في خضم الصراعات السياسية المحتدمة بين واشنطن وطهران، تظهر أمامنا تساؤلات حاسمة حول حقيقة الموقف الأمريكي من النظام الإيراني: هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى إسقاط النظام، أم أن الأمر لا يتعدى التصريحات الدبلوماسية والتغريدات المحفِّزة؟
"رؤسائي، الرئيس ترامب والوزير روبيو، ليسوا بصدد تغيير النظام في إيران"
هذا ما صرح به توم باراك المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، وسفير واشنطن لدى
تركيا، في الخامس من ديسمبر الماضي، في مقابلة موسعة أجراها باراك مع مجموعة "IMI
Media"
الإعلامية (التي تتخذ من الإمارات مقرا لها)، ونُشرت في صحيفة ذا ناشيونال
الأمريكية.
وأشار باراك إلى أن الولايات المتحدة حاولت في السابق مرتين تغيير النظام في إيران
ولم تنجح، معتبرا أن هذه المحاولات لم تحقق نتائج استراتيجية.
وأوضح أن الإدارة تفضل حلولا إقليمية تُترك لدول المنطقة، وأن واشنطن منفتحة على
اتفاق جديد مع طهران إذا أبدت جدية في وقف تخصيب اليورانيوم ودعم الميليشيات.
ووصف باراك المواجهة الحالية بين إيران والكيان الصهيوني بأنها "الفصل الخامس من
رواية لم يكتمل نصفها بعد"، في إشارة إلى أن الضغوط مستمرة لكنها تهدف للتفاوض لا
للإطاحة.
وبتلك التصريحات، والتي تعبر بصراحة ووضوح عن موقف مسئول أمريكي كبير ومقرب من
ترامب من محاولات إسقاط النظام الإيراني، هل نعتبر أنها هي موقف أمريكي رسمي رافض
لتغيير النظام الايراني؟
وقد يجادل البعض ويقول إنه قد مضى على صدور هذه الأقوال أكثر من شهر ونصف، وربما
يكون الموقف الأمريكي قد تغير وتبدل في خلال تلك الفترة، خاصة أن الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب، يعرف عنه تقلباته الحادة السريعة في مواقفه وقراراته.
حتى أنه في 13 يناير الحالي، ومع تصاعد المظاهرات في الشارع الإيراني، غرد ترامب
قائلا: "أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في الاحتجاج.. استولوا على مؤسساتكم!!!
المساعدة في الطريق".
فهذا التحريض المباشر "الاستيلاء على المؤسسات" يُعد في العرف السياسي دعوة غير
مباشرة لإسقاط النظام.
إذن لدينا خطابان:
الخطاب
الرسمي الدبلوماسي، ينفي تغيير النظام كسياسة معلنة، ويبرر لذلك.
|
|
والفوائد التي تجنيها أمريكا من هذا التناقض يتمثل في
شلل اتخاذ القرار لدى النظام في طهران والذي سيجد صعوبة في بناء
استراتيجية دفاعية موحدة. هل يتفاوض مع باراك الهادئ، أم يستعد لحرب يلوح
بها ترامب؟ |
وخطاب
الرئيس في صفحات التواصل الاجتماعي، يدعم ضمنيا تغيير النظام ويحرض المتظاهرين على
السيطرة على الدولة.
فكيف يمكن تفسير ذلك التناقض؟
لتحليل هذا التناقض بين تصريحات توم باراك، وهو المعروف بقربه من ترامب، وبين لغة
الرئيس ترامب المباشرة، يمكننا استخدام عدة أطر علمية وسياسية تفسر كيف تدار
السياسة الخارجية والقوة الناعمة.
المقاربة الأولى، باستخدام ما يعرف في العلوم السياسية بالغموض الاستراتيجي.
ويتم تعريفه في تلك العلوم، بتعمد دولة ما أو قائد ما إبقاء نواياه الحقيقية غير
واضحة للخصوم أو الحلفاء. الهدف هو تجنب الالتزام بموقف واحد محدد قد يقيد الحركة
مستقبلا، مع الاحتفاظ بقوة الردع من خلال ترك الخصم يتوقع الأسوأ دائماً.
ويُستخدم الغموض كأداة لإبقاء الخصم في حالة عدم يقين، وهي لا تعني الفوضى أو
التخبط، بل هي تخطيط دقيق لإنتاج عدم اليقين.
