• - الموافق2026/10/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
واصطبر عليها!

متى تتحول عبارة «خليك في حالك» من احترام للخصوصية إلى تخلٍّ عن المسؤولية، وكيف يقدّم الإسلام نموذجًا يوازن بين حرية الفرد وواجبه في النصح والإصلاح وحماية الأسرة والمجتمع من تطبيع الخطأ وانتشار الانحراف بين الناس جميعًا؟


نحن قوم مسلمون، وهذا يعني ببساطة ووضوح أننا أصحاب نَهْجٍ في الحياة نستمدّه من القرآن الكريم، ومن تطبيق النبي -صلى الله عليه وسلم- العملي للمنهج القرآني القويم، ومِن فَهْم الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين لهم بإحسان.

ومِن تجلّيات المنهج القرآني: أَمْرُ الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه: 132]؛ فالإسلام يُقيم الأسرة، ويُعنَى بها عناية فائقة؛ حيث يُؤسِّس لها بقواعد اختيار الزوجين، يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «فاظْفَر بذات الدِّين تَرِبَتْ يَداك» (متفق عليه)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «إذَا أتَاكُم مَنْ تَرضونَ خُلُقهُ ودِينهُ فزَوِّجُوهُ» (السلسلة الصحيحة: ١٠٢٢).

ثم أقام على هذه الأسرة قَيِّمًا جَعَله راعيًا لها؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: « كُلُّكُم راعٍ، وَكُلُّكم مَسؤولٌ عن رعيَّتِهِ» (متفق عليه)؛ فالإسلام منهج يُقيم المجتمع، ولا يقوم كما الحضارة الغربية على الفرد المفرد؛ فالفرد في الإسلام جزء من مجتمع، والمجتمع يتكوّن من لَبِنات أوّلها الأسرة، وإذا كانت نظرية الحضارة الغربية تقوم على إعطاء الحريات المُطلَقة للفرد، فإن منهج الإسلام في الاجتماع قائم على نظريتي التطبيع الاجتماعي والضبط الاجتماعي. ونظرية التطبيع الاجتماعي هي أن تقوم الأسرة بنقل العقيدة والأخلاق والقِيَم والموروث الثقافي إلى الأبناء، وعملية التطبيع هذه لا تُنافي الحرية الفردية لكنّها تُؤطّرها في إطارٍ لا يخرق سفينة المجتمع.

    والوالد في الإسلام مأمورٌ شرعًا بأمر أبنائه بالصلاة، وتعليمهم إيَّاها، وتدريبهم عليها، وتذكيرهم بها، والصبر على هذا الأمر والنهي. لقد وَفَدَتْ إلينا ثقافة غربية مفادها: انظر في ورقتك فقط، ولا تنظر في أوراق الآخرين؛ بالمعنى الدارج «خلّيك في حالك».

والحقيقة أنه قد ورد في التراث الإسلامي عن بعض الصالحين الانشغال بالنظر في عيوبهم عن تتبُّع عيوب الناس من حولهم، والمسلم يأتي ربَّه يوم القيامة فردًا؛ ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94]. لكنّ هذا خَلْط للمسؤوليات الفردية التي كلَّف بها الإسلامُ أتباعَه؛ فمن واجبات الفرد المسلم المُكلَّف بها شرعًا: القيام بواجب الرعاية الشرعية في رعيّته من أمر بالصلاة، ووَعْظ بحُسْن الخُلُق، وإصلاح الخَلَل؛ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

والفرد في المجتمع مُتعدّد الأدوار بطبيعته؛ فهو أبٌ؛ أيْ: راعٍ في أُسْرته، وهو مسؤول في عمله المهني، وراعٍ على مَن معه، وقد يكون منشغلًا بالشأن العام فهو راعٍ فيه... وهكذا فإنه مِن اكتمال نظر الفرد في ورقته: القيام بتوجيه الآخرين وإرشادهم ونُصْحهم بما يُصْلِح شأنهم، وهذه بالمناسبة فطرة إنسانية، فعندما يُقابل الفرد شخصًا تائهًا في الطرقات فإنه يَتطوَّع ليدلّه على الطريق أو العنوان الصحيح، يفعل ذلك لا بدافع الوصاية عليه، ولا التحكم في قراره، ولا حدًّا من حريته الشخصية في تجريب التِّيه! كما يزعم دعاة الفردانية الغربية، وإنما بدافع إرشاده إلى أقرب الطرق والوسائل، مما يُوفّر على التَّائه أو الغريب الوقت والجهد، وربما المال.

    إن منهج الإسلام -في عظمته- جمَع بين حقّ الفرد وحق المجتمع، واعتبر خرق الفرد للمجتمع فيما يظن أنه مساحته وحده التي تُتيحها له حريته الشخصية هو بمثابة خرق للسفينة ممّا يؤدّي إلى غرقها. ومن هنا تعمل نظرية الضبط الاجتماعي، ولأن قانون الضبط الاجتماعي مُهِمّ جدًّا في منهج الإسلام، جعل إِثم المجاهرة بارتكاب المعصية أعظم من المعصية ذاتها؛ لأن المجاهرة معصية، ودعوة للآخرين لارتكابها وتجرؤهم عليها وتطبيعهم على ارتيادها.

وبهذا لا يصبح عندنا عضو فاسد في مجتمع سليم، وإنما مجتمع متقبّل للمعصية مُطبّع معها لا يَنهى عنها ولا يأمر بتركها! واسأل هؤلاء المتشدقين بالحرية الفردية (وخلّيك في حالك)، إذا كانت المعصية في حقّ المولى -عز وجل-، لماذا يثورون ويصخبون وينتفضون إذا كانت هذه المعصية تُهدِّد أمنهم الشخصي أو أموالهم أو أبناءهم؟! لماذا يتداعون ضد التحرش ولا يتداعون إذا قَبِلَتْ فتاة ما هو أنكى من التحرُّش... بذريعة رضاها وحريتها الشخصية؟! فإذا سألتهم: ترضونه لابنتكم؟ قالوا: لا. وما وعوا أن نَشْر الرذيلة مُؤذِنٌ بشيوعها، وقد تُصيب أبناءهم وَفْق قانون الاحتمالات.

إن الذي يرمي قمامته ومُخلّفات بيته في الطريق العام قد يتسبّب في فقدان حي كامل لأَمْنه الصحي بانتشار الحشرات والجراثيم، وفَقْد حسّه الجمالي، وعدم تمتُّع أفراده بالنظافة والجمال، فما بالنا بالذي يُلقي علينا قاذورات أفكاره؟!

إننا بحاجة ماسَّة إلى تطبيق قانونَي «التطبيع الاجتماعي» و«الضبط الاجتماعي» وفق قوانين القرآن الكريم، وبمعايير حُسْن الخُلق والدعوة بالتي هي أحسن وألين وأنفع بدافع الحب لا الهيمنة.

 

 

أعلى