• - الموافق2026/09/12م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الخطابة والخطباء  في التراث العربي

كيف تطورت الخطابة في التراث العربي من أسواق الجاهلية ومجالس القبائل إلى المنبر الإسلامي، وما الذي جعلها فنًا مؤثرًا، برز فيه خطباء وشخصيات تركت نماذج بارزة في الوعظ والسياسة والمناسبات وأثرها في تشكيل الرأي والتوجيه العام؟


العرب أُمّة أقدم من اسمها الذي تُعرَف به اليوم؛ لأنها على أرجح الأقوال أَرُومَة الجنس السامي التي تفرّع منها الكلدانيون والآشوريون والكنعانيون والعراقيون وسائر الأمم السامية التي سكنت بين النهرين وفلسطين وما يُحيط بفلسطين من بادية وحاضرة، وقد تتصل بها الأمة الحبشية بصِلة النَّسب القديم مع اختلاط بين السامية والحامية.

وسُمِّيت العرب بهذا الاسم لإفصاحهم باللغة، وإيضاحهم سبيل البلاغة، من قولك: أعربت الشيء، أو عن الشيء، إذا أبَنْتَه أو أبَنْتَ عنه، وعربت عن فلان: أبَنْتَ عنه، وأعرب الرجل بحجته إذا أفصَح عنها، وعرب: إذا فصح فلم يلحن، والمعرب: الفصيح اللسان، والعربي مثله، وهو منسوب إلى العرب، والعرب جمع عارب، كالغيب جمع غائب، والعارب الذي أتى عربه وهي جزيرة العرب.

ويرى الباحثون أن أسلاف العرب كانوا يتمتعون بحضارة أصيلة، وكان العرب في عصر ما قبل الإسلام يقيمون أسواقًا عامة للتجارة تستمر طول العام ينتقلون من بعضها إلى بعض، ومن أشهر هذه الأسواق هي: سوق عكاظ، وسوق مجنة، وسوق ذي المجاز، يجتمع فيها سائر العرب، ويأتمنون فيها على دمائهم وأموالهم.

وكانت قريش تنتهز فرصة اجتماع القبائل العربية الكثيرة في مكة، وذلك في موسم الحج، ويقيمون أسواقًا يقصدون بها أغراضًا شتى، منها التجارة، ومنها أن تفخر كل قبيلة بمن نبغ فيها من شاعر أو خطيب. حتى كانت القبيلة التي ينبغ فيها شاعر وخطيب تُقيم الأفراح في الليالي والشهور؛ لأنه رفَع ذِكْرها وسجَّل تاريخها بين العرب، وكان من نتيجة ذلك أن اللغة العربية القرشية اتَّسعت أساليبها وعزَّزت مفرداتها، وتنوَّعت مواردها، وتوافرت لها أسباب النمو من المجازات المختلفة التي تساند الحقيقة في تأدية المراد.

وأشهر أسواق العرب: عكاظ، وكان يُقام في الأشهر الحُرُم -موسم الحج-. وكانت العرب تنتهزُ فرصة هذا الموسم، لتأتي بشعرائها وخطبائها، ليكونوا لسانها في السوق؛ حيث التفاخر والتنافر، وإنشاد الشعر، والقاء الخطب، والتسابق على الفوز بين الخطباء والشعراء؛ افتخارًا بفصاحتها على مَن يحضر الموسم من خطباء وشعراء القبائل. وكثيرًا ما كان يطغى دور الخطيب على دور الشاعر في مواقف السِّلم والحرب والنُّصح؛ يقول الشاعر ربيعة بن مقروم الضبي:

ومتى تقُمْ عند اجتماع عشيرة

خطباؤنا بين العشيرة يُفصل

وقال يس بن عامر مادحًا وذامًّا بالخطابة:

