• - الموافق2026/09/24م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha

في لحظة شديدة الحساسية. تمنح الولايات الأمريكية للكيان الصهيوني صفقة تسليحية ضخمة أربعين ألف قنبلة تزن كل واحدة منها طناً، فهل يستعد الكيان لحرب جديدة مع إيران، أم أن «المطرقة» الأمريكية تحمل هدفاً آخر؟


في منتصف سبتمبر 2026، مضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قُدماً في صفقة سلاح ضخمة مع كيان العدو الصهيوني بقيمة 2.8 مليار دولار، تشمل نحو 40 ألف قنبلة ثقيلة وزن الواحدة منها 2000 رطل (نحو طن واحد)، مناصفة بين طرازي "MK-84" و"BLU-117"، إضافة إلى رؤوس اختراق من طراز "I-2000 Penetrator" مخصصة لتدمير المنشآت المحصّنة تحت الأرض، بحسب مسؤولين أمريكيين. 

والصفقة تُموَّل بالكامل تقريباً عبر آلية "التمويل العسكري الأجنبي"، أي أن دافع الضرائب الأمريكي هو من يمنح كيان العدو المال لشراء السلاح الأمريكي نفسه.

خطورة الصفقة لا تكمن فقط في حجمها، بل في كونها تمثل انقلاباً كاملاً على قرار إدارة بايدن التي كانت قد أوقفت شحنة مماثلة من هذه القنابل تحديداً بسبب مخاوف من مجازر جماعية محتملة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة؛ فمَن كان يُوصف بـ"الخطر على المدنيين" قبل عامين، أصبح اليوم صفقة رسمية معلنة بأكبر حجم منذ سنوات.

يتساءل كثير من المحللين العسكريين والسياسيين: لماذا هذا الكم الهائل من القنابل تحديداً في هذا التوقيت، وهل هي بالفعل مُعدّة لمواجهة عسكرية محتملة مع إيران، أم أنها تخدم هدفاً مختلفاً تماماً يتعلق بالمشهد الديموغرافي في غزة، الضفة الغربية، جنوب لبنان، وربما جنوب سوريا؟

إيران ليست الهدف:

من الناحية العسكرية البحتة، فإن قنابل "MK-84" و"BLU-117" هي قنابل "غير موجّهة" (Unguided) في غالب استخداماتها الميدانية، أو موجّهة بدقة متوسطة عند تركيبها مع أنظمة توجيه من نوع "JDAM"، وهي مصممة أساساً للهدم الشامل نصف قطر تدميرها يصل إلى نحو 800 متر، وهي قادرة على اختراق الخرسانة المسلحة وإسقاط مبانٍ كاملة دفعة واحدة، وهو ما يفسر تسميتها التاريخية بـ"المطرقة" لدى الطيارين الأمريكيين منذ حرب الخليج الأولى.

استخدام هذا النوع من القنابل يتطلب عملياً طائرات مقاتلة تحلّق على ارتفاعات منخفضة نسبياً لإسقاطها بدقة، وهو أمر شديد الخطورة في بيئة مليئة بالصواريخ المحمولة على الكتف المضادة للطائرات (MANPADS)، وهي منظومات منتشرة بكثافة في الترسانة الإيرانية وفي ترسانة جماعة الحوثيين في اليمن. 

بعبارة أخرى، فإن أي مقاتلة صهيونية تحاول استخدام هذه القنابل فوق أراضٍ محمية بمنظومات دفاع جوي كثيفة أو صواريخ محمولة، تضع نفسها في مرمى خطر إسقاط حقيقي.

هذا التناقض يستند إليه عدد من المحللين العسكريين في المنطقة للقول إن هذه الصفقة ليست موجّهة أساساً لسيناريو مواجهة شاملة مع طهران، بل إن وظيفتها التقليدية هي الهدم الأرضي المباشر فوق مناطق لا تملك تهديداً جوياً حقيقياً - وهو بالضبط الوصف الذي ينطبق على قطاع غزة المدمَّر أصلاً، وعلى مناطق جنوب لبنان والضفة الغربية الخاضعة لتفوق جوي إسرائيلي كامل منذ عقود.

