• - الموافق2026/07/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}

كيف تبني آية ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ شخصية المؤمن، بجعل كل نعمة مسؤولية، وكل إحسان شكرًا لله، في توازن يجمع عمارة الدنيا، وابتغاء الآخرة، والإصلاح، وخدمة الخلق، بلا إفراط أو تفريط؟


الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

وردت هذه الجملة في سياق قصة من أعظم القصص القرآنية عبرة؛ قصة قارون الذي آتاه الله من الكنوز ما إنّ مفاتحه لَتَنوء بالعصبة أُولي القوة، فطغى بنعمة الله عليه وتكبَّر، وزعم أنه إنما أُوتِي هذا المال على عِلْم عنده، فلم يَشكر المُنعِم، ولم يرَ لأحد عليه فضلًا.

عندئذ جاءه الخطاب الرباني على لسان الصالحين من قومه، ناصحين له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].

قال الرازي: «فَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْوَعْظِ مَا لَوْ قَبِلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَزِيدٌ»؛ كما في مفاتيح الغيب (25/ 15).

فقوله: «أحْسِن» أمرٌ بالإحسان، وهو أرفع من مجرد العدل؛ فهو إتقان وتجويد للعمل وزيادة على الحق الواجب. وتفاوتت عبارات المُفسّرين فمنهم:

مَن ربطه بطاعة الله وعبادته.

مَن ربطه بالإحسان إلى عباد الله بالمال والجاه وطلاقة الوجه.

وقال ابن العربي: «ذُكِرَ فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، جِمَاعُهَا: اسْتَعْمِلْ نِعَمَ اللَّهِ فِي طَاعَتِه».

والذي يظهر عموم ما يشمله الإحسان ويدل عليه؛ كما قال ابن عاشور: «وحذف مُتعلّق الإحسان لتعميم ما يُحْسن إليه؛ فيشمل نفسه وقومه ودوابّه ومخلوقات الله الداخلة في دائرة التمكُّن من الإحسان إليها. وفي الحديث: «إن الله كتب الإحسان في كل شيء». فالإحسان في كل شيء بحسبه، والإحسان لكل شيء بما يناسبه، حتى الأذى المأذون فيه فبقَدْره كما في تتمة الحديث: «وإذا ذبحتم فأَحْسِنوا الذِّبحة».

ومن المعاني اللطيفة في الإحسان إلى النفس ما ورد عن الإمام مالك -رحمه الله- لما سُئِلَ عن: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}؛ ما هو؟ قال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مُضيّق عليه في شيء.

وفي المقابل، من الإحسان إلى النفس ما ذكره عدد من المفسرين من معاني قوله: {وَأَحْسِنْ}؛ وأَحْسِن إلى نفسك في العمل للآخرة.

وكلمة {كَمَا} تربط إحسان العبد بإحسان الله ربطًا يجعل الأول ثمرة للثاني، وهل الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل؟ اختلفت في ذلك ترجيحات المفسرين، ولا إشكال في جواز الوجهين؛ فالكاف للتشبيه، وهو يكون في بعض الأوصاف؛ لأن مماثلة إحسان العبد لإحسان الله من جميع الصفات يمتنع أن تكون؛ فالتشبيه وقع في مطلق الإحسان، أو تكون الكاف للتعليل، أي: أحْسِن لأجل إحسان الله إليك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198].

وقوله: {أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}؛ هذا التذكير هو مفتاح الآية؛ فقبل أن يُطالَب العبد بالإحسان، يُذكَّر بأن الله قد أحسَن إليه أولًا، وإحسان الله لا يُحْصَى: في الخلق والرزق والهداية، وفي كل نعمة ظاهرة وباطنة يتقلب فيها العبد ليل نهار وهو غافلٌ عنها أحيانًا كثيرة. ومَن استحضَر عِظَم هذا الإحسان استحيا أن يُقابله بالتقصير.

وإذا ربطنا هذه الجملة بما قبلها وما بعدها نجد أن الإحسان داخل في عموم ابتغاء الدار الآخرة، ولكنّه ذُكِرَ هنا ليبني عليه الاحتجاج بقوله: {كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}؛ وهذا يلفت النظر إلى الدائرة التي يأتي فيها الإحسان؛ وهي التوازن الشرعي بين الدنيا والآخرة، وتحذير مما يهدم الإحسان؛ فالآية تُوجِّه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾؛ فاطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة. فإن مِن حق المؤمن أن يَصْرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبُّر والبغي.

