لماذا تصعّد جماعة الحوثي هجماتها على تعز، وما الذي يجعل المدينة عصية على السقوط رغم الحصار والقصف وتفاوت الإمكانات؟ وهل يستطيع صمود أبنائها إفشال مخطط إخضاعها وتغيير مسار المعركة خلال المرحلة المقبلة؟
منذ الأول من أكتوبر يوم الخميس
الماضي، تواجه مدينة تعز اليمنية هجومًا شرسًا ومتواصلا من جانب قوات الحوثي،
يستخدمون فيه الطائرات المسيرة والقصف المدفعي بغرض إسقاط المدينة وإخضاعها لحكم
تلك الميليشيا، حيث يأتي الهجوم عليها من خلال ثلاثة محاور: الشرقي والغربي
والجنوبي.
وفق بعض المراقبين، فقد بلغت الهجمات
التي شنها الحوثي أكثر من خمسين هجوما في محاولة مستميتة في أيام قليلة، مما يعكس
الرغبة الشديدة لدى الحوثي لاحتلال المدينة.
وحتى الآن، لا يوجد مؤشر واضح حول
استسلام المدينة أو قرب اندحار مقاومتها.
وهنا تبرز عدة أسئلة:
ما هو السبب الذي يدفع الحوثي لتكثيف
هجومه المركز على تلك المدينة؟
ما هي طبيعة الهجمات الحوثية وكيف
واجهته المقاومة؟ وإلى أين تتجه هذه المعركة؟
تعز الموقع والأهمية
لكي ندرك دوافع الحوثي لهذا الهجوم
الشرس على تعز لابد من دراسة الجغرافيا الاستراتيجية لتلك المدينة.
تكتسب مدينة تعز أهمية بالغة
واستثنائية نظرًا لعدة عوامل جغرافية، وسكانية، وعسكرية:
* موقع استراتيجي في منتصف الصراع:
تربط تعز جغرافياً بين مناطق الشمال الخاضعة للحوثيين وبين الجنوب الذي تسيطر عليه
القوات الحكومية.
* القرب من الممرات المائية الحيوية:
تمتد المحافظة غرباً نحو ساحل البحر الأحمر لتضم مناطق مثل المخا وذباب القريبة من
باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم بين آسيا وأوروبا.
* ثقل سكاني وإنساني: تُعد مدينة تعز
واحدة من أكبر المراكز السكانية في اليمن، وتستضيف أعداداً كبيرة من النازحين.
* رمزية سياسية وعسكرية: تحولت
المدينة منذ سنوات الحرب إلى رمز للمعسكر المناهض للحوثيين، وتعتبر السيطرة عليها
أو الضغط عليها بمثابة ضغط على ميزان القوى في اليمن كله وعلى خطوط الإمداد والطرق
الرئيسية.
فمحافظة تعز هي الوحيدة في اليمن التي
تجمع أربعة أنواع جغرافيا في محافظة واحدة: فهناك الجبال الشاهقة، فجبال تعز تزيد
من أهميتها الاستراتيجية من خلال إشرافها وتحكمها في الممرات المؤدية إلى لحج
والضالع والساحل الغربي وميناء المخا؛ لذلك تمثل هذه الجبال مواقع حاسمة للمراقبة
والدفاع والقصف، وتجعل السيطرة على تعز أكثر صعوبة وكلفة.
ولكن محافظة تعز لا تحتوي على جبال
شاهقة فقط، بل هناك ساحل مفتوح، في المخا وذوباب وباب المندب، وهناك صحراء ووديان
في مقبنة والوازعية، وأيضًا تحتوي على غابة كثيفة في الأغبرة وامتداد كهبوب الى باب
المندب. هذا التنوع الجغرافي لا يوجد في أي محافظة يمنية.
الهجوم الحوثي
أولا، من حيث جبهات الهجوم أو محاوره
بدأ الهجوم بشن عمليات متزامنة ومكثفة
عبر ثلاثة محاور رئيسية بهدف تشتيت دفاعات المدينة ومنع دعم الجبهات لبعضها البعض:
* المحور الغربي (محور الشريان
الحيوي): الهدف الرئيس هنا هو قطع المنفذ الوحيد للإغاثة والإمداد عن المدينة
وتطويقها بالكامل.
* المحور الشرقي (محور المركز
والتحصينات): يُستخدم للضغط على وسط المدينة وإشغال القوات المدافعة عن دعم الجبهات
الأخرى.
* المحور الجنوبي والجنوبي الغربي:
يهدف للالتفاف على أحياء تعز من الخلف ومحاصرة القواعد المتقدمة.
ثانيا، حجم القوات وتقسيمها
تُقدَّر عناصر رأس الحربة والموجات
الهجومية الأولى القوات الحوثية المشاركة في الاقتحام المباشر بـ 3,000 إلى 5,000
مقاتل، تدعمهم حشود وإسناد مدفعي ولوجستي يتجاوز ذلك بكثير من المواقع الخلفية.
