• - الموافق2026/10/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
من بلفور إلى أبراهام.. هندسة التصفية الاستعمارية في فلسطين

1. هل تغيّرت أدوات تصفية القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور، أم أن جوهر المشروع بقي واحدًا، من منح الشرعية للاستيطان إلى توظيف التطبيع لإعادة هندسة المنطقة، وتجاوز الفلسطينيين، وإضعاف قدرتهم على حماية حقوقهم التاريخية والسياسية حتى اليوم؟


يأتي نوفمبر من كل عام حاملاً معه وطأة ذكرى وعد بلفور المشؤوم، تلك القصاصة الاستعمارية السوداء التي صاغت بداية أبشع جريمة اقتلاع ديمغرافي وإنساني وتطهير عرقي شهدها التاريخ المعاصر بحق الأرض والشعب الفلسطيني. غير أن قراءة هذا الوعد اليوم، في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية الوحشية والمجازر الدموية التي يرتكبها جيش الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة والضفة الغربية، تقتضي منا مقاربة هذا الإعلان ليس كحدث تاريخي، بل كامتداد استعماري مستمر يتناسل ويتجدد في قوالب حديثة تجد تجلياتها الأشد قبحاً وخيانة في الاتفاقيات الإبراهيمية وتسونامي الاستيطان المتسارع. فما نشهده اليوم من طعنات متتالية لجسد الدولة الفلسطينية، ومحاولات دمج الكيان الغاصب في النسيج الإقليمي كأمر واقع دون قيد أو شرط، هو الامتداد العضوي والمنهجي لذات العقلية الإمبريالية التي منحت بموجبها بريطانيا "أرضاً لا تملكها لشرذمة من المغتصبين لا يستحقونها"، فيما تتواصل آليات الخديعة التي تسعى لتصفية الحق التاريخي والأصيل للشعب الفلسطيني.

هندسة الاختلاق الاستعماري

في الثاني من نوفمبر عام 1917، خط وزير الخارجية البريطاني الصهيوني، آرثر جيمس بلفور، تصريحه الباطل الذي أعلن فيه عطف حكومة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس على الأماني الصهيونية بإقامة وطن غاصب على أرض فلسطين. هذا الإعلان كان تعبيراً صارخاً عن تقاطع المصالح الاستعمارية الإمبريالية البريطانية مع مطامع الحركة الصهيونية لإنشاء كلب حراسة يخدم الإمبراطورية في قلب الشرق العربي. لقد صدر هذا الوعد اللعين وتعداد اليهود في فلسطين لا يتجاوز 5% من مجموع السكان، ومع ذلك تجاهل الاستعمار البريطاني الأغلبية الساحقة من أصحاب الأرض الأصليين، ونعتهم بعبارة عنصرية مبهمة هي "الطوائف غير اليهودية"، في تنكر وقح لكيانهم القومي والسياسي والحضاري المتجذر منذ آلاف السنين.

من منظور إستراتيجي إمبريالي، كانت لندن تسعى عبر هذا التواطؤ التاريخي إلى تأمين مطالبتها المنفردة بفلسطين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، لضمان الهيمنة المطلقة على قناة السويس ومصر، والتحكم في أهم الممرات الجيوسياسية المؤدية إلى مستعمراتها في الهند. ولهذا السبب، توازى التخطيط للوعد مع مفاوضات سايكس-بيكو الاستعمارية وسرقة أراضي الدولة العثمانية، حيث سعت بريطانيا لالتفاف على تدويل فلسطين المفروض فرنسياً عبر استخدام الحركة الصهيونية كغطاء أخلاقي وديني كاذب يبرر فرض الانتداب العسكري. وهكذا تلاقت الأساطير التوراتية المختلقة مع التمدد الإمبريالي لبريطانيا ورائدتها الرأسمالية الأمريكية، بتنسيق كامل وصياغة مشتركة مع الرئيس الأمريكي ولسون وإدارته قبل نشر الوعد علناً.

