• - الموافق2026/10/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
هل سيضرب ترامب إيران مجددا؟

ما اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، تطل علينا القضية الإيرانية ثقيلة، ماذا بعد الانتخابات هل سيواصل ترامب الضغوط عليها، أم سيلجأ إلى ضربة عسكرية قوية ونهائية؟


يثار هذا التساؤل اليوم بقوة ليس في المنطقة بحسب بل في العالم كله، وذلك إزاء تضارب وتناقض التصريحات الصادرة من الإدارة الأمريكية طوال الأسابيع الماضية.

ففي التاسع من شهر سبتمبر الماضي صرح ترامب للصحفيين، بأن الحرب مع إيران ستنتهي فوراً وبشكل مباشر بعد انتخابات منتصف الولاية للكونجرس في نوفمبر القادم، مضيفاً أن أسعار النفط ستنخفض بشكل حاد.

وفي نفس اليوم عاد ترامب ليتناقض قليلا مع تصريحه السابق، ورداً على سؤال حول إمكانية التفاوض مع طهران، قال ترامب: نعم، قد تحدث مفاوضات، لكنها ليست شيئاً نبحث عنه حالياً، قبل أن يعود ويلمح إلى أن الأمر قد يستغرق أطول قليلاً من موعد الانتخابات.

وفي الأول من أكتوبر، وفي مقابلة مع مجلة تايم الأمريكية، كشف ترامب أنه رفض أحدث عرض سلام بمبادرة من إيران واصفاً إياه بأنه غير كافٍ. ولدى سؤاله عن الخطوات القادمة، ألمح بوضوح إلى احتمالية زيادة وتكثيف القصف العسكري بعد انتخابات 3 نوفمبر، متناقضاً مع تصريحه السابق بقرب الانتهاء من الحرب.

وبعدها في أسبوع، وفي تجمع انتخابي بمدينة واسيلا بولاية ألاسكا، أطلق ترامب تصريحاً ناريا شديد النبرة قائلاً: "انتظروا لتروا ما سنفعله بإيران.. سنقوم بعمل كبير جداً، لقد طفح بنا الكيل.

ولكن قمة الإثارة ما حديث يوم ١٧ اكتوبر، أي منذ أيام، عندما ألمح ترامب إلى احتمال استهداف موقع "منشأة جبل الفأس قرب نطنز" الذي يتم فيه تخزين النووي الإيراني قائلاً: "قد نضطر للذهاب إلى هناك.. وسنطرحه أرضاً سريعاً". 

​ولكن في نهار اليوم نفسه، عاد ليصرح بأن الحرب ستنتهي قريباً جداً إما بالمفاوضات أو بطرق أخرى.. هم يتفاوضون معنا نعم، وستنتهي وسيهبط سعر النفط كالحجر.

ماذا يعني هذا؟

أنه في أقل من ستة أسابيع، قدّم ترامب ثلاث رسائل متعارضة ظاهرياً: نهاية الحرب بعد الانتخابات، واحتمال تكثيف القصف بعدها، ثم تهديد مباشر بضرب موقع نووي مدفون قبل أن يعود إلى لغة التفاوض.

هذه البلبلة التي يثيرها ترامب بتصريحاته، هل هي متعمدة؟ أم هي ارتباكاً في القرار الأمريكي؟

وإذا كانت بالفعل متعمدة، ما الذي يريده ترامب من إثارة تلك التناقضات؟

وهل هناك نهج جديد للإدارة الأمريكية للتعامل مع الملف الإيراني؟ وما أثر ذلك على الصراعات الدائرة الآن في الإقليم؟

ولكي نفهم ما يحدث في المنطقة ونجيب عن الأسئلة السابقة، لابد لنا من تحليل أهداف ترامب تجاه إيران واستراتيجيته لتحقيق تلك الأهداف قبل التناقضات الأخيرة؟

أهداف واستراتيجيات

قبل التناقضات الأخيرة، لم تكن استراتيجية ترامب تجاه إيران استراتيجية حرب شاملة أو غزو بري، بل استراتيجية ضغط مركّب: مزج بين القوة العسكرية الانتقائية، والحرب الاقتصادية، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً. وكان الهدف الأعمق هو إجبار إيران على تنازلات محددة وقابلة للإعلان عنها كنصر أمريكي، دون أن تتحمل واشنطن كلفة احتلال أو حرب طويلة.

