فلاديمير بوتين.. هل سيكون هتلر القرن الحالي؟

الغرب يراه على أنه رجل عسكري قاس يحمل معادلة أيديولوجية إمبريالية تعادل شيوعية القرن العشرين والنازية، والتي من خلالها يبرر الحقوق والامتيازات لبلده، فهو يرى أن السماح للجمهوريات السوفياتية السابقة بمغادرة الإمبراطورية الروسية كان بمثابة "جنون"، لدرجة أنه


"نفتخر بشجاعة وبسالة أبطال الجيش الأحمر وكل العاملين في بلادنا، الذين دافعوا عن استقلال وطننا، وأنقذوا أوروبا والعالم من الاستعباد، ورغمًا عن كل ما ذكرته صفحات الماضي، فإن الحق يكمن في أن الجندي السوفييتي جاء إلى أرض ألمانيا؛ لا لكي ينتقم من الألمان، بل حاملًا رسالة نبيلة عظيمة؛ رسالة المخلِّص"، بهذه الكلمات استعرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ماضي وتجارب العلاقات بين الدول الغربية والاتحاد السوفيتي، وما اعتبره دروسًا مستفادة من فترة الحرب العالمية الثانية، كانت هذه السطور جزءًا من مقالة نادرة كتبها بوتين إلى صحيفة "دي تسايت" الألمانية تحت عنوان "لنبق منفتحين رغم ماضينا"، دأب بوتين خلالها على تذكير الغرب بمآسي الحروب التي لا تجلب إلا الخراب، وأن حسن الجوار هو حجر الأساس للتكامل الاقتصادي وتعزيز المصالح المشتركة، استخدم لفظ "المخلِّص" ظنًا أن الغربيين سيتذكرونه في صورة جوزيف ستالين، فما كان منهم إلا أن أنزلوه منزلة أدولف هتلر!

حين أعلن بوتين بدء الحرب على أوكرانيا، كانت تلك بمثابة لحظة تحول أساسية في العلاقات الدولية، إنها تؤسس لحرب باردة جديدة، صحيح أنها لا تزال محدودة بحدود أوكرانيا، لكنها ستكون ذات تداعيات اقتصادية وجيوسياسية غير محسوبة العواقب، فمنطق بوتين الساعي إلى تدمير سيادة أوكرانيا يقوم كليًا على الأكاذيب والتخيلات التاريخية، حيث تعمل آلة الدعاية في الكرملين لإقناع العالم بأن هدف روسيا هو نزع النازية الجديدة عن أوكرانيا، وحماية العرقية الروسية في المقاطعات الانفصالية من الإبادة الجماعية التي تتعرض لها، بل وتتزايد الادعاءات إلى حد إعلان بوتين نفسه أن أوكرانيا لم تكن أبدًا دولة منفصلة عن روسيا، لقد أحيا الغزو الروسي على أوكرانيا هواجس الغرب تجاه روسيا، إذ تزايدت المخاوف من رجل المخابرات الروسية في العهد السوفياتي "كي جي بي"، الذي أمضى معظم وقته في تزوير الانتخابات، وتعزيز السلطة في شخصه فقط، ومساعدة الأوليغارشية المقربة منه على نهب ثروات البلاد، وقمع المعارضة واغتيال منتقديه، دق الغرب أيضا ناقوس الخطر بعد إعلان بوتين مع نظيره الصيني شي جينبينغ، في مطلع شهر فبراير الماضي، عما أسمياه بـ "حقبة جديدة في السياسة الدولية" عبر تعزيز التكتلات العسكرية، لا سيّما وأن الصين تراقب بتأهب وحذر شديد السياسة الغربية تجاه تايوان، كما أنها ترى تدخلا مشابها لما تتّهم به روسيا حلف الناتو في أوكرانيا.

القادة الشيوعيون مثل لينين وستالين ليسوا أبطال بوتين المفضلين، فهو معجب بملوك وقياصرة روسيا، يتطلع إلى أن يصبح "فلاديمير العظيم"، ولكن ربما لأن أيام الملكية المطلقة قد ولت إلى غير رجعة، فربما سيتعين عليه بدلًا من ذلك أن يكون هتلر الثاني، يحكم بوتين روسيا من خلال نظرة قاتمة للعالم، ولا لاسيّما العالم الغربي الرأسمالي الديمقراطي، الغرب يراه على أنه رجل عسكري قاس يحمل معادلة أيديولوجية إمبريالية تعادل شيوعية القرن العشرين والنازية، والتي من خلالها يبرر الحقوق والامتيازات لبلده، فهو يرى أن السماح للجمهوريات السوفياتية السابقة بمغادرة الإمبراطورية الروسية كان بمثابة "جنون"، لدرجة أنه وصف ذلك في أحد خطاباته بـ "السطو على الاتحاد السوفياتي"، مثل هذه التصريحات تحمل تهديدات مباشرة ليس فقط ضد أوكرانيا التي تم غزوها بالفعل، وإنما ضد أذربيجان وجورجيا وغيرها، بل وحتى الدول الأعضاء حاليًا في الناتو؛ مثل إستونيا وليتوانيا ولاتفيا، صحيح أن الغرب لم يشكل تهديدًا عسكريًا مجردًا لروسيا منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أن توسع النفوذ الغربي شرقًا من خلال الناتو والاتحاد الأوروبي يمثل تهديدًا وجوديًا من نوع ما لمفهوم بوتين عن روسيا، فعلاقة روسيا بالغرب لها تاريخ طويل من الشد والجذب، لطالما كانت روسيا تخشى التهديدات العسكرية من الغرب، وهو الخوف الذي سار جنبًا إلى جنب مع الشك في الأعراف والأفكار الغربية مثل الديمقراطية الليبرالية.