محرقة غزة :

الأرقام التي وثّقتها تقارير صحفية استقصائية، من بينها تحقيق "+972 Magazine" وموقعه العبري "Local Call"، تشير إلى أن جيش العدو الصهيوني استخدم عشرات الآلاف من قنابل "MK-84" غير الموجَّهة في قطاع غزة طيلة الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، وأن قواعد الاشتباك الداخلية سمحت في بعض الحالات بإسقاط هذا النوع من القنابل على مبانٍ سكنية لاستهداف عناصر ميدانية من دون رتب قيادية، مع توقّع "أضرار جانبية" تصل إلى 15-20 مدنياً في الضربة الواحدة، بحسب ما نقلته صحيفة هآرتس عن مصادر عسكرية صهيونية.

وقد أكد خبير سابق في التخلص من المتفجرات بالجيش الأمريكي، في تصريحات لصحيفة واشنطن بوست، أن القوات الصهيونية "تفضّل استخدام هذه القنابل بكثافة" عندما يتعلق الأمر باستهداف أي مبنى يُشتبه في وجود مسلحين بداخله، لأن قنبلة واحدة من طراز "MK-84" كفيلة بإسقاط المبنى بالكامل. 

هذا النمط من الاستخدام لا علاقة له بمواجهة دولة تملك دفاعات جوية متطورة كإيران، بل هو نمط "هدم حضري" ممنهج يتكرر في بيئة تفتقر لأي رد فعل جوي مضاد - وهو ما يعزز فرضية أن الكميات الجديدة من القنابل معدّة لاستمرار العملية ذاتها، وربما توسيعها لتشمل ما تبقى من مناطق القطاع غير المدمَّرة بعد.

تهجير متعدد الجبهات: 

لا يمكن قراءة صفقة السلاح بمعزل عن سلسلة تطورات ميدانية موازية وثّقتها منظمات حقوقية دولية، أولها في الضفة الغربية، وثّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير لها أن عملية "السور الحديدي" العسكرية الصهيونية في مطلع عام 2025 أدت إلى تهجير نحو 32 ألف فلسطيني من ثلاثة مخيمات للاجئين في شمال الضفة، في أكبر عملية تهجير تشهدها المنطقة منذ هزيمة 1967، مع استمرار منع السكان من العودة إلى منازلهم حتى الآن.

في جنوب لبنان، تحدّثت صحيفة هآرتس عن استغلال كيان العدو الصهيوني انشغال العالم بالحرب مع إيران لتوسيع نفوذها الميداني، فيما أعلن جيش العدو إقامة ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الفاصل جنوب لبنان، في تكرار لنموذج "قضم الأراضي بذريعة أمنية" المطبَّق سابقاً في غزة.

وربطت تصريحات رسمية لرئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو هذا التوجه بخطة لإقامة "منطقة أمنية" تمتد من جنوب لبنان حتى حوض نهر اليرموك في جنوب سوريا، وقد اعتبرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن تهجير المدنيين من جنوب لبنان قد يرقى إلى مستوى "جريمة حرب محتملة".

في جنوب سوريا، وثّقت التقارير الحقوقية نفسها أن قوات العدو التي تحتل أجزاء من المنطقة منذ ديسمبر 2024 ارتكبت انتهاكات تشمل التهجير القسري ومصادرة المنازل وهدمها ومنع السكان من العودة إليها.

أصابع"إيباك" 

لا يمكن فصل توقيت هذه الصفقة عن السياق الانتخابي الداخلي الأمريكي؛ فمنظمة "إيباك" (AIPAC)، أقوى جماعات الضغط المؤيدة للعدو الصهيوني في واشنطن، تخوض حملة إنفاق انتخابي غير مسبوقة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر 2026، إذ ضخّت أكثر من 54 مليون دولار عبر ذراعها الانتخابية "مشروع الديمقراطية المتحدة"، لتصبح أكبر جهة إنفاق خارجية في هذه الدورة الانتخابية على الإطلاق، بحسب بيانات منظمة "أوبن سيكريتس" لرصد التمويل الانتخابي.

