حين يكلّف رئيسٌ أمريكي رجلَ عقارات بإدارة منظومة الاستخبارات الوطنية، فإن الخبر يتجاوز حدود التعيين الإداري العابر ليطرح أسئلة أعمق، كيف تدار السلطة في الولايات المتحدة، وما هي معايير الانتماء إليها غير الولاء المطلق والعمل في المجال العقاري؟
أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعيين ويليام بولتي قائماً بأعمال مدير
الاستخبارات الوطنية الأمريكية تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية
الأمريكية، بالنظر إلى الخلفية المهنية للرجل التي تبدو بعيدة عن الحقول الأمنية
والاستخباراتية التقليدية.
وينتمي بولتي، المولود عام 1988، إلى عائلة أمريكية بارزة في قطاع العقارات
والإنشاءات؛ إذ تعود جذور ثروته إلى شركة
«بولتي
غروب»
التي أسسها جده سنة 1950، والتي تُعد من أكبر شركات بناء المنازل في الولايات
المتحدة. وقد عمل داخل الشركة العائلية قبل مغادرته لها عام 2020 على خلفية خلافات
داخلية، ليؤسس لاحقاً شركة
«بولتي
كابيتال بارتنرز»
المتخصصة في الاستثمارات الخاصة المرتبطة بالبناء والخدمات العقارية.
غير أن صعود بولتي السياسي لا يرتبط بخبرة حكومية طويلة أو سجل أمني معروف، بقدر
ما يعكس نمطاً متزايد الحضور في الحياة السياسية الأمريكية، يقوم على تلاقي النفوذ
المالي وخاصة في مجال العقارات مع شبكات الولاء السياسي. فقد بدأ حضوره في
دائرة ترامب منذ عام 2019، ثم تعزز عبر التبرعات المالية للحملات الانتخابية
الجمهورية، وفي مقدمتها حملة ترامب الرئاسية، الأمر الذي ساهم في توسيع نفوذه داخل
الحزب الجمهوري. ففي يوليو/تموز 2019، أشاد الرئيس دونالد ترامب بويليام بولتي
بعدما وعد بمنح سيارتين لمحاربين قدامى اثنين، بشرط أن يعيد ترامب نشر تغريدته
(ريتويت).
وقال بولتي لصحيفة ذا ديترويت نيوز عام 2019 إنه التقى ترامب عدة مرات، وإن ترامب
كان على دراية بـ هيئة مكافحة التدهور العمراني (Blight
Authority).
وفي عام 2024، قدّم بولتي تبرعات كبيرة لصالح القضايا الجمهورية، بما في ذلك تبرعات
إلى اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري وإلى الحملة الرئاسية لدونالد ترامب.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، منحه ترامب إدارة وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية،
وهي مؤسسة محورية تشرف على سوق الرهن العقاري الأمريكي، بما يشمل الرقابة على شركتي
"فاني ماي" و"فريدي ماك" اللتين تضطلعان بدور أساسي في شراء قروض الرهن العقاري من
البنوك وإعادة تدوير التمويل السكني داخل الاقتصاد الأمريكي. وتكتسب هذه المؤسسة
أهمية استثنائية نظراً لإشرافها على منظومة مالية تقدر قيمتها بنحو ثمانية
تريليونات دولار.
ومنذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، شرع بولتي في إعادة هيكلة المؤسستين؛ فأجرى
تغييرات واسعة في مجالس الإدارة، وأقال عدداً من المسؤولين التنفيذيين، قبل أن
يتولى بنفسه رئاسة مجلسي إدارة الشركتين. وقد أثارت هذه الخطوات نقاشاً حول حدود
الجمع بين الدور الرقابي والدور التنفيذي داخل مؤسسات ذات تأثير بالغ على سوق
التمويل العقاري الأمريكي.
كما واجهت إدارته انتقادات بسبب توظيف الوكالة في ملفات ذات أبعاد سياسية، عبر
إحالة شخصيات ديمقراطية بارزة إلى وزارة العدل في قضايا مرتبطة بادعاءات تتعلق
بالممارسات العقارية والمالية. وشملت هذه الإحالات أسماء معروفة، من بينها بصفته
مديراً للوكالة، اتهم بولتي عدداً من خصوم ترامب بارتكاب مخالفات أو احتيال عقاري،
من بينهم: ليتيشيا جيمس، المدعية العامة لولاية نيويورك. آدم شيف، السيناتور
الديمقراطي من كاليفورنيا. ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي. إريك
سوالويل، عضو الكونغرس الديمقراطي.
هذه التحركات دفعت منتقديه لاتهامه بـ تسييس الوكالة واستغلال صلاحياتها لملاحقة
خصوم الإدارة. إلى جانب شخصيات أخرى محسوبة على خصوم ترامب السياسيين، الأمر الذي
دفع بعض المراقبين إلى اعتبار الوكالة جزءاً من أدوات الاشتباك السياسي داخل
الاستقطاب الأمريكي المتصاعد.
وفي هذا السياق، يكتسب انتقال بولتي إلى موقع مدير الاستخبارات الوطنية دلالة أوسع
من مجرد تغيير إداري؛ إذ يسلط الضوء على التحولات التي تشهدها بنية التعيينات
العليا داخل إدارة ترامب.
ولا يقتصر الجدل هنا على السيرة المهنية للرجل، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة
العلاقة بين عالم الأعمال والسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، ومدى اتساع ظاهرة
تدوير رجال المال خاصة العقاريين داخل مواقع صنع القرار السيادي، بما في ذلك
المؤسسات ذات الطابع الأمني والاستخباراتي. وهو اتجاه يعكس، في نظر عدد من
الباحثين، تحوّلاً في فهم السلطة داخل بعض دوائر الحكم الأمريكية، حيث يغدو الولاء
السياسي، والقدرة على إدارة النفوذ، عناصر لا تقل أهمية عن الخبرة المؤسسية
التقليدية.
لكن بصفته القائم بأعمال مدير وكالة الاستخبارات الوطنية الآن، سيتمكن بولتي من
الوصول إلى بعض أسرار الحكومة الأكثر سرية، فضلًا عن بعض أكثر تقنيات المراقبة
توغلًا في العالم، وهو دورٌ بارز وصعودٌ لافت لشخصية لم تكن معروفة قبل فترة طويلة
إلا في أوساط العقارات ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا أحد يدري ما هي مستوى الخدمات
التي من الممكن أن يقدمها بولتي لترامب على غرار خدماته في مصبه الأول.