هل يشكل تنوع الجيش اليمني ودرع الوطن والعمالقة والمقاومات المختلفة مصدر قوة في مواجهة الحوثيين، أم أن تباين الولاءات والمشروعات السياسية والدعم الإقليمي يعرقل بناء قيادة موحدة قادرة على استعادة الدولة وصياغة مستقبل اليمن ووحدته الوطنية؟
من الجيش النظامي إلى العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الوطنية.. خريطة عسكرية تتقاطع
فيها معركة استعادة الدولة مع صراعات النفوذ ومستقبل اليمن
لم تفرز الحرب اليمنية جيشًا حكوميًا واحدًا يخوض المواجهة مع جماعة الحوثي، بقدر
ما أفرزت طيفًا واسعًا من التشكيلات العسكرية والأمنية التي نشأت في ظروف مختلفة،
وتوزعت بين جبهات القتال، وارتبط بعضها بمؤسسات الدولة، بينما احتفظ بعضها الآخر
بقياداته المستقلة وشبكات دعمه الخاصة. ومع مرور السنوات، أصبحت هذه التشكيلات
جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع اليمني، سواء في مواجهة الحوثيين أو في التنافس على
النفوذ داخل المناطق الخارجة عن سيطرتهم.
وتجمع هذه القوات عداوتها للحوثيين، لكنها تختلف في جذورها الاجتماعية والسياسية،
وفي علاقاتها بالقوى الإقليمية، وفي رؤيتها لشكل الدولة اليمنية المقبلة. فبينما
يرفع الجيش الحكومي شعار استعادة مؤسسات الجمهورية ووحدة البلاد، تتبنى قوى جنوبية
مشروع الانفصال، وتتمسك تشكيلات أخرى بخصوصيتها العسكرية، فيما تسعى قوى إقليمية
إلى بناء تشكيلات حليفة لها أو تعزيز نفوذها داخل القوات القائمة. وقد جعل ذلك من
المعسكر المناهض للحوثيين تحالفًا واسعًا، تتعايش داخله أهداف مشتركة مع تناقضات لم
تنجح سنوات الحرب في تبديدها.
وتبرز أهمية فهم هذه الخريطة مع تجدد المواجهات واتساع الجبهات؛ إذ لا يتوقف مستقبل
الصراع على عدد المقاتلين أو حجم التسليح، وإنما يرتبط أيضًا بمدى القدرة على توحيد
القيادة، وتنسيق العمليات، والتوفيق بين المشروعات السياسية المتنافسة.
أولًا: الجيش اليمني.. المؤسسة العسكرية الرسمية
يمثل الجيش اليمني التشكيل العسكري الرسمي للدولة، ويستند من الناحية القانونية إلى
مؤسسات الجمهورية اليمنية وقيادتها السياسية والعسكرية. وبعد سيطرة الحوثيين على
صنعاء في سبتمبر 2014، ثم توسعهم العسكري خلال عامي 2014 و2015، تعرضت المؤسسة
العسكرية لانقسامات كبيرة، وتفككت وحدات منها، وانضمت تشكيلات إلى أطراف الصراع
المختلفة، بينما أعيد تنظيم وحدات أخرى في المناطق التي بقيت خارج سيطرة الجماعة.
ومع انتقال الحكومة المعترف بها دوليًا إلى العمل من عدن ومناطق أخرى، احتفظ الجيش
النظامي بدور رئيسي في جبهات المواجهة، ولا سيما في محافظة مأرب، التي تحولت إلى
أحد أبرز مراكز المقاومة العسكرية للحوثيين. كما تنتشر وحداته في مناطق عسكرية
ومحاور متعددة، وتضم تشكيلاته قوات برية ووحدات متخصصة، إلى جانب قدرات جوية وبحرية
متفاوتة.
وتمتلك القوات الحكومية قطاعات قتالية برية وجوية وبحرية بالإضافة إلى جانب وحدات
أمنية وتشكيلات عسكرية مختلفة، وتضم ترسانتها المدرعات والمدفعية الميدانية
والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة المتعددة المهام.
ووزير الدفاع اليمني الحالي هو الفريق الركن الدكتور طاهر علي عيضة العقيلي، والذي
عُيّن في منصبه بقرار من مجلس القيادة الرئاسي اليمني في 6 فبراير 2026.
ويختلف الجيش النظامي عن التشكيلات التي نشأت خلال الحرب في أن مرجعيته هي وزارة
الدفاع وهيئة القيادة العسكرية الرسمية، وأن مهمته المعلنة تتجاوز إدارة جبهة
بعينها إلى حماية الدولة ووحدة أراضيها.
