"وليد المعلم".. وجــهٌ هــادئ لنـظـام قــاتــل!


"نحن لن نحاور أحدًا يتحدث عن مقام الرئاسة، وبشار الأسد خط أحمر، وهو ملك للشعب السوري"، كانت هذه الكلمات جزءًا من حديث لوزير خارجية النظام السوري "وليد المعلم"، قبيل وفاته، حيث ظل مدافعًا عن الأسد ونظامه برغم كل جرائمه ومجازره بحق السوريين، متجاهلًا الأحول المآساوية التي وصلت إليها بلاده، فالرجل الذي لطالما وصفته وسائل الإعلام بـ"واجهة نظام الأسد الدبلوماسية"، ظل محتفظًا بمنصبه رغم تغير الحكومات والوزراء، يستميت بهدوءه المعهود في الدفاع عن النظام ويبيّض جرائمه أمام العالم، حتى بات بامتياز هو "وزير دبلوماسية الدم".

في عام 1941، وُلِدَ وليد المعلم في دمشق، وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية السورية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ليحصل على شهادة الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعتها العريقة في عام 1963، كان عضوا في حزب البعث الحاكم، ولعل هذا ما سهّل له الالتحاق بوزارة الخارجية السورية التي خدم من خلالها ضمن البعثات الدبلوماسية في العديد من البلدان، وخلال فترة عمله كسفير في الولايات المتحدة في فترة التسعينيات شارك في بعض المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي بشأن اتفاق سلام لكن تلك المفاوضات باءت بالفشل في النهاية، ليتم تعيينه لاحقًا نائبًا لوزير الخارجية قبل أن يتولى المنصب الوزير في عام 2006، رغم أنه ينحدر من أسرة سنيّة إلا أن تصريحاته كانت تُظهر ولاءًا فريدًا للمحور الشيعي في المنطقة، وقد صرّح يومًا بالقول: "أنا مستعد لأن أكون أحد جنود حسن نصر الله"، في حين أنه كان يمثل همزة الوصل في علاقة بلاده الخاصة مع إيران على مرّ عقود.

منذ اندلاع ثورة الشعب السوري في عام 2011، وقف المعلم مدافعًا باستماتة عن النظام، إذ أيدّ بقوة حملة بشار الأسد الدموية على المحتجين السلميين وظلّ هكذا لنحو 10 أعوام، فحتى رمقه الأخير كان دائم الدفاع عنه، وتأكيدًا على ذلك فقد علّق على "قانون قيصر" الذي فُرِضَت بموجبه عقوبات أمريكية شديدة على النظام، قائلًا: "الأسد باق.. والأمريكيون يحلمون بأن ترضخ سوريا لعقوبات قيصر"، نجح في توظيف قدراته الدبلوماسية من أجل تعميق العلاقة مع الروس والإيرانيين وميليشا حزب الله اللبنانية، الذين دخلت عناصرهم إلى الأراضي السورية لمناصرة بشار ضد شعبه، وقد ساهم بشكل بارز في الدفاع عن هذا التدخل السافر وتصويره على أنه مساعدة من الحلفاء لدحر الإرهاب، بالرغم من أن هذه التدخلات كانت سببًا في زيادة التوترات الطائفية ونزوح ملايين السوريين إلى المخيمات في الداخل والخارج، إلى جانب آلاف القتلى والمصابين جراء القصف الغاشم، وهو ما أنهك سوريا وجعلها بلدًا فاشلًا ومتهالكًا، وفي ظل تبرير المعلم الدائم لجرائم النظام.. طالته هو الآخر العقوبات الأمريكية، وربما فطن بشار الأسد حينها إلى أهمية الدور المحوري الذي يقوم به المعلم كقائد لجوقة دبلوماسية الدم، فقرر في العام التالي مباشرةً، تعيينه نائبًا لرئيس مجلس الوزراء السوري إلى جانب احتفاظه بمنصبه كوزير للخارجية.