وتعتمد تكتيكات الهجوم بشكل رئيسي على
تكتيك الموجات القتالية المتتابعة:
|
|
تُصنف
المنظمات الدولية تعز كأكبر منطقة حضرية تخضع لحالة خنق وتطويق بري مستمر،
مما يفرض كلفة إنسانية باهظة دون وجود تحرك عسكري دولي أو حكومي حاسم لفك
الحصار الشامل. |
فهناك قوات الصف الأول: وتضم مجندين
جُدداً وعناصر أقل خبرة، ويتم الدفع بهم في الموجات الأولى بهدف الاستطلاع، وكشف
مواقع القناصة ودشم المقاومة، واستهلاك ذخيرة المدافعين، وتشكيل غطاء بشري يضغط على
خطوط الدفاع.
ثم تجيء قوات النخبة (ويُطلق عليها
كتائب التدخل السريع أو المغاوير)، وتضم عناصر مدربة تدريباً عالياً على حرب
العصابات والتسلل الجبلي ومهارات الاقتحام المباشر، وتتلخص مهمتها في التحرك في
الموجة الثانية أو الثالثة بعد إنهاك المدافعين، لاستغلال الثغرات التي أحدثها
التمهيد الناري، وتنفيذ عمليات الالتفاف والسيطرة على التباب الحاكمة.
ثالثا، المعدات والأسلحة المستخدمة
اعتمد الهجوم الحوثي على المزيج بين
الأسلحة الثقيلة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة: فقد تم الدفع بالطائرات المسيرة
لغرضين: استطلاع وتحديد أهداف بدقة عالية، وكطائرات انتحارية (مذخّرة) لاستهداف غرف
العمليات الميدانية، ومواقع القناصة، والتجمعات خلف خطوط التماس.
رابعا، الخطة العسكرية والتكتيكات
الميدانية
تتلخص الخطة العسكرية الحوثية في هذا
الهجوم المكثف عبر عدة تكتيكات:
* الصدمة والترويع الناري: البدء
بتمهيد ناري مكثف وسريع باستخدام المدفعية والمسيّرات لإرباك خطوط الدفاع الأولى.
* التسلل الليلي: استغلال الطبيعة
الجغرافية الوعرة والوديان للتسلل خلف مواقع المقاومة وتطويق التباب الحاكمة قبل
العلن عن الهجوم الرئيسي.
* تكتيك الخنق والقطع: التركيز
العسكري الأكبر لا يستهدف دخول أحياء تعز المكتظة فوراً (لأن تكلفة حرب المدن
مرتفعة)، بل التركيز على إسقاط التلال التي تطل على طريق الضباب لقطع شريان الإمداد
كلياً لإجبار المدينة على الاستسلام تحت وطأة الحصار الشامل.
القوات المدافعة عن تعز
يمكن تصنيف القوات المدافعة عن تعز إلى
ثلاثة أنواع: المقاومة الشعبية، وقوات الجيش اليمني الأساسية، والفرق التي أنشأتها
الحكومة الشرعية مؤخرا.
أولا، المقاومة الشعبية
تشير مراكز الأبحاث الغربية إلى
المقاومة الشعبية في تعز بوصفها شبكات الدفاع المحلي والتجنيد الأهلي، حيث شكلت مع
بدايات الاجتياح عام 2015 كتأسيس تلقائي مدني ومجتمعي لحماية المدينة.
لم يقتصر دور المقاومة الشعبية في تعز
على الدعم الإسنادي، بل كانت وما زالت تشكل رأس الحربة والخط الدفاعي الأول الذي
يتصدى للموجات الهجومية الحوثية في أشرس خطوط التماس، حيث يباشر أبناء تعز
ومقاومتها القتال المباشر في الصفوف الأولى على المرتفعات والتباب الحاكمة، متسلحين
بمعرفتهم الجغرافية لصد الاقتحامات، بينما تتولى ألوية محور تعز العسكري التابعة
للجيش اليمني التغطية النارية والتنظيم التكتيكي لخطوط المعركة.
وتضم تلك المقاومة في صفوفها أبناء
الأحياء من شباب الجامعات والقبائل المحيطة والمجتمع المحلي، إلى جانب مجندين وضباط
انحازوا لمدينتهم.
ويبرز اسم الشيخ حمود سعيد المخلافي
كشخصية قيادية مؤسسة للمجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، حيث تُصنفه التقارير الدولية
كعنصر حشد وتأثير اجتماعي وقبلي واسع النطاق يُمول ويُنظم خطوط الإسناد الأولى
للقتال.