وقد سبق لإدارة ترامب أن أعلنت معارضتها الرسمية - بالتوازي مع "إيباك" - لمحاولات في مجلس الشيوخ يقودها السيناتور بيرني ساندرز لوقف بيع عشرات آلاف القنابل الثقيلة لكيان العدو، وهي المحاولات التي فشلت بفارق كبير في التصويت. 

هذا التقاطع بين مصالح اللوبي المؤيد للعدو الصهيوني والحسابات الانتخابية للحزب الجمهوري يجعل من المعقول - وفق قراءة عدد من المحللين السياسيين - أن تكون الموافقة على هذه الصفقة الضخمة رسالة سياسية داخلية موجّهة لقاعدة انتخابية ومانحين معينين، أكثر من كونها ضرورة عسكرية مرتبطة بجبهة إيران، خصوصاً أن حجم الصفقة (40 ألف قنبلة دفعة واحدة) غير مسبوق في تاريخ المبيعات الأمريكية للكيان الصهيوني، ويأتي في وقت لا توجد فيه مواجهة عسكرية مباشرة ومستمرة مع طهران تبرر عسكرياً طلب كمية بهذا الحجم.

ويقطن قطاع غزة أكثر من مليوني نسمة، غالبيتهم الساحقة من اللاجئين وأحفادهم منذ نكبة 1948، ما يجعل أي عملية تهجير - جزئية أو كلية - تحولاً ديموغرافياً وسياسياً هائلاً يمسّ صميم القضية الفلسطينية ككل. 

وفي الضفة الغربية يعيش نحو 3 ملايين فلسطيني في مناطق مصنّفة (أ) و(ب) و(ج) وفق اتفاقيات أوسلو، وهي التصنيفات ذاتها التي استُخدمت لتبرير عمليات الهدم والإخلاء الأخيرة.

أما في جنوب لبنان، فقد أدت عمليات القصف والإخلاء العسكري إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، في وقت لا يزال فيه لبنان يستضيف مئات الآلاف من اللاجئين السوريين (تشير تقديرات إلى أكثر من 270 ألف لاجئ سوري مسجّل مطلع 2026، بعد أن كان العدد يفوق المليون قبل سنوات)، ما يجعل أي حديث عن "منطقة استقبال" جديدة في جنوب البلاد حساساً للغاية من الناحية الديموغرافية والطائفية على حد سواء.

في المحصلة، تكشف صفقة الـ40 ألف قنبلة عن تقاطع معقد بين ثلاثة عناصر، طبيعة السلاح التقنية التي تجعله أكثر ملاءمة لعمليات الهدم الأرضي في بيئات ضعيفة الدفاع الجوي منها لمواجهة دولة كإيران، والسجل الميداني الموثق لاستخدام هذا السلاح تحديداً في عمليات هدم واسعة بغزة، وسياق سياسي داخلي أمريكي مرتبط بنفوذ اللوبي المؤيد للكيان الصهيوني قبيل انتخابات مصيرية. 

هذه العناصر مجتمعة تمنح مصداقية بأن الصفقة تخدم أهدافاً تتجاوز "الحرب على إيران" المعلنة، وتتقاطع مع مسار تهجير ممتد من غزة إلى الضفة وجنوب لبنان، وربما جنوب سوريا مستقبلاً.

في المقابل، تبقى النفي الرسمي الأمريكي والصهيوني لوجود "خطة تهجير قسري" منسّقة قائمة، والجدل مستمر بين من يرى في التطورات الميدانية المتزامنة مؤشراً على مشروع واحد، ومن يعتبرها ملفات منفصلة يجمعها فقط التوقيت لا النية الموحدة. 

وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد أن 40 ألف قنبلة إضافية بوزن طن تقترب من الوصول إلى ترسانة يُفترض أنها تخوض "حرباً ضد إيران"، بينما ساحة استخدامها الفعلي التاريخية والمرجّحة تبقى أقرب إلى غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا منها إلى الأجواء الإيرانية المحصّنة.

أعلى