وإذا طبقنا تلك الاستراتيجية لفهم التناقض الأمريكي، نجد أنه في تلك الحالة، يمكن
تقسيم الغموض إلى مستويين يعملان معا كفكي كماشة:
·
المستوى
الدبلوماسي الوقائي، ويمثله توم باراك، الذي يرى وظيفة هذا الخطاب هي
الحفاظ على الاستقرار القانوني والدولي، من خلال نفي تغيير النظام، لتحمي أمريكا
نفسها من انتقادات الأمم المتحدة أو القوى الكبرى، مثل روسيا والصين، وتمنع تحول
الصراع إلى مواجهة عسكرية شاملة قد لا ترغب فيها المؤسسة العسكرية الأمريكية، وفي
نفس الوقت فإن هناك العديد من المصالح التي ستتحقق لأمريكا ببقاء النظام الإيراني.
·
المستوى
الثاني هو التحريض الردعي والذي تمثله تغريدة ترامب: ووظيفة هذا الخطاب
هي زعزعة استقرار الخصم من الداخل. عندما يقول المساعدة في الطريق، فهو يمارس
الغموض العملياتي؛ إذ لا يعرف النظام الإيراني هل المساعدة هي سلاح، أموال، هجوم
سيبراني، أم مجرد دعم معنوي؟
هذا الغموض يجبر النظام على استنزاف موارده في التحسب لكل الاحتمالات.
والفوائد التي تجنيها أمريكا من هذا التناقض يتمثل في
شلل اتخاذ القرار لدى النظام في طهران والذي سيجد صعوبة في بناء استراتيجية دفاعية
موحدة. هل يتفاوض مع باراك الهادئ، أم يستعد لحرب يلوح بها ترامب؟
كما تفيد استراتيجية الغموض في
تجنب
المسؤولية المباشرة، فإذا فشلت الاحتجاجات الإيرانية، يمكن للإدارة الأمريكية
العودة لقول باراك نحن لم نعد بشيء؛ وإذا نجحت، يمكنها القول إن ترامب كان المحفز
الأول.
كما تعمل استراتيجية الغموض على إرضاء جميع فئات الجماهير، فترامب يرضي قاعدته
الانتخابية التي تحب لغة القوة، بينما يقوم باراك بتطمين حلفاء أمريكا مثل الدول
الأوروبية الذين يخشون من تبعات انهيار مفاجئ للأمن الإقليمي.
الاقتراب الثاني لفهم التناقض الأمريكي، هي نظرية الرجل المجنون.
وتُعد تلك النظرية واحدة من أكثر الاستراتيجيات إثارة للجدل في العلاقات الدولية،
وهي لا تعني الجنون السريري بأي حال، بل هي كما يقول علماء السياسة عقلانية تتخفى
في زي غير العقلانية.
صاغ هذه الاستراتيجية لأول مرة ماكيافيلي، لكنها نُسبت لاحقاً للرئيس الأمريكي
ريتشارد نيكسون.
تقوم الفكرة على إقناع الخصم بأن الزعيم متقلب المزاج، متهور، ومستعد لاستخدام
القوة القصوى حتى النووية دون تردد.
|
|
الملاحظ لنمط العلاقات الإيرانية الأمريكية منذ قيام الثورة الإيرانية، أن
أمريكا لم تدخل قط في حرب عسكرية مع إيران، بل في بعض الفترات كان هناك
تنسيق مثل ما حدث من احتلال العراق وأفغانستان في عامي ٢٠٠١، و ٢٠٠٣ |
والهدف
الأساسي، هو إجبار الخصم على التراجع أو تقديم تنازلات خوفاً من رد فعل مجنون لا
يمكن التنبؤ به.
وتعتمد نظرية المجنون على نظرية الألعاب في التحليل السياسي المشهورة، فإذا اعتقد
خصمك أنك عقلاني، فسوف يتوقع خطواتك ويناورك، أما إذا اعتقد أنك مجنون، فسوف يتجنب
استفزازك بأي ثمن، وسيضطر إلى خفض مطالبه.
