هل تنجح صفقة الدمج بين الدولة السورية و«قسد» أم تتحول إلى شرارة صراع جديد؟ بين نزع السلاح وكسر الأيديولوجيا واختبار الولاءات، تتكشف معركة صامتة أخطر من الحرب نفسها، عنوانها: من يربح الدولة… ومن يذوب داخلها؟
بعد عدة اتفاقيات موقعة لم يتم تطبيقها بين تنظيم الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا
والذي اشتهر بمصطلح قسد، وبين الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، تم البدء
العملي في خطوات حذرة ومحسوبة تطبيق بنود الاتفاق الأخير في ٣٠ يناير الماضي، لدمج
التنظيم المسلح الكردي داخل الجيش السوري، ومد سلطات الدولة السورية إلى المناطق
التي تسيطر عليها قسد في محافظتي الحسكة والقامشلي، ومنطقة عين العرب في شرق حلب.
وتثور أسئلة كثيرة في هذا الصدد، أبرزها:
ما هي العوائق أمام دمج قسد في الدولة السورية؟
وهل سيتم تجاوزها وتنتهي إلى دمج قسد في الجيش السوري، وتولي الإدارة الحكومية
المناطق التي تديرها؟
أم سينفجر الوضع وسيتم حسمه عسكريا؟
وهل هناك سيناريوهات أخرى منتظرة لهذا الدمج؟
ولكن كيف يمكن تقييم هذا الدمج؟ ما هي الأداة العلمية التي يمكن استخدامها لهذا
التقييم؟
الإطار العلمي للدمج
الأداة العلمية الأكثر دقة ومنهجية في العلوم السياسية لتقييم هذه الحالة هي
المعروفة أكاديميا ب
DDR، وهي
اختصار لثلاثة مصطلحات:
اولا/
Disarmament
نزع السلاح
وهي المرحلة التقنية التي يتم فيها جمع وتوثيق الأسلحة الخفيفة والثقيلة من الفصيل
المتمرد.
ثانيا/
Demobilization تسريح القوات
وهي عملية حل الهياكل العسكرية للفصيل وتحويل المقاتلين إلى مدنيين رسمياً قبل
إعادة توظيفهم.
ثالثا/
Reintegration إعادة الدمج
وهي المرحلة الأكثر تعقيداً وتنقسم إلى ثلاثة مسارات:
الدمج العسكري: استيعاب المقاتلين في الجيش النظامي سواء فرادى أو وحدات.
الدمج السياسي: تحول الجناح السياسي للفصيل إلى حزب سياسي مرخص يشارك في النظام
السياسي.
الدمج الاجتماعي والاقتصادي: توفير وظائف مدنية لمن لا يرغب في الاستمرار بالعمل
العسكري، لضمان عدم عودتهم للجريمة أو التمرد مستقبلاً.
يستخدم علماء السياسة لتقييم الفشل والنجاح في العمليات السابقة ثلاثة مؤشرات رقمية
لقياس النجاح:
1-
وحدة القيادة: هل هناك مركز قرار واحد للأمن أم مراكز متعددة؟
2-
الاحترافية: هل الولاء للدولة أم للقائد الفصائلي السابق؟
3-
الشرعية: مدى قبول المجتمع المحلي لعناصر الأمن القادمين من المركز، والعكس.
واقع إدماج قسد
عند تطبيق النظريات العلمية السابقة على واقع إدماج قسد في الدولة السورية مقسما
حسب مراحل أداة الـ
DDR
المنهجية، سنجد الآتي:
1.
معضلة نزع السلاح
يبدو أن خطوات تسليم السلاح الثقيل والمتوسط قد بدأت.
ونقلا عن صحيفة المدن الصادرة يوم ٢٦ فبراير، بدأت قسد تسليم كامل سلاحها الثقيل
والمتوسط إلى وزارة الدفاع السورية، وأشرف على التنفيذ وفد رسمي برئاسة المبعوث
الرئاسي العميد زياد العايش، الذي زار محافظة الحسكة للإشراف المباشر وتسريع عمليات
الدمج.
