناصب عدة منها النائب عن الدائرة الأولى من كوريز.

لم تعجب سياسة نيكولا سركوزي منذ البداية الكثير من الفرنسيين وخصوصا بعد أن خيب ظنهم في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي أثرت سلبا على استقرار اقتصاد البلاد، وكان هولاند أحد هؤلاء لكنه يختلف عنهم بأنه كان صاحب برنامج إنتخابي يحمله من أروقة الحزب الاشتراكي ليكون المرشح الأوفر حظا في الإنتخابات الفرنسية عام 2012.

ولد هولاند في مدينة روان، وأمضى طفولته في مدينة سكنية بالقرب من روان اسمها بوا-غيوم، حيث درس في مدارس "جان بابتيست دي لا سال" في روان. وانضم إلى كلية الحقوق في باريس، حيث حصل على شهادة في القانون قبل أن يصبح طالب في HEC باريس ومعهد الدراسات السياسية في باريس. تخرج من المدرسة الوطنية للإدارة (ENA) سنة 1980.

في أواخر 1970 ، التقى سيغولين رويال خلال دراسته بي ENA. أنجب منها  أربعة أطفال : توماس (1984)محامي، كليمنس (1986)طالبة في الطب، جوليان (1987)سينمائي وفلورا (1992)طالبة. أعلن انفصالهما مساء يوم الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية سنة 2007،  ويعيش فرانسوا هولاند  حاليا مع الصحفية فاليري تريروالار. وبنسبة أصوات 51.8% متفوقاً على نظيره اليمينى نيكولا ساركوزى في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية. أصبح بذلك الرئيس السابع للجمهورية الفرنسية الخامسة.

لم يكن للسياسة الخارجية الفرنسية  المساحة الكبيرة في البرنامج الانتخابي لفرنسوا هولاند بل ركز على القضايا الداخلية مثل الوضع الاجتماعي والبطالة والقدرة الشرائية والعلاقة مع أوروبا ومعدلات النمو الداخلي.

برنامج المرشح الاشتراكي يناقش نفس النقاط والمشاكل التي طرحها  غريمه الخاسر نيكولا ساركوزي غير أنه يختلف عنه في طريقة المعالجة وإيجاد الحلول، كما أنه في جزء كبير من برنامجه يميل إلى إلقاء اللوم على الرئيس الحالي فيما آلت إليه الأوضاع السيئة للاقتصاد الفرنسي. ويريد هولاند أن يقوم  بخفض العجز العام للموازنة ويذهب بعيدا في فرضه على الأغنياء وأصحاب الدخول المرتفعة، الذين تتخطى دخولهم المليون يورو سنويا، ضريبة تبلغ 75 بالمئة من دخلهم السنوي.

هولاند يعد أيضا بإيجاد فرص أكثر للعمل وخاصة في مجال التعليم وذلك بخلق ستين ألف وظيفة جديدة خلال خمس سنوات وكذلك إنشاء بنك شعبي لتمويل الاستثمارات الوطنية وتشجيع الشركات على توظيف الشباب بعقود دائمة والاحتفاظ بالموظفين القدامى حتى سن التقاعد، وهو لا يعترف بالإصلاحات التي أدخلها ساركوزي على سن التقاعد ورفعه إلى 62 عاما ويريد تخفيضه إلى 60 عاما مع الإبقاء على نظام العمل 35 ساعة أسبوعياً.

هولاند سيقرر أيضا سحب القوات الفرنسية من أفغانستان ولكنه لن ينتظر طويلا مثل ساركوزي فهو سيفعل ذلك قبل نهاية العام الجاري. الجديد الذي يقدمه هولاند هو السماح للأوروبيين الأجانب بالتصويت في الانتخابات البلدية الفرنسية وتعديل قوانين الانتخابات التشريعية وإدخال نظام القائمة النسبية عليها، وفي خطوة مثيرة للجدل أعلن أيضا أنه مع إصدار تشريعات تسمح بالزواج المثلي وبالموت الرحيم.