لقد كان الهدف الأول والأكثر ثباتاً هو منع إيران من امتلاك السلاح النووي أو من إعادة بناء برنامجها النووي بعد الضربات الأمريكية والصهيونية. وقد صرّح نائب الرئيس جيه. دي. فانس بأن الصراع لا يمكن اعتباره منتهياً حتى تقدّم طهران التزاماً موثقاً بعدم إعادة بناء برنامجها النووي.

وكان الهدف الثاني هو كسر قدرة إيران على التحكم في مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه. فالمضيق يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال عالمياً، وأي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. وقد جعل الكونغرس الأمريكي، في تقرير نشر مؤخرًا، إنكار قدرة إيران على فرض سيطرتها على هرمز هدفاً أمريكياً عاجلاً وبارزاً.

أما الهدف الثالث، وقد صعد بسرعة في أولويات الإدارة، فهو استقرار أسعار النفط والغاز وخفض أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة. وقد عبّر فانس عن ذلك صراحة حين جعل إبقاء النفط والغاز رخيصين هدفاً ذا أولوية، وربط ذلك مباشرة بمصلحة المستهلك الأمريكي. هذا التحول مهم، لأنه يكشف أن الملف الإيراني لم يعد ملفاً أمنياً خالصاً، بل تحول إلى ملف اقتصادي وانتخابي.

لقد كانت الأهداف المعلنة عند بداية الحرب أوسع وأكثر طموحاً: استسلام إيران، وتغيير النظام، ومنعها نهائياً من السلاح النووي، وإنهاء دعمها للقوى الإقليمية.

لكن مع استمرار الحرب وعدم تحقق نتائج حاسمة، انتقلت الأولويات نحو أهداف أكثر تحديداً وقابلية للقياس: إعادة فتح هرمز، واستقرار أسعار الطاقة، ومنع إيران من إعادة بناء برنامجها النووي.

هذا التحول يعكس أن ترامب كان يبحث عن نتيجة سريعة قابلة للبيع سياسياً، لا عن حرب طويلة أو احتلال. فالهدف لم يعد إسقاط النظام بقدر ما أصبح إجبار النظام على التنازل في ملفات محددة. وهذا ما يفسر لماذا تحول التركيز من الطموح الأقصى إلى الأهداف القابلة للتحقيق.

اعتمد ترامب في تطبيقه لهذه الأهداف على ثلاث ركائز أساسية:

١- الضغط الاقتصادي الحاد:

تطبيق عقوبات مشددة واستثنائية على قطاع النفط والغاز، والبنك المركزي، والصادرات الحيوية لإجبار النظام على الخيار بين التراجع أو الانهيار الاقتصادي.

٢- الردع العسكري المباشر والضربات الجراحية:

التلويح باستخدام ضربات جوية وبحرية خاطفة وموجهة ضد البنى التحتية الحساسة (مثل المنشآت الحصينة كجبل فأس والقواعد الصاروخية) بهدف الردع وشل القدرات دون الانزلاق إلى حرب برية طويلة الأجل.

٣- العزل السياسي والدبلوماسي:

بناء وتوحيد تحالف إقليمي ودولي يضغط على طهران، ويحاصر تحركاتها وخياراتها في المحافل الدولية.

لقد جعلت الاستراتيجية الأمريكية كلفة المقاومة الإيرانية أعلى من كلفة التسوية، دون أن تتحمل واشنطن كلفة حرب برية أو احتلال. وهذا يفسر لماذا تحول التركيز من تغيير النظام، هو هدف يصعب تحقيقه عسكرياً إلى أهداف قابلة للقياس: هرمز، النفط، النووي، والصواريخ.