وجرت عملية التسليم بعيداً عن الأضواء وبشكل هادئ، بناءً على طلب من قسد لتجنب
الكلفة الرمزية للتنازل.
ولكن هل بقاء السلاح الفردي في يد عناصر قسد يعطيهم قدرة على العودة للتمرد؟ ومن
يضمن أيضا أنهم سلموا كل السلاح الثقيل والمتوسط الذي لديهم ...هل هناك إحصائية أو
كشف موثق بعدد ونوعية هذا السلاح لدى قسد؟
في العلوم العسكرية، السلاح الفردي (كلاشينكوف، قناصات، قواذف آر بي جي) يمنح
القدرة على شن حرب عصابات، أو تمرد أمني داخل المدن، ولكنه لا يسمح بالسيطرة على
إقليم أو مواجهة جيش نظامي في معارك مفتوحة.
وإذا كانت قسد قد سلمت سلاحها الثقيل كله بالفعل من الدبابات والمدافع، فبذلك تكون
قد فقدت المظلة النارية التي تمكنها من حماية حدود الأراضي في محافظة الحسكة.
نعم، بقاء السلاح الفردي يعني أن خطر الاغتيالات أو الكمائن أو العصيان المسلح داخل
الأحياء لا يزال قائماً، وهذا ما يجعل الحكومة السورية تصر في المرحلة القادمة على
تحويل هذه القوات لرقابة مركزية شديدة.
ويتبقى السؤال: هل سلمت قسد كل أسلحتها الثقيلة بالفعل؟
حتى لحظة تقرير صحيفة المدن في يوم الخميس الماضي، لا يوجد كشف علني متاح للجمهور،
ولكن هناك حديث عن جداول لهذه الأسلحة، تم تبادلها في اجتماعات اللجنة العسكرية
المشتركة في القامشلي.
وتشير المعلومات المسربة على صفحات السوشيال ميديا إلى أنه تم التركيز على عربات
البرادلي والمدرعات التي كان التحالف قد زود بها قسد، بالإضافة إلى مدافع الـ 130
ملم وراجمات الصواريخ، حيث يُعتقد أن قسد سلمت ما يقارب 70-80% من عتادها الثقيل
الظاهر، بينما تدور المفاوضات الآن حول مستودعات الذخيرة الاستراتيجية في الرميلان
وجبل عبد العزيز.
نأتي إلى المرحلة الثانية في أداة
DDR
المنهجية وهي تسريح القوات، والتي نعني به ليس مجرد نزع زي عسكري، بل هو كسر الهيكل
التنظيمي للفصيل وتحويل المقاتل من عنصر يتبع لقائد ميليشيا إلى عنصر يتبع لمؤسسة
دولة. فمصطلح التسريح هنا لا يعني الطرد، بل يعني إلغاء صفتهم كمقاتلين في قسد.
وهو بهذا المعنى يتضمن أمرين: الانتقال من الفصائلية إلى التبعية المؤسسية،
والأمر الثاني يعني تفكيك الأيديولوجيا القتالية.
بالنسبة إلى الانتقال من حالة الفصيل إلى مؤسسة الدولة، فإذا صحت تقارير تسليم قسد
للسلاح الثقيل، فإنها تكون قد فقدت قدرتها على إدارة عمليات عسكرية مستقلة. وهذا
الواقع يجعل تسريح القوات يأخذ طابعاً إلزامياً وسريعاً.
وتشير تقارير صحفية منشورة في صحيفة الشرق الأوسط إلى أن العملية لم تعد مجرد تغيير
يافطات، بل بدأت الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع بفرض شروط إعادة الهيكلة
التالية:
١-حل الهياكل القيادية، بالبدء في تفكيك الأركان العامة لقسد، وتحويل مكاتبها
العسكرية إلى مكاتب إدارية تابعة للمناطق العسكرية في حلب، والحسكة، ودير الزور.