أما من الناحية القانونية، فإن وعد بلفور يمثل قمة البطلان المطلق في تاريخ العلاقات الدولية وصكوك التآمر؛ إذ لا تملك بريطانيا المحتلة أي ولاية أو حق قانوني أو سياسي للتصرف في شبر واحد من أراضي فلسطين التاريخية الخاضعة للسيادة العثمانية. وإدراج هذا الوعد الباطل في صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم عام 1922 كان محاولة قذرة لشرعنة اغتصاب الأرض دولياً ومنح الحركة الصهيونية تفوقاً قانونياً مصطنعاً على حساب أصحاب الأرض. وبذلك تأسس الكيان الصهيوني كأول كيان استيطاني لقيط في التاريخ المعاصر ينشأ بالكامل برعاية دولية فوق أرض مغتصبة، مستنداً إلى قصاصة بلفور التي تحولت بفعل قوة السلاح إلى مبدأ توجيهي طمس الحقوق السياسية والقومية لشعب متشبث بهويته وأرضه.

تواصل النهج الاستعماري

لم تكتفِ بريطانيا بصياغة الوعد المشؤوم، بل كرست إدارة انتدابها العسكري والمدني طوال ثلاثة عقود لترجمته إلى واقع ديمغرافي وعسكري مدمر للشعب الفلسطيني. وقد تجلى هذا التواطؤ الاستعماري الفاضح في تعيين الصهيوني البارز هربرت صموئيل كأول مندوب سامٍ مدني في فلسطين عام 1920، والذي سارع فور تسلمه سلطاته إلى هندسة وتغيير القوانين العقارية وتسهيل سرقة الأراضي ونقل ملكيتها لليهود بالقوة والترهيب، مستخدماً قوانين جائرة مثل قانون الأراضي لعام 1928 لمصادرة أرزاق الفلاحين الفلسطينيين. بالتوازي مع ذلك، شرع الاحتلال البريطاني أبواب الهجرة اليهودية الواسعة ووفر الحماية العسكرية الكاملة والدعم الاقتصادي والاستثماري الهائل للوافدين الغرباء لتمكينهم من مفاصل الاقتصاد.

عملية الرعاية والتمكين البريطاني للمشروع الصهيوني لم تقتصر على الهجرة والأرض، بل بلغت حد تسليح العصابات الصهيونية الإرهابية وغض الطرف عن تدريبها، بل ومشاركتها في قمع الفلسطينيين؛ حيث غطت لندن على شحنات الأسلحة المهربة لعصابة الهاغاناه الإرهابية عام 1935، وبلغ التآمر ذروته بإنشاء الفيلق اليهودي عام 1947 كقوة عسكرية مستقلة تحت مظلة الجيش البريطاني، لتكون النواة الضاربة والمدربة لجيش الاحتلال الذي نفذ النكبة. وعندما اطمأنت بريطانيا إلى قدرة الكيانات الصهيونية المسلحة على السيطرة، أعلنت بانتهازية إنهاء انتدابها عام 1948، مسلمةً القواعد والمخازن العسكرية للعصابات الصهيونية، ليعلن الكيان الصهيوني قيامه في 15 مايو 1948 على أنقاض دماء الشعب الفلسطيني المهجر والمشرد في مخيمات اللجوء.

في المقابل، لم يستسلم الشعب الفلسطيني للحظة واحدة أمام هذه الهجمة الصهيونية الشرسة؛ فخاض ملاحم بطولية وانتفاضات شعبية متعاقبة دفاعاً عن وجوده التاريخي وقضيته العادلة. من انتفاضة البراق المجيدة عام 1929 إلى الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، واجه الفلسطينيون آلة الحرب البريطانية وعصابات المستوطنين بصدور عارية وإيمان مطلق بحقهم التاريخي. غير أن قوات الانتداب البريطاني سحقت بعنف دموي ووحشية مفرطة كل حراك وطني يطالب بالاستقلال، معتبرة أي تمثيل سياسي للأغلبية العربية بمثابة خطر يهدد التزامها الخبيث بإنشاء الكيان الغاصب.