التحول إلى التناقض

ولكن هل نجحت التغيرات السابقة في هذه الاستراتيجية؟

نعم، تحققت نجاحات جزئية في استراتيجية الضغط المركّب، لكنها لم تُنتج النتيجة الحاسمة التي أرادها ترامب:

فقد نجحت أمريكا جزئياً في استعادة جزء من حركة الملاحة في هرمز، حيث عادت تدفقات النفط من دول الخليج غير الإيرانية إلى مستويات شبه طبيعية بتنسيق مع الجيش الأمريكي. كما نجحت في تقليص قدرة إيران على فرض سيطرتها الكاملة على المضيق، وإن لم تكسرها نهائياً.

كما نجحت الإدارة في إضعاف البرنامج النووي الإيراني ميدانياً عبر الضربات السابقة، حتى إن بعض المحللين يرون أن البرنامج عُطّل إلى حد كبير، وأن المعركة الآن تتعلق بالنية الإيرانية أكثر من القدرات. ولهذا بدأ فريق ترامب يرفع سقف مطالبه من فتح هرمز إلى تنازلات نووية موثقة.

لكن هذه النجاحات بقيت جزئية وغير حاسمة. فالنظام الإيراني لم يسقط، ولم تقدم إيران تنازلاً نووياً نهائياً، واستمرت الهجمات على السفن قرب هرمز، ولم تعد حركة النفط إلى مستويات ما قبل الحرب بالكامل.

لماذا لم تنجح الاستراتيجية بالكامل؟

السبب الجوهري هو أن الضغط العسكري والاقتصادي لم يحققا استعداداً إيرانياً للتنازل الشامل. فبدلاً من الاستسلام، بدا النظام الإيراني أكثر تشبثاً بورقته في هرمز وبرنامجه النووي. وقد أشارت تقارير إلى أن وقف النار ومذكرة التفاهم التي أبرماها الطرفان في يونيو تحولا إلى حبراً على ورق بعد تصعيد عسكري واقتصادي جديد، مع ارتفاع الأسعار مجدداً وعناد إيراني أكبر.

لماذا إذن جرى التحول إلى التناقض في التصريحات؟

ببساطة، لقد تبين للإدارة الأمريكية أن الضغط وحده لا يكفي.

ولذلك لجأ ترامب إلى إدارة استراتيجية تقوم على أربعة أركان:

١- إدارة الغموض كأداة ضغط: ترامب يفضّل تاريخياً عدم التنبؤ على الرؤية الاستراتيجية الواضحة، ويستخدمه لتشويش حسابات الخصم. فالتناقض يجعل إيران غير قادرة على توقع الخطوة التالية، فيرتفع كلفة المماطلة لديها.

٢- الربط الانتخابي: اقتربت انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر، وأصبح خفض أسعار الوقود أولوية سياسية داخلية. لذلك صار ترامب يربط نهاية الحرب وانخفاض النفط بموعد الانتخابات، ويؤجل التصعيد الكبير إلى ما بعدها. وقد لوحظ أن إيران نفسها حاولت استغلال الانتخابات لإلحاق ألم سياسي بترامب عبر أسعار الطاقة.

٣- الحفاظ على خيار القوة دون الالتزام: التلويح بضرب مواقع أعمق مثل جبل فأس، فهو يرسل رسالة إلى إيران ودولة الكيان والحلفاء بأن الخيار العسكري لم يُستنفد، دون أن يلتزم فوراً بعملية عالية الكلفة.

٤- إخفاء الانقسام الداخلي: بعض المحللين يرون أن التناقض قد يعكس خلافات داخلية في الإدارة حول الأولويات — بين من يريد إنهاء الحرب سريعاً ومن يريد الضغط أكثر — أو محاولة لخلط حسابات إيران.

لقد جاء التحول إلى التصريحات المتناقضة حين لم تعُد الضغوط وحدها كافية، فانتقلت الإدارة إلى إدارة الغموض، ومزج التهديد بالتفاوض والربط بالانتخابات، في محاولة لإنقاذ استراتيجية أصبحت عالقة بين النجاح الجزئي وطموح تحقيق الأهداف الكاملة.

الغموض وحروب الاقليم

تنعكس استراتيجية الغموض الاستراتيجي والرسائل المزدوجة التي يطلقها دونالد ترامب بشكل مباشر وعميق على الساحات المشتعلة في الشرق الأوسط.