ثانيا، الهيكل العسكري الرسمي
تُدار
القوة الدفاعية التنظيمية من قبل الحكومة الشرعية في اليمن بواسطة المنطقة العسكرية
الرابعة، بقيادة اللواء الركن خالد فاضل. وتوزع المهام العسكرية بناءً على خطوط
التماس كالتالي:
اللواء
22 ميكانيكي، يتولى حماية القطاع الشرقي وأحياء وسط المدينة، واللواء 17 مشاة، ينشط
في تأمين المحور الغربي والشمالي الغربي، واللواء 35 مدرع، يغطي القطاع الجنوبي
والشرقي وفي مناطق الريف المفتوح، واللواء 145 مشاة وحدات الدفاع الجوي، تعمل كقوات
إسناد سريع وتغطية نارية لتثبيت نقاط التماس المتقدمة.
ثالثا، القوات المساعدة والحديثة
على خلاف ما يُروَّج له إعلامياً،
أثبتت واقعية الميدان غياب الدعم الفعلي من التشكيلات العسكرية الحديثة؛ فقوات
العمالقة ذات الخلفية السلفية المدخلية تنحصر في مناطق الشريط الساحلي وتحكمها
حسابات عقائدية وسياسية تمنعها من الانخراط في معارك تعز الداخلية. أما المقاومة
الوطنية بقيادة طارق صالح، فقد انحسر دورها كلياً وتضاعفت الشكوك حول فاعليتها عقب
الانسحابات والتراجعات التي شهدتها مناطق الساحل والمخا،
مما ترك الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بتعز في مواجهة منفردة ومستمرة ضد الآلة
العسكرية الحوثية.
وفي إطار إعادة ترتيب أوراق الميدان،
برز دور تشكيلات عسكرية وأمنية مستجدة؛ حيث تشكل قوات درع الوطن حائط صد استراتيجي
في المحاور الجنوبية والشرائط الجبلية المتاخمة لتعز (في لحج والصبيحة) لضمان تأمين
منافذ الإمداد ومنع أي تطويق خلفي للمدينة. وعلى خطوط التماس المباشرة، تلعب قوات
الطوارئ والتدخل السريع دور القوة الضاربة لمواجهة تسللات الحوثي؛ إذ تُسند إليها
مهام الاستجابة السريعة لاستعادة التباب الحاكمة، وحرب العصابات داخل الأحياء
المفتوحة، وتطهير البؤر النارية لتثبيت نقاط الصمود الأولية، ولكن تلك القوتين لا
يكاد يشعر يهما المدافعون عن تعز.
الشعور بالخذلان
يمكن تحليل حالة الاحتقان وشعور
الخذلان لدى الشارع المدافع عن تعز عبر أربعة أسباب هيكلية:
١- فجوة التسليح النوعي
تشير التقارير إلى أن المقاومة والجيش
يقاتلان بأسلحة تقليدية خفيفة ومتوسطة، في مواجهة هجمات حوثية مكثفة تستخدم
الطائرات المسيرة الانتحارية والمدفعية الثقيلة وسلاح القنص الحراري.
٢- الحصار الإنساني والاقتصادي المستمر
تُصنف
المنظمات الدولية تعز كأكبر منطقة حضرية تخضع لحالة خنق وتطويق بري مستمر، مما يفرض
كلفة إنسانية باهظة دون وجود تحرك عسكري دولي أو حكومي حاسم لفك الحصار الشامل.
٣- تذبذب الدعم اللوجستي
يعاني المرابطون في الجبهات من عدم في
وصول إمدادات الطعام والمواد الطبية والميزانيات التشغيلية اللازمة لإدارة المعارك
طويلة المدى بشكل منتظم.
٤- التجاذبات السياسية والحسابات
الحزبية
يرى البعض أن الانقسامات الداخلية داخل
المعسكر المناهض للحوثيين، بالإضافة إلى تحفظات إقليمية حول القيادات الشعبية في
تعز، أدت إلى تهميش جبهة تعز وحرمانها من عملية تحرير شاملة ومكتملة الأركان.
مستقبل تعز
تبدو معركة تعز متجهة إلى جولة طويلة
من الاستنزاف، لا إلى حسم سريع. فالحوثيون يملكون القدرة على فتح جبهات متعددة
واستخدام القصف والطائرات المسيّرة للضغط على المدينة وطرقها، لكن السيطرة على مركز
حضري محاط بالمرتفعات ومسنود بمقاومة محلية تظل عملية عالية الكلفة. لذلك يرجح أن
يتوقف المسار المقبل على قدرة القوات المدافعة على الحفاظ على طرق الإمداد، وعلى
مدى حصولها على دعم عسكري وسياسي منتظم. وحتى الآن، يظل صمود تعز قائمًا، لكن
استمراره يرتبط بتحويل هذا الصمود من موقف دفاعي طويل إلى استراتيجية قادرة على منع
الحصار واستعادة المبادرة.
أهل تعز صمدوا سنينا تحت الحصار
والنار، والحوثي حاول أن يكسر المدينة فما انكسرت.
تعز دفعت الثمن غاليا، وأهلها ما زالوا
يرفضون يسلّمون مدينتهم رغم الخذلان والتآمر.