سراب السلام الإبراهيمي

مع حلول منتصف سبتمبر عام 2020، سقط النظام الرسمي العربي في هاوية سحيقة من الهوان والخيانة السياسية بتوقيع ما عُرف بالاتفاقيات الإبراهيمية بين الكيان الصهيوني الغاصب وأنظمة دول عربية، برعاية الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب، هذه الاتفاقيات جرى تغليفها وتسويقها بخبث تحت غطاء مصطلحات التعايش الديني لشرعنة الاستسلام وتمرير التطبيع المجاني. لقد أريد من وراء هذه الاتفاقيات تفكيك الموقف العربي الموحد وإعادة هندسة المنطقة وتتويج إسرائيل كقوة مهيمنة وحيدة. خاصةً وأن التمعن الصارم في بنود هذا الإعلان الإبراهيمي يُظهر فضحًا تامًا لطبيعته الخبيثة؛ إذ خلت نصوصه من أي إشارة جادة أو التزام أدنى بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية أو حق تقرير مصيره وقيام دولته.

بدلاً من ذلك، تم تسليع القضية وتحويل السلام إلى صفقات تجارية واستثمارات مالية وشراكات أمنية مشبوهة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والأمن السيبراني، بما يدر المليارات على خزائن الاحتلال الصهيوني ويدعم اقتصاده العسكري. ويتجلى قبح هذه الصفقات الاستعمارية في نظام المقايضة الفج والانتهازية السياسية التي رافقت التوقيع؛ إذ تحدثت تقارير عن أن الإمارات قايضت التطبيع بصفقة طائرات "إف-35" الشبحية لتعزيز نفوذها العسكري، والاتفاق جرى تحت حجة مخادعة وكاذبة تزعم تعليق مخطط ضم أراضي الضفة الغربية، بينما قايض النظام المغربي دماء الفلسطينيين باعتراف أمريكي بسيادته على الصحراء الغربية، ورضخ السودان للمسار ذاته لرفع اسمه من قائمة الإرهاب الأمريكية.

امتداد الوعد المشؤوم

من هذا المنطلق، تتبدى العلاقة والترابط الوثيق بين وعد بلفور الاستعماري القديم والاتفاقيات الإبراهيمية الحديثة كحلقات متصلة في سلسلة المؤامرة التاريخية المستمرة لتصفية فلسطين. فكلا المشروعين يتطابقان في جوهرهما الاستعماري القائم على فلسفة "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، مع إقصاء تام وتجاوز كامل لصاحب الحق والضحية الحقيقية على الأرض. وكما صُنع وعد بلفور في غرف مظلمة عبر مفاوضات سرية ثنائية بين السير مارك سايكس والقيادة الصهيونية دون علم أو تمثيل للفلسطينيين، فإن صفقات التطبيع الإبراهيمي وهندسة صفقة القرن جرت بذات الأسلوب في غياب تام للشعب الفلسطيني وإدانة قاطعة من كافة قواه الوطنية المناضلة.

في وعد بلفور، تم تجريد الفلسطينيين من وجودهم القومي وحقوقهم السياسية والوطنية وحصرهم في دور طوائف غير يهودية لها حقوق مدنية ودينية مفرغة. وفي المقابل، جاءت الاتفاقيات الإبراهيمية لتمنح المحتل الصهيوني صكاً مفتوحاً للسيادة الكاملة على الأرض والقدس الشريف، وتتحرك لشرعنة نقل السفارات للمدينة المقدسة والاعتراف بها كعاصمة موحدة للاحتلال، مع حصر المسجد الأقصى في خانة المزار السياحي والديني الهامشي للمسلمين لتجريده من رمزيته السياسية والسيادية. اللافت هذه المرة أن الكيان الصهيوني قد استغلت حالة التفكك والانهيار الإقليمي والتطبيع الرسمي العربي المجاني لتحييد أي ضغط سياسي أو اقتصادي عربي مشترك، مستفردة بالفلسطينيين لتنفيذ أبشع عمليات التطهير العرقي وهدم البيوت ومصادرة الأراضي. ولا شك أن مشهد حرب الإبادة الجماعية والمجازر الدموية المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحصار وتجويع قطاع غزة والضفة يمثل البرهان الدامي المباشر على أن الجريمة الأصلية التي بدأت ببلفور لا تزال تنهش الجسد الفلسطيني بذات الأدوات وبصورة أكثر وحشية وسادية.