وتطبيق تلك النظرية لتفسير التناقض الأمريكي، حيث يتم تقسيم الأدوار كالتالي:
فدور
توم باراك يمثل الرابط العقلاني الذي
يعمل
كصمام أمان، وظيفته إخبار العالم والنظام الإيراني بالمنطق التقليدي: نحن دولة
مؤسسات، نحن نحترم القواعد، ولا ننوي غزوكم. هذا الدور يمنع الخصم من الدخول في
حالة يأس يؤدي به إلى الانتحار ليندفع إلى شن حرب استباقية.
ثم نأتي إلى دور تغريدات ترامب، العنصر غير المتوقع، لتهدم المنطق الذي بناه باراك.
عندما يكتب ترامب المساعدة في الطريق ويحرض المتظاهرين على الاستيلاء على المؤسسات،
فإنه يرسل رسالة مفادها: قد أتجاوز مؤسساتي، وقد أتجاوز نصائح مستشاريَّ في أي
لحظة.
وبذلك
يصل دور المجنون إلى النتيجة السياسية المتوقعة، وهو التأثير على صانع القرار
الإيراني.
كيف ذلك؟
فعندما يواجه القادة في إيران هذين الخطابين، يقعون في فخ الشلل التحليلي:
إذا
قمعوا الاحتجاجات بعنف مفرط، فقد يُجن جنون ترامب وينفذ تهديده بالمساعدة العسكرية،
وإذا لم يقمعوها، فقد تسقط المؤسسات كما حرض ترامب.
وإذا
صدقوا باراك، فقد يكتشفون بعد فوات الأوان أن ترامب كان جادا.
ولكي تنجح نظرية الرجل المجنون، يجب توفر ثلاثة عناصر، وهو ما نراه في الحالة
الأمريكية:
أولها،
المصداقية
في التهديد، فترامب قام سابقا بأفعال
غير متوقعة، مثل الانسحاب من الاتفاق النووي أو استهداف قيادات عسكرية رفيعة، مما
يجعل تغريدته المساعدة في الطريق ذات ثقل مخيف وليست مجرد كلمات.
ثانيا شروط نجاح نظرية المجنون،
وجود
قنوات خلفية، مثل شخصية توم باراك الذي يضمن أن القنوات الدبلوماسية لا تنقطع
تماما، مما يترك مخرجا لماء الوجه للخصم إذا أراد التفاوض لتجنب الرجل المجنون، فهوعنصر
المفاجأة، فالتناقض الزمني والموضوعي بين تصريح باراك وتغريدة ترامب يوجد حالة من
الضجيج التي تمنع الخصم من قراءة النوايا الحقيقية.
إذن ما حقيقة النوايا الأمريكية الحقيقية، هل يريدون بالفعل إسقاط النظام، أم هم
يضغطون عليه فقط للاستجابة إلى المعايير الأمريكية؟
حقيقة النوايا الأمريكية
الملاحظ لنمط العلاقات الإيرانية الأمريكية منذ قيام الثورة الإيرانية، أن أمريكا
لم تدخل قط في حرب عسكرية مع إيران، بل في بعض الفترات كان هناك تنسيق مثل ما حدث
من احتلال العراق وأفغانستان في عامي ٢٠٠١، و ٢٠٠٣، وخرج بعدها بشهور
نائب الرئيس الإيراني في وقتها بتصريح شهير قائلا، لولا طهران ما سقطت بغداد ولا
كابول، وقبلها كانت فضيحة إيران كونترا حيث هربت المخابرات الأمريكية الأسلحة إلى
إيران أثناء حربها مع العراق.
والخلاصة، أن المصالح الجيوسياسية الميدانية تتفوق دائما على الخطابات الإيديولوجية
المعلنة.
وهذه حالة تسمى في العلوم السياسية العداء المنسق؛ حيث يستفيد الطرفان من وجود عدو
خارجي لتبرير سياساتهما الداخلية، وزيادة ميزانيات الدفاع، لكنهما يحرصان تمامًا
على عدم الوصول إلى نقطة الانكسار التي تعني الحرب الشاملة.
بناء على ذلك، يمكن فهم أن التهديدات الأمريكية الحالية هي مجرد أدوات ضغط لتحسين
شروط الصفقة، وليس لإلغاء الطرف الآخر.
أمريكا تريد إيران مطيعة، لا تسعى أكثر من الدور المرسوم لها، وليس بالضرورة إيران
منهارة، فانهيارها في التصور الأمريكي قد يسبب صعود قوى ومحور جديد، يبدو أكثر جدية
في إنهاء النفوذ الأمريكي الصهيوني في المنطقة.