خطباء حين يقوم قائلهم

بيضُ الوجوه مصاقع لُسُنُ

وفي عكاظ كان يجتمع الخطباء كما كان يجتمع الشعراء، ومَن تُنتخب خطبته يُعلَم بذلك عبد المطلب بن عبد مناف (حاكم العرب)، الذي يجمع الصفتين الدينية والدنيوية الذي تصفه كُتب السيرة بأنه حاكم الحكام والمتولي على البيت الحرام، شيخ الحطيم وزمزم، حاكم العرب وجد النبي المُرسَل؛ فيأمر بنصب العرنوس (المنبر) الذي كان يُخطَب عليه في عصر ما قبل الإسلام في سوق عكاظ، كان ذلك المنبر شاهقًا في الارتفاع؛ لأن طوله ثلاثة وعشرون زراعًا، ثم يُنادى برجل من حكماء مكة، يقال له: وائل بن العاص، فيقول له: يا ابن العاص. ارْقَ هذا المنبر وأَسْمِع الناس هذه الخطبة بأعلى صوتك. فينشد وائل الخطبة بصوته الذي كان أندى من وابل المطر، فيسمع كل مَن حضر مِن العرب -للحج- الخطبة، ويعود العرب إلى خيامهم ليأخذوا أهبة الرحيل بعد أن زاروا بيت الله الحرام، وقُرِئَت عليهم الخطب التي اعتُرِفَ بها وأُعلن الاعتراف بجدارتها وبجدارة قائلها.

والخطب في تاريخ الأدب العربي عبارة عن فن من فنون النثر الذي انتشر وازدهر في عصر ما قبل الإسلام ، وما زال ممتدًّا حتى وقتنا هذا، وهو فنّ إلقاء المواعظ في المواقف المختلفة أمام كثير من الناس، مع القدرة الكبيرة جدًّا على التأثير في السامعين بشكل كبير وملحوظ.

وفن الخطابة قديمًا كان هو وسيلة الإعلام الوحيدة للإقناع والتأثير على كثير من الناس والقبائل في وقت واحد.

والخطيب: المتحدِّثُ إلى القوم، ومَن يُحسن الكلام على المنبر، ومَن يقوم بالخطابة في المسجد وغيره. والخطبة: الحديث يُلقَى إلى القوم.

والخطيب: المُتكلّم الحاذق المُلِمّ بفَنّ القول، وهو الأكثر قدرةً على تصوير الكلام بما يتناسب مع أحوال المخاطبين وحال الخطاب.

أشهر خطباء عصر ما قبل الإسلام:

قس بن ساعدة الإيادي (أول مَن خطب على عصا وراحلة)، عمرو بن نفيل (أول مَن قال: أما بعدُ)، عتبة بن ربيعة، ضمرة بن ضمرة، قيس بن خارجة بن سنان، خويلد بن عمر، حنظلة بن ضرار، المخبل السعدي، كعب بن لؤي، هرم بن قطبة الفزاري، سهيل بن عمر، أبو طالب بن عبد المطلب، الحرقة بنت النعمان، هند بنت عتبة.

أشهر الخطب في هذا العصر:

خطبة أكثم بن صيفي في مجال السياسة أمام كسرى، وفيها يقول: «إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أهمّها نفعًا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها....».

وخطبة قس بن ساعدة الأيادي؛ إذ خطب خطبته الشهيرة في مجال الوعظ والحكمة في سوق عكاظ وهو على جمله الأورق، والتي جاء فيها: «أيها الناس، اسمعوا وعوا، مَن عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليلٌ داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مُدْحَاة، وأنهار مُجرَاة، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعِبَرًا، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون؟! أرضوا بالمقام فأقاموا؟! أم تُركوا فناموا؟!

يُقسم قسٌّ بالله قسمًا لا إثم فيه؛ إن لله دينًا هو أرضى له، وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه؛ إنكم لتأتون من الأمر منكرًا».

 وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- حاضرًا، وسمعه يُلقيها، وأُعجب به غاية الإعجاب.

فلما بعثه الله نبيًّا، وأكمل الله للمسلمين دينهم، وآن لوفود العرب أن تجيء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تُعلن إسلامها، قدم عليه وفد إيادٍ يومًا، فقال لهم: ما فعل قس بن ساعدة؟، قالوا: مات يا رسول الله، فقال: كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أروق وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه. قال رجل من القوم: أنا أحفظه يا رسول الله، وتلا عليه الخطبة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يرحم الله قسًّا؛ إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده»[1].