إن الأثر البنيوي الكارثي للاتفاقيات الإبراهيمية على الأرض الفلسطينية يتلخص في ثلاث نقاط إستراتيجية تعبر عن طعنتها المباشرة للحقوق الفلسطينية:

* أولاً: الغطاء السياسي التام وعزل الموقف العربي الجماعي، مما أدى عملياً إلى دفن وتصفية المبادرة العربية لسلام عام 2002، ومنح الاحتلال فرصة ذهبية للاستفراد بالضفة والقدس وتوسيع البؤر الراديكالية الاستيطانية دون أي رادع أو خوف من عقاب دولي أو عربي.

* ثانياً: تسليع السلام الاقتصادي عبر دمج اقتصاد المحتل بالأسواق العربية وضخ استثمارات هائلة مباشرة وغير مباشرة، مما يدعم ميزانية الكيان العسكرية ويوفر تمويلاً ضخماً للبنى التحتية للمستوطنات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المصادرة.

* ثالثاً: تغيير الواقع الديمغرافي بصورة متوحشة وسريعة عبر تسريع وتيرة هدم القرى والبيوت الفلسطينية والتهجير القسري، استكمالاً للنهج البريطاني القديم الذي بدأ بقانون الأراضي لعام 1928 لتسليم بلاد الفلسطينيين للغرباء المهاجرين.

حتمية مواصلة المقاومة

في ظل اختلال موازين القوى الراهن والهيمنة الصهيونية-الأمريكية المطلقة على مفاصل الجغرافيا والسياسة الإقليمية، قد تبدو الدعوة الصارمة لفرض المحاسبة القانونية ومقاضاة بريطانيا على جريمتها التأسيسية ضرباً من الخيال البعيد عن وطأة الواقع، لكن على الرغم من ذلك فإن المطالبة بمحاسبة لندن عن وعد بلفور ونتائجه الكارثية من تطهير وتهجير قسري هي فعل مقاومة لرفض إعفاء المستعمر الأصلي من مسؤوليته الجنائية، والتأكيد على أن الاعترافات الرمزية البريطانية المتأخرة بالدولة الفلسطينية ليست سوى مسكنات واهية لا تسقط الحقوق ولا تمحو دماء النكبة المستمرة وجروحها المفتوحة.

إن التاريخ النقدي لظاهرة الاستعمار يعلمنا أن موازين القوى المادية ليست حتميات أبدية عصية على التغيير، بل هي بنى طارئة ومحكومة بالزوال؛ ولعل تجربة الحروب الصليبية التي جثمت فوق أرض بلاد الشام لقرابة قرنين من الزمان (197 عاماً) ثم تلاشت كالأثر، خير برهان على أن قوة الحق أقوى من منطق القوة العابر. ومع تسارع المؤامرة المعاصرة عبر الاتفاقيات الإبراهيمية التي تستهدف إعادة صياغة أولويات المنطقة الجيوسياسية لتجاوز الحق الفلسطيني وتصفية معالمه، يظل صمود الشعب الفلسطيني الأسطوري وإرادة المقاومة المسلحة هما الصخرة التي تتحطم عليها أوهام المحتل. ومن هنا، تتأكد ضرورة التمسك بخيار المقاومة بكافة أشكالها وصورها كحتمية وجودية وتاريخية لا بديل عنها؛ فالحق الذي لا تسنده القوة يبدد، والمقاومة المستمرة هي البوصلة الوحيدة الضامنة لإسقاط مشاريع التصفية واستعادة كامل الأراضي الفلسطينية المغتصبة

أعلى