وطلب الآخرة لا يعني الانقطاع عن الدنيا؛ قال ابن العربي: «وأبدَع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنسَ نصيبك الحلال، فهو نصيبك من الدنيا، وما أحسن هذا!»، فليس من الإحسان أن يُجهد المرء نفسه حرمانًا باسم الزهد، كما أنه ليس من الإحسان أن ينغمس في الدنيا حتى ينسى الآخرة. وكأن التنبيه إلى عدم نسيان نصيب النفس من الدنيا يشعر بانطلاق هذه النفس إلى ابتغاء الآخرة متأثرة بهذه الموعظة لدرجة نسيانها نصيبَها من الدنيا مما اقتضى تذكيرها بهذا النصيب والبُلغة من الدنيا، فلا رهبانية في الإسلام.

وخُتِمَت الآية بالتحذير من خَلْط الإحسان بالفساد؛ فإن الفساد ضد الإحسان؛ ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ فمَن قابَل النعمة بالإحسان كان مُصْلِحًا، ومَن قابلها بالبطر كان مُفْسِدًا. وقد قال كثير من المفسرين: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ}؛ أي: لا تعمل بالمعاصي.

ومن هنا، فالآية بهذا الترتيب تُربِّي في القلب معنى المراقبة؛ كلما نظر العبد في نعمة أنعم الله بها عليه، تذكَّر أنها تستوجب منه ردًّا من جنسها إلى مَن حوله.

وفي هذا تربية للنفس بأن يستحضر العبد وهو يُقدِّم على أيّ إحسان أنه إنما يَرُدّ جزءًا يسيرًا مما أعطاه الله إياه أولًا، فلا يَمُنّ به على أحد، ولا يَستكثره، لأنه ليس مبتدئًا بالعطاء، وإنما هو مجرد ناقل لفضل سابق تفضَّل به خالقه.

والإحسان ليس بابًا واحدًا، بل هو خُلُق شامل يبدأ بالقلب في عبادته لله، ويكتمل بالتعامل الحسن مع الخلق أجمعين.

فكما أحسَن الله إليك بأن هداك للإسلام، فأَحْسِن بأن تتمسَّك بالطاعات حتى الممات؛ ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أحسَن الله إليك بأن يسَّر لك أسباب الهداية، فأحْسِن بأن تسعى في نشر الهداية.

أحسَن الله إليك بالعِلْم، فأَحْسِن بأن تبذله لتعليم الناس.

أحسَن الله إليك بحفظ القرآن، فأحْسِن بأن تتلوه وتعمل به وتُعلّمه.

أحسَن الله إليك بأن سخَّر لك والدَيْن رحيمين بك، فأَحْسِن ببرّهما وخفض الجناح لهما، وكما فعلا بك من الإحسان فافعلْ في ذريتك.

أحْسَن الله إليك بالعافية، فأَحْسِن بأن تُسخّر جوارحك في طاعته وقضاء حوائج الضعفاء.

أحْسَن الله إليك بالمال، فأَحْسِن بأن تفيض منه على الفقراء دون شُحّ.

أحْسَن الله إليك بالجاه، فأَحْسِن بأن تستعمله في نُصْرة المظلومين ومساعدة المحتاجين.

أحْسَن الله إليك بالذرية الصالحة، فأَحْسِن بتربيتهم وتأديبهم.

أحْسَن الله إليك بأن هيَّأ لك وظيفة أو مهنة، فأَحْسِن في العمل والمسؤولية: بإتقانها وأدائها على أكمل وجه.

أحْسَن الله إليك بالستر، فأَحْسِن بأن تستر عورات المسلمين.

أحْسَن الله إليك بطول العمر، فأَحْسِن بأن تغتنمه في العمل الصالح وعمارة الحياة.

أحْسَن الله إليك بالوقت، فأَحْسِن بأن تغتنمه فيما ينفعك وينفع غيرك.

أحْسَن الله إليك بتفريج الشدة، فأَحْسِن بأن تكون رفيقًا بالمبتلين وتُخفّف عنهم.

فمَن استحضر هذه المجالات جميعًا، وسعَى لتحقيق الإحسان فيها، كان ممن امتثل لهذا الأمر الرباني الجامع، وكان ممن يُرْجَى أن يقول الله فيه كما قال في المحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

وأخيرًا، تذكّر أن الإحسان منهج حياة متكامل، يبدأ من القلب ويكتمل بتمثّله في الواقع، وكما أن الله قد أَحْسَن إليك بنِعَم لا تُحْصَى، فلْتكن مُحسنًا بجميع ما تستطيع؛ ليكن شعارك: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.

 

أعلى