• - الموافق2026/10/10م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق

أحدث الانسحاب القوات الأمريكية من العراق، حالة فراغ ولدت مزيدا من الضغوط سواء داخليا في العراق التي دخلت مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ؟ أو خارجيا حيث بدأت تتشكل معادلات إقليمية جديدة قد تعيد رسم خريطة القوة والتحالفات في الشرق الأوسط.


في 30 سبتمبر، أعلنت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وقيادة التحالف عن خروج آخر القوات الأمريكية في بلاد الرافدين واكتمال عملية الإخلاء العسكري. 

​وبذلك تم الانتهاء رسمياً من المهاّم العسكرية للعملية التي أطلقوا عليها “العزم الصلب" ضد تنظيم الدولة (داعش)، والتي استمرت منذ عام 2014. 

وقد أتمّت القوات الأمريكية والبريطانية إخلاء آخر مواقعها القتالية واللوجستية، ولا سيما في قاعدة أربيل الجوية وقاعدة فيكتوريا قرب مطار بغداد، وتم تسليم الإدارة بالكامل للقوات الأمنية العراقية. 

ولم يعد هناك وجود عسكري قتالي للولايات المتحدة في العراق؛ حيث يقتصر الوجود الأمريكي حالياً على فصيل أمني مصغر مخصص لحماية البعثات الدبلوماسية والسفارة الأمريكية في بغداد، إلى جانب أطر مستحدثة للتعاون الثنائي والتدريب والاستخبارات. 

​وفي المقابل أعلنت الحكومة العراقية تسلّم ملف الأمن بالكامل في مختلف المحافظات، وشهدت مدن عراقية عدة (من بينها بغداد والبصرة والنجف) حيث يوجد فيها الشيعة بكثافة فعاليات واستعراضات بمناسبة خروج قوات التحالف، وتأكيد ما أطلقوا عليه السيادة الوطنية.

ولكن لماذا انسحبت الولايات المتحدة من العراق؟

وما مدى تأثر نظام الحكم العراقي، وأوضاع الطوائف بهذا الانسحاب؟

وما تأثير ذلك الانسحاب على النفوذ الأمريكي في المنطقة؟

لماذا انسحبت امريكا؟

تكتسب لحظة الانسحاب العسكري الأمريكي واكتمال إخلاء المواقع القتالية واللوجستية دلالتها الاستراتيجية عند مقارنتها بالدوافع الأولى لغزو عام 2003؛ فبينما دخلت أمريكا العراق بطموح جامح نحو إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتدشين ما أطلقت عليه وقتها (عصر بناء الدول) وفرض الهيمنة المباشرة، يظهر المشهد اليوم انهيار تلك الدوافع وتلاشيها كلياً بعد عقدين من الاستنزاف المالي والبشري، لتحل محلها واقعية سياسية وميدانية صارمة.

لم يكن القرار الأمريكي بإعلان نهاية المهمة القتالية لعملية "العزم الصلب" وإعادة تسليم قواعد حيوية كـ "فيكتوريا" و"أربيل" وليد صدفة، بل جاء ثمرة لتقاطع تحولات جوهرية على الأرض؛ وفي صدارتها التراجع الحاسم في طبيعة التهديد الذي يمثله تنظيم "داعش". فبعد أن كان التنظيم يفرض خلافة مزعومة على مساحات جغرافية شاسعة ويتطلب وجوداً برياً أمريكياً مكثفاً للردع المباشر، تراجع نفوذه إلى مجرد خلايا أمنية مطاردة ومشتتة في البوادي والكهوف النائية. هذا التحول النوعي ألغى الحاجة الميدانية للبقاء القتالي الثقيل والأفواج البرية، واستبدالها بتشكيلات عسكرية خفيفة للتنسيق الاستخباراتي والدعم التقني.

وعلى صعيد الداخل العراقي، فرضت الواقعية الميدانية نفسها عبر استسلام امريكا للمعادلة الأمنية القائمة؛ فبدلاً من الاستمرار في رهان مكلف وباهظ لبناء أجهزة أمنية حيادية تتوازن مع النفوذ الإيراني، أبدت الولايات المتحدة براغماتية بالقبول المشروط بالواقع الذي تسيطر عليه الفصائل والقوى الشيعية، متخذةً من العناوين الرسمية مثل (جاهزية القوات الحكومية) غطاءً سياسياً لتمرير الإخلاء.

ويبدو أن امريكا قبلت مؤقتاً بالمعادلة الأمنية القائمة لتأمين خروج هادئ، على أن تعود بعده إلى أدوات الضغط غير العسكرية.