وخطبة أبي طالب في مجال المحافل والمناسبات (تعزية وتهنئة وزواج) في تزوُّج النبي -صلى الله عليه وسلم- خديجة بنت خويلد؛ وصَفها المبرد في كتابه الكامل بقوله: «وهذه من أقصد خُطب ما قبل الإسلام»؛ إذ قال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وإسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحُكّام على الناس، ثم إنّ محمدًا ابن أخي، مَن لا يُوازن به فتى من قريش إلَّا رجح عليه برًّا وفضلًا وكرمًا وعقلًا ومجدًا ونبلًا، وإن كان في المال قُلّ، فإنما المال ظلّ زائل، وعارية مُسترجَعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ»[2].

أشهر الخطباء في العصر الإسلامي:

النبي محمد -عليه الصلاة والسلام-، ثم أبو بكر الصديق، أسماء بنت زيد الأشهلية، السيدة عائشة، سعيد بن العاص، معاوية بن أبي سفيان، عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، وأبوه سعيد بن العاص بن أمية، سُحْبان وائل، هند بن الخُسّ، الزرقاء بنت قيس بن عديّ الهمدانية، عكرشة بنت الأطرش، أم الخير بنت حُرَيْش، مصعب بن الزبير، واصل بن عطاء، إياس بن معاوية، يزيد بن المهلب، مالك بن دينار، عبد الملك بن مروان، الحجاج بن يوسف الثقفي، عمر بن عبد العزيز.

أشهر الخطب في هذا العصر:

خطبة الرسول في حجة الوداع

في حجة الوداع قام الرسول صلى الله عليه وسلم  خطيبًا في مائة وأربعة وأربعين ألفًا من الناس، في مشهد عظيم؛ فقال: «الْحَمد لله، نحمده ونستعينه، وَنَسْتَغْفِرهُ ونتوب إِلَيْهِ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا، وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهد الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على الْعَمَل بِطَاعَتِهِ، وأستفتح الله بِالَّذِي هُوَ خيرٌ.

أما بعد، أَيهَا النَّاس؛ اسمعوا مني أبين لكم، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لعَلي لَا ألقاكم بعد عَامي هَذَا فِي موقفي هَذَا. أَيهَا النَّاس؛ إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْكُم حرامٌ إِلَى أَن تلقوا ربكُم، كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا من شهركم هَذَا؛ أَلا هَل بلغت؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ. فَمن كَانَت عِنْده أمانةٌ فليؤدها إِلَى من ائتمنه عَلَيْهَا. وَإِن رَبًّا الْجَاهِلِيَّة موضوعٌ، وَأول رَبًّا أبدأ بِهِ رَبًّا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب. وَإِن دِمَاء الْجَاهِلِيَّة موضوعةٌ، وَأول دمٍ أبدأ بِهِ دم عَامر بن ربيعَة الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَإِن مآثر الْجَاهِلِيَّة موضوعةٌ غير السدَانَة والسقاية.

والعَمْد قَوَدٌ وَشِبْه الْعَمْد مَا قتل بالعصا وَالْحجر، وَفِيه مائَة بعيرٍ؛ فَمن ازْدَادَ فَهُوَ من الْجَاهِلِيَّة.

أَيهَا النَّاس: إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يُعبَد بأرضكم هَذِه، وَلكنه قد رضي أَن يُطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا تحقرون من أَعمالكُم.

أَيهَا النَّاس: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زيادةٌ فِي الْكفْر يُضلّ بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَامًا ويحرمونه عَامًا ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله». وَإِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَإِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرًا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض. مِنْهَا أربعةٌ حرمٌ؛ ثلاثةٌ متوالياتٌ، وواحدٌ فَرد: ذُو الْقعدَة، وَذُو الْحجَّة، وَالْمحرم، وَرَجَب الَّذِي بَين جمادي وَشَعْبَان. أَلا هَل بلغت؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ[3].

خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في أهل الكوفة:

خطب الحجاج في أهل العراق قائلًا:

أنَا ابنُ جَلَا وطَلاّع الثَّنايَا

متى أضع العمامة تَعرفوني

أما والله فإني لأحمل الشر بثِقَله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله، والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى.

والله يا أهل العراق، إن أمير المؤمنين عبد الملك نَثَل كنانةً بين يديه، فعجم عيدانها عودًا عودًا، فوجدني أمرّها عودًا، وأشدّها مسكًا، فوجَّهني إليكم، ورماكم بي.