برغم مشاهد الخراب والدمار والقتل في سوريا والتي لا تخفى على القاصي والداني، ظلّ المعلم يقلل ـ بنبرته الهادئة وبرودة أعصابه ـ من شأن ما تشهده بلاده، معتبرًا أن ما يحدث هو نتاج مؤامرات خارجية، واصفًا الثوار بأنهم إرهابيين مأجورين، وحتى في أصعب مراحل الحرب، دأب على معاضدة النظام الذي كان يلجأ إلى المناورة والتوازن والبراجماتية للتفاوض مع الغرب، وبالرغم من أن المعلم كان يرفض دائما التدخلات الأمريكية ودول التحالف على أراضي سوريا، إلا أنه كان داعمًا للتدخلات الإيرانية والروسية بقوة، فهو يرى أن التدخل الروسي ـ الإيراني قد أنقذ دولته من الإرهاب، نافيًا عن ذلك صفة الاحتلال والتبعية، لقد نجح الأسد في توظيف المعلم بالطريقة التي تخدم سيطرته واستمراره في الحكم، مستغلًا ظهوره الهادئ للتخفيف من وطأة الغلو في ممارسته للاستبداد، مستعملًا للدبلوماسية كقناع للتعمية عن تحالف النظام الشيطاني مع روسيا وإيران، فهما يعينانه على البقاء في السلطة مقابل أن يعينهما على تنفيذ مخططاتهما التوسعية في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

بعض تصريحاته كانت مادة للسخرية أحيانا، اما طريقته البطيئة في الحديث، لا سيما وأن خطاباته عادةً ما تكون طويلة للغاية، إلى جانب الخمول والتعب اللذين يطغيان على حضوره عندما يظهر، كانت جميعها مادة للتندر عليه، فقد كانت خطاباته في مجلمها خطابات عاجزة لم تُحِدث تأثيرًا حقيقيًا، إذ أن مصير سوريا قد بات بيد من دخلوها عسكريًا وليس أهلها، ولا يزال السوريون يستذكرونها حتى اليوم ويتداولنها في قالب فيديوهات ساخرة، ولعل أشهر مقولاته: "سننسى أوروبا على الخريطة"، التي قالها تعقيبًا على العقوبات الأولى التي فرضها الاتحاد الأوروبي على بعض مسؤولي النظام السوري. كان البعض يرى في وليد المعلم دبلوماسيًا محنكًا ومتراكم الخبرات وقد ساعدت شخصيته الهادئة في إبراز صورة مغايرة للنظام الدموي، فيما اعتبره آخرون أنه شخصية مفلسة سياسيًا، يتم استغلالها من قبل النظام في ظل حالات التخبط التي تمر بها سوريا لإحداث نوع من التوازن بين آلة الحرب وقاعات التفاوض.

توفي المعلم فجر يوم الاثنين 16 نوفمبر، عن عمر يناهز الـ79 عامًا، ولم تُذكر تفاصيل كثيرة حول سبب وفاته، سوى أنه كان يعانى من مشاكل في القلب خلال السنوات الأخيرة، وكان آخر ظهور علني له في افتتاح مؤتمر عودة اللاجئين 2020 الذي نظمته دمشق بدعم روسي، وقد كشف موته عن حالة من التباين والاستقطاب الشديدين بين السوريين، ففي حين يرى النظام وأنصاره أن المعلم رجلٌ وفيٌّ، له مواقف وطنية مشرّفة، وقد قاوم التدخلات الخارجية و التطرف، فإن معارضي النظام قد وصفوه بـ"رجل الأسد وبوق النظام"، وذلك لسعيه المستمر للدفاع عن النظام مقابل تشويه الثورة وقمعها، ولم يخفوا سعادتهم بوفاته، متهمين إياه بـ"المشاركة في قتل السوريين وتشريدهم عبر تبرير سياسات النظام وجرائمه.

لقد أثارت وفاة المعلم تساؤلات عديدة عن تأثيرات غيابه على النظام، وتنامت الكهنات عن الشخص الذي سيخلفه في المنصب، البعض تكهن بأن يكون فيصل المقداد، الذي يشغل نائب وزير الخارجية الآن، هو من سيقع الاختيار عليه، في حين رجّح آخرون أن يذهب المنصب لبشار الجعفري، مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، وهو أحد الأبواق الشهيرة والمعروفة للنظام، لا سيما في جولات التفاوض المتعددة في جنيف وأستانة وسوتشي، لكن كل الأسماء مهما اختلفت، فإنه ستتبع نفس السياسة الدبلوماسية التي كان عليها المعلم، ومن قبله فاروق الشرع، وهى مفاداها أن النظام دائمًا على حق، والأسد باق، وكل المعارضين إرهابيين، وأن التدخلات الروسية والإيرانية من باب المساعدة والتحالف، أما غيرها من التدخلات فهى من باب الاحتلال!

أعلى