• - الموافق2026/08/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مَن يصنع النصر؟  ومَن يدفع ثمن السقوط؟

كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

زاوية مُهمَّة في المسيرة الحضارية لأيّ أُمَّة، تتعلق بالصعود أو السقوط الحضاري والأُممي، فالتاريخ بِطُوله وعَرْضه يشهد -بين حين وآخر- ولادةَ دول وأُفولَ أخرى، ويشهد رَغَدًا واستقرارًا في حين أو مكان أو حقبة، ويشهد ضدّها، كما شهد أنواعًا من العقوبات والأخذ لأُمم كثيرة.

ومن التسطيح المقيت نسبةُ بعض النهايات الحسنة أو السيئة في أُمَّة من الأمم إلى جيلها المعاصر لتلك النهايات وحده! وإنما هي في الحقيقة نهايات بَنَتْها تراكماتُ الماضي والماضين، وسار على خطاها اللاحقون، إنها نهايات كانت تُنْسَج أوشحتها وتُبنَى وتُشَيَّد صروحها على مدى العقود أو ربما القرون السابقة، ولكن في غفلة من الأكثرين.

فالآثار الأممية ثقيلة المَحْمَل، بطيئة السير، لا تظهر إلا بعد جيل أو أجيال، بحسب ضخامتها، وقد تتسارع بما هو أقل من ذلك زمنًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]؛ فَتَوَسُّعُ قاعدة الاستقامة على شرع الله في مجتمع، أو انحسارُها؛ سببٌ لجلب أنواع البركات، أو رحيلها شيئًا فشيئًا؛ طردًا وعكسًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم : «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث»[1].

فتظهر بعد حين من الزمن نتائج الأعمال الكبرى والمشروعات العظمى الحسنة أو السيئة على مستوى الأُمَّة فما دون: التربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وغيرها من عموم البرامج والمشروعات، والسطحي قصير النظر يظن أنها من نتاج عصره ومعاصريه.

طوفان نوح -عليه السلام- استُحِقَّ على ذلك الجيل، بعد تراكمات السنين؛ ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27]، حتى وصلت الحال إلى طريق مسدود، واستحال الإصلاح المنشود؛ ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: 36]، ﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]،

أتدري كم لبث كل نبي في قومه! وهم يُكذِّبونه ويسخرون منه ويستهزئون به! إنها أزمان متطاولة، حتى إذا تراكمت الضلالات، واستحكمت الغواية، وحانت ساعة الصفر، وحق القول بالهلاك العام... حل القضاء، ونزل البلاء، وضاق الفضاء، فلم يُجْدِ النُّصْح، ولم تنفع الحيلة، فأصوات المصلحين كانت تنطلق في الفضاء، وتتهادى للأسماع، ولكن لا مُجيب! فالنخر كان قد بدأ في المبنى منذ وقت مبكّر، واستشرى على مدى الزمن، حتى وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة؛ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]، ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91]، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: 98].

حين نفتِّش في عمق التاريخ سنجد الكثير من الأمثلة، لأقوياء صادقين، وقادة مخلصين، ناؤوا بالحمل على أكتافهم، وقت تصدُّع البناء، وظهور نُذُر البلاء، وأُمّتهم تَخِرّ من السماء، لتهويَ في وادٍ سحيق، ولكن.. بعد فوات الأوان، فقد تفككت العُرَى، وتمزقت الأوصال، وانعدم المُعين أو قلّ، وفُقِد المُؤازِر أو ضلّ، فلا شاعرَ بالمصاب، ولا شاعرَ يصدح بالقصائد والخطاب، ولا مستمعَ لنُصْح أو عتاب، فيبقى هذا العصامي وحيدًا فريدًا، يسبح ضد تيار الفساد البنيوي والانهيار الاقتصادي والضعف العسكري والفساد الأخلاقي والتفكك الاجتماعي؛ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]؛ فالأمة ترهلت، فلم تعد قادرة على العودة معه إلى الجد، والنفوس تنعّمت، فلم تَقْوَ على متطلبات التقوى! فتسقط فوق رأسه دولته، ويتهاوى من حوله مجتمعه، والناس تظنّه هو السبب، ومنه كانت المصيبة والعطب، والأمر لا يعدو أن يكون فيروسًا استشرى في الجسد عبر السنين، غفل عنه أكثر الماضين، وغَذَّاه آخرون، حتى حانت لحظة السقوط والنهاية.

ضابط المخابرات السوفييتي الهارب إلى الغرب عام 1970م يوري ألكسندروڤيتش بيزمينوف له محاضرات في شرح إستراتيجيات تدمير الدول والمجتمعات، دون أن تُطلق رصاصة واحدة، منها محاضرة ألقاها عام 1984م؛ تضمنت ذكر أربع مراحل لتدمير المجتمعات؛ تعنينا منها هنا المرحلة الأولى عبر التركيز على تدمير الدين والأخلاق والترابط الأُسري والمجتمعي في المجتمع المستهدَف، وتكفي 15 إلى 20 سنة لإحداث هذا التغيير المنشود، ثم سَيُدِير المُلوّثون في هذا الجيل بأنفسهم عجلة الإفساد في مجتمعاتهم، كما لن يتقبلوا أي عملية غسل وتطهير وتنظيف، فقد أُصيبوا في وحدة المعالجة المركزية  (Central Processing Unit CPU)[2].

لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أن علماء وَقْتِه لو صمدوا في فتنة القول بخلق القرآن؛ ما استطاع المعتزلة ولا عصاهم «المأمون فالمعتصم فالواثق»، ولا قدرت سلطاتهم أن تكسرهم، فلو صمد الكبار وأجمعوا على الامتناع، لانتهت المحنة وانقضت الفتنة ووُئِدَت في مهدها، ولكن استجابتهم الواحد تلو الآخر أغرت بالاستمرار وفتحت الباب للتمادي وطول أمد المحنة؛ فاستمرت من المأمون إلى المعتصم فالواثق، ولم تتوقف إلا في عهد المتوكل -رحمه الله-، قال حنبل بن إسحاق بن حنبل، -ابن عم أحمد بن حنبل-[3]: «سمعت أبا عبد الله -وذكر الذين حُمِلُوا إلى الرقة إلى المأمون، وأجابوا وهم سبعة- فذكرهم فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله -عز وجل-؛ لكان الأمر قد انقطع، وحَذِرَهُم الرجل -يعني: المأمون-، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. فكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ لذلك، فيقول: «هم أول مَن ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر».

فالسقوط الحضاري والأُممي غالبًا ليس مِن فِعْل المعاصرين وحدهم؛ فالمعاصرون في الغالب هم الحَجَر الأخير الذي بنَزْعه ينهار البرج، فلا يعدو الحاضر أن يكون مجرد إفراز للماضي وامتداد له، وقشَّة أُضيفت إلى ظهر البعير المُنهَك والمُحَمَّل أعباءً فقَصَمته، ولذلك نجد في التاريخ حُكامًا وولاة أقوياء، يكون قَدَرُهم أن يظهروا زمن الانحدار، ولا يألون جهدًا في النهوض، ولكنّ الحِمْل ثقيل، والركام هائل، فلم يستطيعوا الإنقاذ، فواصل المبنى انهياره.

‌‌ والأمر نفسه يقال في نهضة الأمة وتمكّنها وعزّها ورخائها وأمنها، فإنه يُبنَى عبر عقود أو قرون؛ ففتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي سبقته جهود جبارة في إعادة الأُمّة إلى العلم والعمل؛ فالمدارس النظامية[4] -على ما فيها من انحراف عقدي بحسب السائد وقتها-، قد انتشرت في شرق العالم الإسلامي ووسطه على مدى قرن ونصف القرن قبل هذا الفتح المجيد.

ولربما امتد الرخاء والأمن في أُمَّة أو دولة رغم توقف أسبابه! لأن آثار هذا التوقف ليست فورية فلن يشهدها هذا الجيل، ولن تظهر إلا بعد حين!

وعلى المستوى الأدنى... فما أكثر ما يُظلَم مسؤولٌ أحرق نفسه بالعمل الجاد والبناء والتأسيس والتأصيل، ثم يرحل من مكانه ذلك لأيّ سبب، ليأتي بعده مسؤول (ناعس) يَدُور على تلك المشروعات مصحوبًا بمراسم الافتتاح والإطلاق، لتُصَبّ في رصيده الفارغ أصلاً، وتُدَوَّن ضمن سيرته الذاتية، وتحسب تلك الإنجازات الضخمة ضمن مسيرة عصره الزاهر! والمضحك المبكي أنه قد لا يعرف الكثير عن الكثير منها.

والأسوأ حالاً أن ترى هذا الصنف يحارب أسباب النجاح التي قَعَّدها وأَصَّلها السابقون بعرق الجبين وسهر الليالي، وهو الذي يتفيأ ظلالها اليوم، وينعم بآثارها ومنجزاتها، ويهدب ويقطف من ثمارها! مستعيدًا قصة ذلك الأحمق الذي اعتلى شجرة سامقة، وامتطى غصنًا غليظًا منها، وبدأ ينشر الغصن مما يلي الشجرة.. ليسقط على أُمّ رأسه، ويلحقه غُصنه ومنشاره.

ومن الطرائف الحقيقية الشاهدة لهذا أن مقرًّا عسكريًّا فُرِضَ عليهم في إحدى الحروب رباطٌ، ولكن في مُجَمّعهم السكني مع أهاليهم (تحت الطلب)؛ فكانت هناك إنجازات (اجتماعية) لم يظهر أثرها الواضح إلا بعد ست سنوات، حين اضطروا داخل هذا السكن لفتح فصل إضافي آخر للصف الأول الابتدائي!! لاستقبال القادمين إلى الحياة، من آثار ذلك الحجر أو الرباط! ثم عادت المياه إلى مجاريها في العام القادم بالاكتفاء بفصل واحد!

فهل نجعل مِن أنفسنا لبنة في بناء الأمة وحلقة في سلسلة مَجْدها ونهضتها، علم ذلك مَن عَلِمه، وجهله من جهله، ما دام الله -تبارك وتعالى- يعلمه، فلقد قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- في الذَّبّ عن عِرْض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجاء مشركي مكة:

هَمَّت سخينة أن تُغالِب ربّها

فَلَيُغْلَبَنَّ مُغالِب الغلّاب

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أمَا إن الله لم يَنْسَ لك ذلك».[5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 


[1] أخرجه البخاري في أربعة مواضع: (3168، 3403، 6650، 6716)، ومسلم: (2880).

[2] في كتابه: «ذكر محنة الإمام أحمد» (34).

[3] انظر: مجلة البيان، العدد: (473) في 29 من ذي الحجة 1447هـ.

[4] المدارس النظامية هي المدارس التي أُسِّست في عهد الدولة السلجوقية، أسَّسها الوزير الشهير نظام الملك (الحسن بن علي الطوسي) في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إليه؛ لأنه أول مَن خطَّط لها، وأنشأها، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة.

[5] أخرجه الحاكم (6065)، وقوَّاه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1970).

أعلى