يا أهل العراق! إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، فكفرتم بأنعم الله، فأتاها وعيد القرى من ربها، فاستوسقوا واعتدلوا، ولا تميلوا، واسمعوا وأطيعوا، وشايعوا وبايعوا، واعلموا أنه ليس مني الإكثار والإبذار والإهذار، ولا مع ذلك النفار والفرار، إنما هو انتضاء هذا السيف، ثم لا يغمد في الشتاء والصيف، حتى يُذِلّ الله لأمير المؤمنين صَعْبكم، ويُقيم له أودكم، وصغركم، ثم إني وجدت الصدق من البر، ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب من الفجور، ووجدت الفجور في النار، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وإشخاصكم لمجاهدة عدوكم وعدو أمير المؤمنين، وقد أمرتُ لكم بذلك، وأجّلتكم ثلاثة أيام، وأعطيت الله عهدًا يؤاخذني به، ويستوفيه مني، لئن تخلف منكم بعد قبض عطائه أحد لأضربن عنقه، وليُنْهَبن ماله[4].

نساء خطيبات

لم تكن الفصاحة والخطابة حكرًا على رجال العرب دون نسائهم؛ فقد كان هناك خطيبات فصيحات شهيرات، ذكر ابن الأثير في أسد الغابة أن أسماء بنت يزيد الأنصارية الأسدية الأشهلية أتت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو بين أصحابه؛ فقالت: «بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنّا بك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجُمَع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا أو مجاهدًا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربّينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها؛ فقال: «افهمي، أيتها المرأة، وأَعْلمي مَن خلفك من النساء أنّ حُسْن تبعُّل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته؛ يعدل ذلك كله»؛ فانصرفت أسماء تُهلّل[5].

مكانة وهَيْبة الخطابة

وللخطابة شأن وهَيْبة تعقد لسان الفصيح وسليقة الخطيب فقد قال زياد بن معاوية لجلسائه: مَن أغبط الناس عيشًا؟ قالوا: الأمير وجلساؤه. فقال: ما صنعتم شيئًا، إن لأعواد المنابر هيبة، وإن لقرع لجام البريد لفزعة، ولكنّ أغبط الناس عندي: رجل له دار لا يجري عليه كراؤها، وله زوجة صالحة، قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنه إن عرفنا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره، وأفسدنا دينه دنياه.

وقيل لعبد الملك بن مروان: أسرع إليك الشيب! قال: فكيف لا أشيب، وأنا أعرض عقلي على الناس في كل أسبوع -يعني الخطبة-.

وكتب المنذر إلى أبيه أبي المطرف عبد الرحمن بن الحكم (رابع أمراء الدولة الأموية بالأندلس) يسأله أن يأذن له في اعتلاء المنبر بالبلد الذي يوليه إياه ليُقيم الجمعة. فوقَّع على ظهر كتابه: «قالت الحكماء: لو كان الكلام من فضة، لكان الصمت من ذهب، وإني لأُشفق عليك مما تحسنه. فكيف مما توهم عليك بعض التقصير فيه؟».

وقال الأمير زياد لحارثة بن بدر: مَن أخطب الناس؟ أنا أم أنت؟ فقال: الأمير أخطب مني إذا توعد ووعد، وأعطى ومنع، وبرق ورعد، وأنا أخطب منه في الوفادة وفي الثناء والتحبير، وأنا أكذب إذا خطبتُ، فأحشو كلامي بزيادة مليحة شهية، والأمير يقصد إلى الحق وميزان العدل، ولا يزيد فيه شعيرة ولا ينقص منه. فقال زياد: قاتلك الله، لقد أجدتَ تخليص صفتك وصفتي؛ من حيث أعطيت لنفسك الخطابة كلها، وأرضيتني وتخلصت. ثم التفت إلى أولاده، وقال: هذا لعمركم البيان الصريح.

 


 


[1] جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، ٣/‏١٣٦٦.

[2] الكامل في اللغة والأدب، المبرد، ٤/‏٤.

[3] مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، ١/‏٣٦١.

[4] المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، ٦/‏١٥٣.

[5] أسد الغابة في معرفة الصحابة، عز الدين ابن الأثير، ٧/‏١٩.

أعلى