ثمة فوارق جوهرية بين فلاديمير بوتين وأدولف هتلر؛ فالأول ينوي استعادة مجد الإمبراطورية الروسية في نطاق إقليمي يشتمل على المناطق الناطقة بالغة الروسية والتي كانت يومًا ما جزءًا من الاتحاد السوفيتي، وعلى الصعيد الدولي فإنه يسعى لتعزيز مناطق النفوذ التاريخية للسوفيت، أما الثاني فكان يسعى لفرض هيمنته الكاملة على أوروبا والعالم أجمع، من أجل تحقيق حلم امبراطورية جرمانيا، وبرغم هذه الفوارق إلا أن الصحافة الغربية ذهبت إلى التركيز على المشابهة بين هتلر وبوتين في مقالات الرأي والرسوم الكاريكاتورية، حتى أن بعض الساسة الغربيين قالوها صراحةً، في مقدمتهم رئيس الوزراء البولندي، ماتيوز مورافيكي، الذي قال إن "القومية الروسية تشكل تهديدًا مميتًا للعالم، وعلى أوروبا أن تتعامل معها كما تعاملت يومًا ما مع ألمانيا النازية"، داعيًا إلى تفكيك روسيا لإزالة السياسة البوتينية، مثلما تم ذات يوم تفكيك ألمانيا للتخلص من الهتلرية، ولا شك أن المسار التاريخي لكلا الزعيمين قد يتشابه في كثير من النقاط، فهما نتاج انهيار امبراطورية كانت قائمة في بلديهما وكانت العواقب المزعزعة للاستقرار وخيمة، إلا إنها سمحت بظهور زعيم قوي يعمل على جعل البلاد عظيمة مرة أخرى.

في بداية حياتهما المهنية السياسية؛ تم انتخاب كلاهما بشكل شرعي لقيادة بلديهما، احتفظ هتلر بالسلطة في ألمانيا طيلة 12 عامًا، خلال تلك الفترة قامت قواته بالاستيلاء على النمسا وتشيكوسلوفاكيا، واحتلت 9 دول أخرى، بما في ذلك فرنسا، كما نجحت في غزو 5 دول في شمال إفريقيا، لكنها لم تستطع السيطرة عليها، أما بوتين فيشغل منصب الرئاسة منذ عام 2000م، باستثناء فترة انتقالية لـ 4 سنوات كان فيها رفيقه دميتري ميدفيديف رئيسًا شكليًا، الآن أطول زعيم روسي بقاء في سدة الحكم منذ ستالين، على خطى هتلر نجح بوتين في غزو جيشه لإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصاليين عن جورجيا في عام 2008، وبين عامي 1999 و2000 دمر جمهورية الشيشان ذات الأغلبية المسلمة الواقعة في شمال القوقاز، وأودى القتال بحياة آلاف المدنيين هناك، وبعد عدة سنوات، استولى على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا دون قتال يُذكر، حيث حسم المعركة مبكرًا من الدعم الواسع للانفصاليين في منطقة دونباس.

لا شك أن كلا الزعيمين ديكتاتوريين، حكمهما هو نموذج واضح للسلطة الشخصية المطلقة، كل الصحف ووسائل الإعلام خاضعة لرقابة مشددة، استخدم كلا الديكتاتوريين الدعاية عبر وسائل الإعلام لكسب دعم شعبيهما، كلاهما ادعى أن شعبهما استثنائي، عرق خاص له تاريخ مزدهر وتقاليد عريقة، كلاهما ادعى أن بلديهما تعرضتا للظلم تاريخيًا في العقود الماضية، روج كلاهما لرؤية قومية لبلدهما تقوم على ضرورة استعادة صعودها السابق، أصر كلاهما على أن دولتهما محاطة بأعداء يهددون سلامتها، فتبنى كلاهما سياسة توسعية، مع تبرير الحق في السيطرة على من هم في مناطق نفوذهم واستغلالهم، وإنشاء أنظمة تابعة لهم في تلك المناطق والبلدان للقيام بما يطلبونه، أما رموز المعارضة فهم في السجون أو ممنوعين من ممارسة أي نشاط سياسي حقيقي.

عرف جنرالات هتلر أنهم قد هُزِموا عندما فشلوا في الفوز بمعركة بريطانيا، لقد أودى الأمر بحياة الملايين، قبل أن تُهزم ألمانيا في النهاية وينتحر هتلر في ملجئه المحصن، يبدو أن جنرالات بوتين كانوا يعلمون أنهم لن ينتصروا بسهولة بعد أن فشلت محاولتهم في شن حرب خاطفة للسيطرة على أوكرانيا، لقد تطلب الأمر حتى الآن الآلاف من القتلى من الجانبين، وهذه المرة يقف الغرب بأكمله موحدًا يقدم الدعم لأوكرانيا من وراء ستار، على أمل تنتهي المعركة دون قتال مباشر، يخبرنا التاريخ بأن بدايات حلم هتلر كانت مشجّعة، لكن الأمور سرعان ما بدأت تختلف بمرور الوقت، حين تشكل ضده تحالف غربي، قادته بريطانيا وفرنسا، ثم انضمت إليه الولايات المتحدة بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربور وتحطيم أسطولها، مثل هذا التحالف بدأت ملامحه تتشكل الآن مرة أخرى، تشير تقارير إلى أن بوتين يقيم أيضًا في قبو محصن، وعلى الأرجح هذا هو المكان الذي سيواجه فيه أيضًا نهايته، لم يكن هتلر يعتقد أن جيشه الجرار سيُهزم وستتبخر أحلامه التوسعية، على نفس خطاه يسير بوتين الآن، يبدو أن لا أحد يتعلم من دروس التاريخ مطلقًا.

أعلى