ومما يؤكد هذا المعنى، بالنظر إلى معادلة المواجهة المباشرة بين امريكا وإيران؛ إذ أدرك التخطيط العسكري الأمريكي أن بقاء القوات في قواعد ثابتة ومكشوفة جعلها خاصرة رخوة، وأهدافاً سهلة للهجمات الانتقامية من قبل الفصائل الشيعية رداً على الضربات الأمريكية ضد إيران. وبذلك، شكل الانسحاب العسكري خطوة استباقية حاسمة لتجريد إيران من ورقة وضع القوات الأمريكية في العراق كرهائن، وحرمانها من خيار الرد المباشر بإنهاء مكاسب أمريكا الأمنية في العراق دون كلفة عالية.

​غير أن العصب السياسي لهذا القرار يكمن في العقيدة الاستراتيجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب؛ إذ شكلت رؤية (أمريكا أولاً) المحرك الرئيسي لإعادة تقييم التواجد العسكري.

استندت هذه العقيدة إلى الرفض الصارم لمفهوم الحروب المفتوحة، والتراجع عن مشاريع تغيير الأنظمة المكلفة التي أرهقت الخزينة الأمريكية، مع تبني نهج نفعي يرفض استمرار واشنطن في دور شرطي العالم، وإشراك الحلفاء في تحمل الفاتورة الأمنية.

ولذلك رأت إدارة ترامب أن استمرار نشر القوات القتالية أضحى استنزافاً ينطوي على مخاطرة عالية، مما جعل إرجاع القوات والاعتماد على الشركاء المحليين التزاماً استراتيجياً وتعهداً صريحاً للإدارة أمام ناخبيها. وينسجم هذا التوجه كاملاً مع إعادة التموضع الدفاعي الشامل، حيث باتت أولوية البنتاغون المعلنة هي التمركز حول منافسة القوى الكبرى، وفي مقدمتها التمدد العسكري والاقتصادي الصيني والتحدي الجيوسياسي الروسي؛ وهو ما فرض نقل الثقل الاستراتيجي والموارد العسكرية بعيداً عن الشرق الأوسط لخدمة قضايا الأمن القومي الأكثر حرجاً.

​إذن، فقرار الانسحاب العسكري لم يكن مجرد استجابة لواقع ميداني منعزل، بل كان نقطة التلاقي الحاسمة بين انقضاء الدوافع الأمريكية القديمة لعام 2003، وتفكيك نقطة ضعف عسكرية أمام إيران، مدفوعةً بعقيدة ترامب المناهضة للحروب المفتوحة، والأولوية الاستراتيجية الكبرى لمواجهة القوى الدولية المنافسة.

التأثير المحلي

يضع الانسحاب العسكري الأمريكي نظام الحكم العراقي أمام اختبار تاريخي، لقياس قدرة المؤسسات الرسمية على فرض هيبة الدولة واحتكار السلاح دون مظلة أجنبية.

ويتجلى هذا التحدي بأقصى درجاته تجاه المكون الشيعي والقوى الإقليمية والحزبية الممسكة بالسلطة؛ ففي الوقت الذي يُحتفَى فيه بالانسحاب كإنجاز يكرس السيادة، يُفتح ملف الميليشيات والفصائل المسلحة كعقدة استراتيجية تتصاعد حولها الضغوط الأمريكية المطالبة بتفكيكها ونزع سلاحها. وعلى الرغم من تعهدات حكومة العراق المهيمن عليها الشيعة بحصر السلاح بيد الدولة، فإن تمرد بعض الفصائل وتحديها للحكومة الشيعية يكشف عن عمق الأزمة الاستراتيجية؛ حيث تحولت هذه المجموعات إلى شبكات نفوذ أمني وسياسي واقتصادي تتجاوز سلطة الدولة. وأمام هذا الغموض، تنتاب الولايات المتحدة الحيرة في محاولة الدفع ببدلاء ميدانيين كالأكراد أو القوى الإقليمية لصدام عسكري مباشر يُعتقد أنه سيفجر حرباً أهلية شاملة، خاصة أن هذه القوى لها تحفظاتها على الدخول في معترك غير مضمون العواقب.

لذلك ستحاول امريكا بدلاً من ذلك إلى الاعتماد على عقوبات الاقتصاد والتحكم في تدفقات الدولار، وربما تحاول توجيه ضربات مركزة لعزل تلك الفصائل وتجريدها من بيئتها الحاضنة.

وفي المقابل، يُعمّق هذا الوضع حالة التوجس والانكشاف لدى المكون السني، الذي ينظر بقدر كبير من الريبة إلى مدى قدرة المؤسسات الأمنية والتنفيذية الرسمية، على حمايته أو الوقوف في وجه سطوة الفصائل الشيعية.