و في تحليل للإرث الذي خلفه ساركوزي لهولاند فإن الصحف الفرنسية تشير إلى أن أوروبا باتت ضعيفة على المستوى الدبلوماسي وكذلك تقلص التأثير الفرنسي في القارة الأفريقية و كذلك باتت منطقة الشرق الأوسط و في شفاء مع فرنسا، كما أخرجت الصين أوروبا من حساباتها و لم تعد الولايات المتحدة تعطي فرنسا أي إهتمام.

وقالت مذكرة الدبلوماسيين فرنسيين نشرتها صحيفة ليموند:" إن التبعية للولايات المتحدة أفقدتنا اهتمام العالم، وتجاهل المصالح المركزية للدولة لتقارير الدبلوماسيين في مختلف العواصم والدول خلف أخطاء في الأداء الدبلوماسي".

ورصد الدبلوماسيون التناقض الذي وسم السياسة الخارجية فيما يخص سوريا والصراع العربي الإسلامي، مما أفقد باريس التأثير في الشرق الأوسط. ففرنسا سعت، مثلا، في وقت ما إلى تقديم أوراق مجانية إلى سوريا من خلال دبلوماسية المصالحة التي قادتها باريس مع الرئيس بشار الأسد، لتصطف بعد ذلك بين الدول التي تقود حملة الضغط لإسقاط النظام السوري، ولا يوجد فرق بين الطرفين في التعامل مع الملف السوري.

يقول هوبير فيدريين، وزير خارجية سابق في عهد شيراك ومستشار لفرانسوا هولاند في قضايا السياسة الخارجية، إن فرنسا في حاجة إلى سياسة خارجية تقوم على استراتيجية بعيدة المدى وتكون الدبلوماسية هي أداتها ومفتاحها.

أما فيما يخص الحلف الأطلسي، وعلى الرغم من أن فرانسوا هولاند انتقد قرار الرئيس ساركوزي الانضمام إلى القيادة العليا المشتركة للحلف، فيبدو أنه من الصعب عليه أن يتخذ قرارا بالانسحاب من القيادة العليا المشتركة بعد مرور 3 سنوات من الانضمام، حتى وإن كانت حماسة هولاند للحلف وللعلاقات مع القوى داخله، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، أقل من حماسة واندفاع الرئيس المنتهية ولايته.

ويعتبر "بونيفاس" أن علاقة فرنسا بالقوى الكبرى مثل الصين وروسيا، يجب أن تبتعد إن أصبح هولاند رئيسا لفرنسا، عن منطق إعطاء الدروس للآخرين في موضوع حقوق الإنسان، فالرئيس ساركوزي حين تم انتخابه قدم نفسه للصين وروسيا باعتباره رئيسا لحقوق الإنسان، واتخذ مواقف من فلاديمير بوتين في البداية قبل أن يغير تماما سياسته تجاه البلدين.

وحول الموضوع الإيراني تبنى الرئيس ساركوزي مواقف متشددة، أحيانا أكثر من الولايات المتحدة، يقول "بونيفاس" في تصريح لمجلة "ليكسبريس" الفرنسية، وهو ما صب في خدمة المصالح الانتخابية لرئيس الوزراء الصهيوني  "بنيامين نتانياهو".

وفي موضوع الصراع الصهيوني الفلسطيني يتوقع أن يمضي فرانسوا هولاند في اتجاه معتدل أكثر من ساركوزي الذي كان يميل بوضوح إلى جانب سياسية الكيان الصهيوني، و يقول مستشار هولاند إن ذلك كان بخلاف السياسية التي رسمها

مؤسس الجمهورية الخامسة الجنرال ديغول والرئيس السابق جاك شيراك.

وختاما فإن من أشهر مقولات هولاند : “في لحظة ما يجب تجسيد أفكار تحمل التغيير ، وهذا ما يدفعني للإعلان من هنا في تول أمامكم وأمام أصدقائي، عن قراري بالترشح للانتخابات الرئاسية عبر تمهيديات الحزب الإشتراكي”.

أعلى