٢-التدقيق الأمني، حيث تجري الآن عمليات فلترة للمقاتلين، وتستبعد العناصر الأجانب
(قادة من حزب العمال الكردستاني) وآخرين ممن عليهم قضايا جنائية، بينما يتم إعداد
القوائم الاسمية للبقية لإلحاقهم بمؤسسات الدولة.
أما الجانب الثاني من تسريح القوات وهو تفكيك الأيديولوجيا القتالية، ويعتبر هذا
الأمر هو أكبر تحدٍ في هذا التسريح.
فقبل إجراءات الدمج كان المقاتل الذي ينتمي إلى قسد يقاتل تحت راية الإدارة
الذاتية، بينما الوضع الحالي مع دخول مؤسسات الدولة، يتم إخضاع العناصر المسرّحين
لدورات إعادة تأهيل من قبل الحكومة السورية، تهدف إلى ربط عقيدتهم العسكرية بالدولة
السورية والجيش السوري حصراً. هذا يعني أن التسريح هنا يتضمن تسريحاً فكرياً وليس
جسدياً فقط.
المشكلة المنهجية هنا، أن المقاتل لا يزال يعمل تحت إمرة قائده الميداني السابق،
وفي منطقته الجغرافية ذاتها، وبنفس الأيديولوجيا القتالية. هذا يحافظ على الرابط
العضوي للفصيل ويمنع ذوبان المقاتلين في الهوية الجديدة للجيش السوري، مما يبقي خطر
الانشقاق الجماعي قائماً.
وفي النهاية عند تطبيق المرحلة الثالثة من أداة تقييم الدمج
DDR،
وهي إعادة الدمج، نجد الآتي:
بحسب ما نشر عن عملية إعادة الدمج، فإن آلية دمج قسد، لن تكون عبر تشكيل ألوية
صافية تتبع لها بشكل كامل، بل سيتم الدمج على أساس فردي ضمن تشكيلات قائمة تخضع
لوزارة الدفاع السورية.
وواضح من نية الحكومة، أنها تريد تشكيل الألوية التي سيجري الالتحاق بها بحيث لن
تكون مؤلفة حصراً من عناصر قسد فقط، بل ستضم أيضاً عناصر وقادة تابعين لوزارة
الدفاع ضمن البنية نفسها، بما يعني أن القيادة والتركيبة ستكون مختلطة وتحت إشراف
رسمي مباشر، وليس هناك كيان عسكري مستقل أو خصوصية تنظيمية داخل المؤسسة.
بمعنى آخر، الحديث يدور عن إدماج أفراد ضمن أطر عسكرية قائمة تضم كوادر من وزارة
الدفاع إلى جانب العناصر المدمجة، لضمان وحدة القيادة ومنع تشكّل تشكيلات منفصلة
داخل الجيش.
مستقبل الدمج
لا شك أن كلا من الحكومة السورية ومنظمة قسد، قد دخلا في لعبة عض الأصابع، فكلاهما
واقع تحت عدة ضغوط متعاكسة.
فقسد تعاني من تخلي الحليف الأمريكي والذي أنشأها ورعاها في بداياتها، ولم يتبق لها
إلا فرنسا التي تحاول تسويق وتعويم قسد أوروبيا وعالميا، بينما نجح اللوبي الصهيوني
في الضغط على عضو مجلس الشيوخ الجمهوري القوي ليندسي غراهام، ليضغط بدوره على إدارة
ترامب والتي استجابت جزئيا لمطالبه، وضغطت على حكومة سوريا لكي توفر اندماجا
تدريجيا لقسد داخل النظام السوري الجديد، ولا ندري ما حقيقة الموقف الأمريكي من شكل
الاندماج، وربما لا تكترث به الإدارة الأمريكية كثيرا، ويهمها في المقام الأول سحب
قواتها من سوريا بسلام، وبعدها تتولى حكومة الشرع ضبط الأمن في سائر البلاد، بما لا
يتعارض مع المصالح الأمريكية في سوريا.
ولكن الأمر الذي يجري في صالح الدولة السورية، هو وجود قيادة تمتع بقدرات خاصة
ومهارات وخبرات تفكيك التنظيمات العسكرية، منذ كان مرحلة إدلب.