• - الموافق2026/04/19م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
«باركس»  مدينة عربية في قلب الهند

ما قصة حي «باركس» في حيدر آباد الذي أسسه جنود يمنيون قبل قرون، وكيف نجح أحفادهم في الحفاظ على هويتهم العربية وسط مجتمع هندي مختلف؟ وهل يهدد تراجع اللغة العربية اليوم باندثار هذا التراث الفريد الذي صمد طويلًا أمام تحديات الزمن والتحولات الثقافية


في الجنوب الهندي، تتلألأ مدينة حيدر آباد كجوهرة من جواهر التاريخ، أنشأتها أيادي سلاطين القطب شاهي، فكانت شاهدة على عظمة ممالك الهند الإسلامية.

وفي وسط هذه المدينة العريقة، يختبئ حيٌّ نابض بالحياة، يفوح منه طيب الجزيرة العربية، ويشهد على قصة هجرة فريدة من نوعها: إنه حي «باركس».

يُعدّ «باركس» نموذجًا حيًّا لتلاقي الثقافات؛ حيث يعيش فيه أحفاد جنود يمنيين قدِموا إلى الهند قبل قرون، ليصنعوا لأنفسهم هوية تجمع بين أصولهم العربية العريقة وجنسيتهم الهندية. وعلى الرغم من اندماجهم في المجتمع الهندي، فإنهم استمروا متمسكين بتراثهم العربي الأصيل، ليكونوا جسرًا ثقافيًّا يربط اليمن بالهند.

 

من اليمن إلى حيدر آباد: حكاية هجرة فريدة

تبدأ قصة «باركس» قبل قرون، وكانت منطقة «الدَّكَن» في جنوب الهند تربطها علاقات تجارية ودينية عميقة بالمنطقة العربية. وفي إطار تلك العلاقة، بدأت أفواج من اليمنيين، من منطقة «حضرموت» الهجرة إلى الهند في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وهم لم يكونوا مجرد تجار أو رحّالة، بل كانوا جنودًا مهرة، وتم استقدامهم للخدمة في جيش نظام حيدر آباد.

كان حُكّام النظام بحاجة ماسّة إلى جنود يتمتعون بالولاء المطلق، خاصةً في ظل الصراعات مع الممالك المُنافِسة المجاورة. ووجدوا في الجنود العرب الحضارمة إخلاصًا لا يتزعزع، ففضَّلوا الاعتماد عليهم على حساب الجنود المحليين الذين كانوا عُرْضة للانشقاق.

تشير المصادر التاريخية إلى أن «عبيد صالح أبو الليل السلامي» يُعدّ أول قائد عربي في جيش النظام السادس «مير عثمان علي خان»، وكان له دور محوري في تأسيس حي «باركس». ففي عام 1880م، خصَّص النظام قطعة أرض قريبة من قَصْره لإيواء الجنود العرب، الذين لم يقتصر دورهم على القتال، بل تولوا أيضًا مهام إدارية مثل جمع الضرائب. وقد أُطلق على الحي اسم «باركس: Barracks»، وهي كلمة إنجليزية تعني الثكنات العسكرية، إشارة إلى وظيفته الأولى كمقر لإقامة الجنود اليمنيين.

مزيج ثقافي فريد: الحفاظ على الهوية في زمن الاندماج

مما يتميز به مجتمع «باركس»: قدرته الفائقة على الحفاظ على هويته اليمنية والعربية، رغم الاندماج الكامل في الثقافة الهندية. يظهر هذا المزيج الثقافي الفريد في مختلف ظروف حياتهم:

-اللغة: رغم أن الأردية هي اللغة الرسمية السائدة، إلا أن الأجيال القديمة ما زالت تتحدث العربية بطلاقة، مما يُثري المشهد اللغوي للحي.

 -الدين: يتبع معظم مسلمي «باركس» المذهب الشافعي، على عكس غالبية مسلمي حيدر آباد الذين يتبعون المذهب الحنفي، وهو تقليد ديني يعكس أصولهم اليمنية.

-المطبخ: يشتهر مطبخ «باركس» بكونه نقطة التقاء بين النكهات اليمنية والهندية. فإلى جانب الأطباق الهندية التقليدية، تُعدّ الأطباق اليمنية مثل «المندي» و«الكبسة» و«الحريص» جزءًا لا يتجزأ من المائدة.

-اللباس: ما زال بعض أبناء المجتمع، خاصة كبار السن، يرتدون «الإزار» و«العمامة» اليمنية، مما يمنح الحي طابعًا شرقيًّا مميزًا.

-العادات الاجتماعية: يحرص أبناء «باركس» على التجمعات العائلية بعد صلاة الجمعة؛ حيث يجتمعون في «المجلس» لتناول الطعام، وهي عادة مُتجذّرة في الثقافة العربية.

التحديات التي تواجه الهوية العربية

على الرغم من هذا التمسُّك بالتراث؛ يُواجه مجتمع «باركس» تحديات حقيقية متعددة.

يُلاحظ الأستاذ «العسيري»، وهو أحد أبناء الحي، أن استخدام اللغة العربية بدأ يتراجَع بين الأجيال الشابَّة لصالح الأردية والإنجليزية؛ نظرًا لغياب الدعم التعليمي الكافي للغة العربية.

ويقول: «في الماضي، كان هناك ضغط كبير على الطلاب للتحدث باللغة العربية، مما جعلنا نتقنها. أما اليوم، فاهتمام الجيل الجديد بها محدود، وهذا يُهدّد بضياع جزء من تراثنا».

مجتمع نابض بالحياة ومتعايش بسلام

حي «باركس» ليس مجرد موقع تاريخي، بل هو مجتمع نابض بالحياة يزخر بروح المبادرة. فشوارعه تَعجّ بالمحلات التجارية الصغيرة، التي تُبرز الروح الريادية لأبنائه. كما يتميز مجتمعه بالتكافل الاجتماعي؛ حيث تشتهر منظمات خيرية مثل «سبيل الخير» و«بيت المال» بتقديم المساعدات للفقراء والمساكين.

وما يُميِّز هذا الحي بشكل خاص هو الانسجام المجتمعي الذي يسود بين أبنائه من مختلف الأديان. وعلى عكس الانطباع الخاطئ بأنه حيّ إسلامي خالص، يَعِيش فيه عدد كبير من العائلات الهندوسية بسلام ومحبة؛ حيث يؤكد أحد أبنائه «سعود بن سعيد باعوم»: «هذه المنطقة مهد الوحدة الوطنية، ولم تشهد تاريخيًّا أيّ مشكلات طائفية».

يظل حي «باركس» شاهدًا حيًّا على عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين اليمن والهند.

إنه قصة مُلهمة عن مجتمع نجح في إيجاد موطنه في أرض غريبة، وحفظ أصالته، بينما انفتح على ثقافة جديدة، ليثبت أن التنوع الثقافي ليس مصدر تفرقة، بل هو مصدر قوة وثراء.

أعلى