وتظل مأرب من أهم معاقل القوات الحكومية، نظرًا إلى موقعها الجغرافي وأهميتها
الاقتصادية والسياسية، فضلًا عن حضور قوات الجيش والتشكيلات القبلية والمجموعات
المسلحة المتحالفة مع الحكومة فيها. وقد جعل استمرار سيطرة الحوثيين على صنعاء
وأجزاء واسعة من الشمال من هذه الجبهات خط الدفاع الأهم عن المناطق الواقعة تحت
سلطة الحكومة.
ثانيًا: قوات درع الوطن.. التشكيل المرتبط بمجلس القيادة الرئاسي
تُعد قوات درع الوطن من أبرز التشكيلات التي ظهرت في مرحلة ما بعد تشكيل مجلس
القيادة الرئاسي في أبريل 2022. وقد صدر قرار بإنشائها رسميًا في 29 يناير 2023،
لتكون تحت سلطة رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بصفته القائد الأعلى للقوات
المسلحة، مع صلاحية تحديد مهامها ومناطق انتشارها. ويقودها اللواء بسام محضار
الصانبي ويتولى رئاسة أركانها اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي وتتخذ من قاعدة العند
الجوية بمحافظة لحج مقرا رئيسا لها.
وتختلف درع الوطن عن كثير من التشكيلات التي نشأت بصورة محلية أو ارتبطت بقيادات
سياسية وعسكرية مستقلة، إذ جرى تقديمها باعتبارها قوة تتبع القيادة الرسمية للدولة،
ويمكن توظيفها في مناطق عمليات متعددة بدلًا من حصرها في نطاق جغرافي واحد.
وتحظى القوات بأهمية خاصة في جنوب اليمن وشرقه، حيث تنتشر في عدد من المناطق ذات
الأهمية الأمنية والاستراتيجية، بما في ذلك مناطق قريبة من الحدود السعودية
والعُمانية، فضلًا عن حضورها في محافظات جنوبية وشرقية. وترتبط نشأتها وتطورها
بمساعي تعزيز نفوذ مجلس القيادة الرئاسي وبناء تشكيل عسكري أكثر التصاقًا بقيادته،
في بيئة شهدت توسعًا في نفوذ القوات المحلية وتنافسًا بين القوى الإقليمية.
وتتكون من ثلاث فرق عسكرية تضم عددا من الألوية وتمتلك عربات مصفحة ومدرعات ومدفعية
ميدانية مضادات وأسلحة ثقيلة.
ثالثًا: ألوية العمالقة.. قوة قتالية ذات جذور جنوبية
تُعد ألوية العمالقة من أبرز التشكيلات العسكرية التي شاركت في مواجهة الحوثيين،
وبرز دورها بصورة خاصة في معارك الساحل الغربي، ثم في العمليات التي شهدتها محافظات
جنوبية وشرقية. ويرتبط جانب مهم من تكوينها البشري بالتيار السلفي، مع حضور واضح
لمقاتلين من المحافظات الجنوبية.
وقد اكتسبت هذه القوات مكانة بارزة خلال العمليات العسكرية التي استهدفت استعادة
مناطق من سيطرة الحوثيين، كما شاركت في مواجهات على محاور متعددة، من الساحل الغربي
إلى شبوة ومناطق مجاورة لمأرب. ويقودها عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، الذي أصبح
عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، وهو ما منحها موقعًا يتجاوز كونها تشكيلًا ميدانيًا
إلى أحد مكونات توازنات السلطة في اليمن.
وتتميز العمالقة بقدرات قتالية وخبرة ميدانية اكتسبتها عبر سنوات المواجهة، فضلًا
عن قدرتها على التحرك بين أكثر من جبهة. وقد جعلها ذلك قوة ذات وزن في حسابات
المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصًا عندما تتطلب العمليات حشد تشكيلات متمرسة في
القتال.
يقودها عضو المجلس الرئاسي عبد الرحمن أبو زرعة المحرمي وتعود جذورها إلى عناصر من
التيار السلفي في المحافظات الجنوبية خصوصا الذين قاتلوا الحوثيين خلال هجومها على
مركز دماج عام 2014م.
رابعًا: المقاومة الوطنية.. قوات طارق صالح على الساحل الغربي
تُعد المقاومة الوطنية من أبرز التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين، ويقودها
العميد طارق محمد عبدالله صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.
وقد تشكلت هذه القوة عام 2017، بعد انهيار التحالف بين صالح والحوثيين ومقتل الرئيس
السابق على أيدي الجماعة في ديسمبر من العام نفسه.