ومع غياب الطرف الدولي الضامن لضبط التوازنات، تزداد مخاوف السنّة من انفراد القوى المسلحة النافذة بالقرار وتكريس واقع التهميش السياسي والأمني في مناطقهم.

أما في إقليم كردستان، فيشكل إخلاء قاعدة أربيل انحساراً للمظلة الأمنية التي شكلت درعاً استراتيجياً للإقليم أمام ضغوط العراق وإيران. وتتضح أبعاد هذه الخسارة بالنظر إلى خلفية الفتور في علاقة البارزاني وامريكا إبان الضربات الأمريكية لإيران، حيث فضلت القيادة الكردية النأي بالإقليم عن التورط في أي ترتيبات لمواجهة برية حرصاً على جوارها الجغرافي المعقد.

هذا التحفظ جعل أمريكا أقل تمسكاً بالإبقاء على مظلتها العسكرية الحصرية فوق الإقليم، مما وضع الأكراد أمام حتمية التكيف وإعادة صياغة تفاهماتهم الأمنية والاقتصادية بشكل مباشر مع كل من العراق وإيران دون الرهان القديم على حماية أجنبية دائمية.

التأثير الاقليمي

لا يمثل إتمام الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق حدثاً معزولاً، بل يأتي كحلقةً في سلسلة متصلة من التراجع والانسحاب العسكري الأمريكي المتواصل في المنطقة، والتي سبقها التخفيض التدريجي والانسحاب الميداني من مناطق واسعة في سوريا. هذا الانسحاب التراكمي أحدث فراغاً استراتيجياً هائلاً في ميزان القوى الإقليمي، وأنهى عملياً حقبة المظلة الأمنية الأمريكية المطلقة، التي اعتادت عليها دول المنطقة لعدة عقود.

لقد تحول الوجود الأمريكي من انتشار عسكري صلب على الأرض، إلى نوع من الأمن الناعم والتعاون الاستخباراتي، متحوّلاً إلى إستراتيجية يطلق عليها في علم السياسة “الموازنة عن بعد"، والتي تسعى عبرها امريكا إلى ضبط المسار من خلال الضغط الاقتصادي والتفوق التقني دون تحمل كلفة بشرية أو ميدانية.

وقد دفع هذا الفراغ الاستراتيجي المتزايد، بالتوازي مع تمدد النفوذ الإيراني، ومحاولات روسيا والصين الاستفادة من المساحات المتروكة، وتحركات القوى الإقليمية، إلى إعادة رسم خريطتها الأمنية والتفتيش عن تحالفات ذاتية الاعتماد بديلة للمظلة الأمريكية التقليدية.

وفي هذا السياق، بدأت تتبلور ملامح تكتل إقليمي جديد أطلق عليه "المحور السني"، والذي يتكون مبدئياً من مثلث استراتيجي يضم السعودية وتركيا وباكستان. يسعى هذا المحور الناشئ إلى بناء ميزان ردع إقليمي مستقل عبر التكامل بين الثقل الاقتصادي والمالي السعودي، والقوة العسكرية والصناعية التكنولوجية لتركيا، والعمق العسكري والنووي لباكستان؛ مما يمثل استجابة أمنية مباشرة لغياب الضمانات الأمريكية وسعياً لمنع انفراد القوى المنافسة بإدارة الفراغ الإقليمي.

وعلى الصعيد الميداني، فإن انقطاع الحضور العسكري الأمريكي في العراق يقطع الشريان اللوجستي الخلفي لقاعدتي أربيل وفيكتوريا اللتين كانتا تشكلان خط الإمداد الحاسم للتواجد الأمريكي المتبقي في شمال وشرق سوريا، ما يجعل التواجد العسكري في شرق الفرات والممثل في قسد أكثر عزلة وهشاشة أمام الضغوط المتصاعدة. وفي المحصلة الإقليمية، أدى هذا الانسحاب المتواصل إلى تحول الشرق الأوسط من ساحة خاضعة للهيمنة الأمريكية المباشرة إلى بيئة أمنية متعددة الأقطاب والمحاور، فرضت على الفاعلين الإقليميين إدارة توازناتهم بتبني عقيدة الاعتماد على الذات وإنشاء أطر ردع جديدة.

الخلاصة

إن العراق، بعمقه ورمزيته في تاريخ الأمة، سيبقى قلباً ينبض بالأمل؛ وما هذه الابتلاءات وسط اختلال الموازين وتفشي الفتن، إلا تمحيص يسبق العزة، لتستعيد أمتنا وحدة كلمتها وسيادتها، وتنطلق مجدداً نحو مكانتها اللائقة بين الأمم.

أعلى