فبدلاً من صياغة خطوط حمراء ثابتة تفرض الردع، تخلق التصريحات المتناقضة حالة من الضبابية الاستراتيجية، تدفع حلفاء الولايات المتحدة وخصومها إلى إعادة الحسابات بشكل قد يزيد من مخاطر الاشتعال وسوء التقدير.

تتجلى هذه الآثار بوضوح في بؤرتين أساسيتين للصراع:

أولا/ حرب اليمن وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر

ففي اليَمَن، يتعامل الحوثيون ومن خلفهم إيران مع تذبذب الخطاب الأمريكي بمزيد من الاهتمام وتغيير خططهم: فتحركهم نحو الشريط الساحلي ومحاولة السيطرة على باب المندب، وهجماتهم على تعز، في محاولة لتحقيق شيئين:

إذا سارت تهديدات ترامب إلى مفاوضات، فهم نجحوا في تجميع أوراق تعطيهم مزيدا من المكاسب على طاولة المفاوضات، بالسيطرة على باب المندب واحتلال ثالث أكبر مدينة يمنية، ورمز الثورة.

أما إذا آلت تهديدات ترامب إلى الحرب مرة أخرى ضد إيران، فإن تهديد الحوثي بغلق المضيق سوف يتم تنفيذه، وتزداد الورطة الأمريكية ونزيفها.

 لذلك يحاول ترامب تضمين استراتيجية الغموض رسائل وإشارات التهدئة والصفقات المحتملة؛ وخاصة رسالة بأنه يتحاشى الانزلاق إلى تورط بري مكلف في اليمن.

لكن هذا الانطباع يضعف مفعول الردع الأمريكي، ويغري الحوثي بمواصلة فرض قواعد اشتباك تبتز الدول الإقليمية، بل وحلفاء امريكا في الغرب عند خطوط الملاحة البحرية.

ثانيا/ البؤرة الثانية في الصراع والتي تتأثر باستراتيجية الغموض الأمريكية، وهي العربدة الصهيونية في كل من غزة وجنوب لبنان وسوريا.

فداخل أروقة صنع السياسة الصهيونية بزعامة رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو، يتم ترجمة التصريحات الأمريكية المتقلبة باعتبارها ضوءاً أخضر ضمنياً للتوسع في العمليات:

 ففي غزة: يمنح غموض ترامب الحكومة الصهيونية غطاءً سياسياً للمناورة والمماطلة في مقترحات الهدنة؛ إذ يراهن نتانياهو على أن الخطاب الأمريكي الغامض ضد إيران يخدم هدفها الأساسي، المتمثل في القضاء على الفصائل الفلسطينية، وتغيير الواقع الديموغرافي والأمني بدون قيود أمريكية صارمة.

وفي جنوب لبنان: يرى الاحتلال الصهيوني في تهديدات ترامب المباشرة للعمق الإيراني، دليلاً على وجود غطاء أمريكي لتكثيف الضربات الجوية على المقار، وشبكات الإمداد التابعة لحزب الله. وتعتقد حكومة الكيان أن هذا التردد الأمريكي بين التفاوض والضرب المباشر يمنحها نافذة فريدة لفرض واقع ميداني جديد بالقوة المسلحة قبل أن تجبر امريكا الأطراف على صفقة شاملة.

أما في سوريا، فالتوغلات العسكرية الصهيونية في الجنوب السوري قد ازدادت وتيرتها، ترافقها طلعات جوية كثيفة بالمسيرات على كامل أجواء سوريا من ادلب حتى درعا، كما تكثف تسليح البؤرة الدرزية في السويداء، وتتكاثر المؤشرات بقرب عملية صهيونية برية واسعة في سوريا.

الخلاصة الجيوسياسية

توجد البلبلة الأمريكية تجاه إيران، بيئة إقليمية قائمة على سباق مع الزمن؛ فحلفاء أمريكا وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، يستغلون التناقضات لتثبيت أوراق قوة على الأرض وتوسيع رقعة الضغط، بينما يعيد محور إيران صياغة تكتيكاته بناءً على القراءة اليومية لبوصلة ترامب المتذبذبة، مما يضع المنطقة بأكملها فوق صفيح ساخن، ينتظر ما ستسفر عنه الاستحقاقات السياسية والانتخابية القادمة.

أعلى