وتتمركز المقاومة الوطنية في نطاق الساحل الغربي، وقد ارتبط حضورها العسكري بأهمية
المناطق المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وما تمثله من قيمة استراتيجية
للتجارة والملاحة الدولية. وتضم تشكيلات قتالية ذات بنية وقيادة خاصتين، وتقدم
نفسها بوصفها قوة جمهورية تسعى إلى استعادة الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.
ويمنح طارق صالح هذه القوة امتدادًا سياسيًا وعسكريًا مرتبطًا بشبكات النظام
السابق، كما أن خبرته العائلية والعسكرية تضعها ضمن القوى التي يمكن أن يكون لها
دور في أي ترتيبات سياسية أو عسكرية مقبلة. وفي الوقت نفسه، يثير هذا الإرث خلافات
مع قوى أخرى، خصوصًا الأطراف التي تحمل ذاكرة صراع مع نظام علي عبدالله صالح أو
تختلف مع تصوراتها لمستقبل الدولة.
وقد ارتبطت المقاومة الوطنية، خلال سنوات الحرب، بدعم إماراتي، وهو ما جعلها جزءًا
من شبكة التشكيلات التي أسهمت أبوظبي في بنائها أو تعزيزها. ولا يعني ذلك اختزال
مواقفها كافة في حسابات داعمها الخارجي، لكنه يوضح أهمية العامل الإقليمي في تشكيل
خريطة القوى العسكرية اليمنية.
وتكمن أهمية المقاومة الوطنية في موقعها الجغرافي وفي قدرتها العسكرية، لكنها
تواجه، شأنها شأن بقية التشكيلات، تحدي التنسيق مع القوات الأخرى، وتوحيد الأولويات
العسكرية والسياسية ضمن مشروع وطني جامع.
خامسًا: المقاومة التهامية.. البعد المحلي لمعركة الساحل الغربي
تمثل المقاومة التهامية تشكيلًا عسكريًا يرتبط ببيئة تهامة وسكان الساحل الغربي،
حيث تداخلت المواجهة مع الحوثيين مع قضايا محلية تتصل بالتمثيل السياسي والأمني،
ومكانة أبناء المنطقة في إدارة شؤونها.
وتنبع أهمية هذه المقاومة من معرفتها بالبيئة الاجتماعية والجغرافية التي تعمل
فيها، ومن ارتباطها بقضية محلية تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة. فتهامة، بما
تضمه من مدن وموانئ ومناطق ساحلية، تمثل مجالًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، كما أن
سكانها يملكون مصالح خاصة في مستقبل الإدارة المحلية والأمن وتوزيع السلطة.
وتعمل المقاومة التهامية ضمن المشهد العسكري الأوسع المناهض للحوثيين، لكنها تظل
مرتبطة بمطالب أبناء المنطقة وبموقعهم في أي تسوية سياسية. ويكشف حضورها أن الحرب
اليمنية لا تتكون من صراع بين الحكومة والحوثيين وحدهما، وإنما تتداخل فيها أيضًا
قضايا المناطق والهويات المحلية وتنافس القوى على تمثيل المجتمعات التي تقاتل فيها.
وفي الـ13 سبتمبر الماضي صدر القرار القاضي بتشكيلها قوة مستقلة من فرقتين وتعيين
اللواء زايد منصر قائدا لها، ومنحها استقلالا ماليا وإداريا وعملياتيا.
سادسًا: قوات الطوارئ والتشكيلات المساندة
إلى جانب الجيش ودرع الوطن والعمالقة والمقاومة الوطنية والمقاومة التهامية، تضم
الخريطة العسكرية اليمنية تشكيلات أخرى تحمل تسميات مختلفة، من بينها قوات الطوارئ،
فضلًا عن وحدات أمنية ومحلية وقبلية تشارك في المواجهات أو تؤدي مهام حماية المناطق
والمنشآت وخطوط الإمداد.
وتتباين هذه التشكيلات في طبيعة نشأتها ومرجعياتها وحجمها وانتشارها، كما تختلف
درجة ارتباطها بالمؤسسات الحكومية الرسمية. ويعكس تعددها طبيعة الحرب الطويلة التي
دفعت الأطراف المحلية إلى بناء قوى مسلحة قادرة على حماية مناطقها أو تعزيز نفوذها
أو خوض المواجهة مع الحوثيين.
وتتكون قوات الطوارئ من قوات مشاة برية تلقت تدريبا قتاليا وتسليحا متقدما خلال 3
سنوات الماضية وتشكلت بالتوازي مع درع الوطن وترتبط بقيادة القوات المشتركة بقيادة
سعودية وتضم 6 فرق ونحو 35 لواء