لماذا ينقلب الظالمون على بعضهم رغم تحالفهم، وهل ما نراه اليوم من صراعات بينهم مجرد سياسة أم تجلٍّ لسُنّة ربانية قديمة؟ وكيف تحمل هذه الظاهرة رسائل عدل وإنذار لكل من يسلك طريق الظلم كما يناقش هذا المقال بطرح لافت ومثير للتأمل؟
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه،
وبعد:
في ظل الأحداث الراهنة، والحرب القائمة؛ تحضر مقولة الفضيل بن عياض -رحمه الله-:
«إذا
رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم؛ فقف، وانظر فيه متعجبًا»؛
أي: متأملًا في دقة التدبير الإلهي، وكيف أن الله يجعل بعضهم لبعض عذابًا.
وقد توارد كثير من المفسرين على ذِكْر هذا الأثر عن الفضيل عند تفسير قوله تعالى:
{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
[الأنعام: 129].
وهذه الآية تشير إلى سُنّة من السنن الإلهية الثابتة، التي لا تتبدل ولا تتحوَّل؛
سُنة تسليط الظالمين بعضهم على بعض، وجعل بأسهم بينهم شديدًا.
إنها آية مُحكَمة تحمل قانونًا ربانيًّا، وإنذارًا للظلمة؛ أفرادًا ومجتمعات
ودولًا، في كل زمان ومكان بأنّ عاقبة ظلمهم وخيمة، ليس في الآخرة فقط، بل في الدنيا
قبلها.
قال مالك بن دينار:
«قرأت
في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك
في كتاب الله قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}
[الأنعام: 129]».
قال الحافظ ابن كثير:
«كذلك
نفعل بالظالمين؛ نُسلِّط بعضهم على بعض، ونُهْلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض؛
جزاء على ظلمهم وبَغْيهم».
وإن التعليل لهذه السُّنة بقوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}؛ بيان
لعدالة هذه السُّنة، وأنها نتيجة حتمية لكَسْب أيديهم واختيارهم للظلم طريقًا.
فعندما يعمّ الفساد والظلم في أُمَّة أو جماعة، ويتحوَّل الطغيان إلى نَهْج وممارسة
سائدة؛ فإن السنن الإلهية تقتضي أن يُبتلَى الظالمون من جنس عملهم.
وجاء في السنة النبوية إشارة إلى هذا المعنى؛ فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم :
«وَلا
تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا»؛
مما يدل على أن تسليط الظلمة عقوبة وابتلاء.
ولهذه السُّنّة حِكَم بالغة تظهر للمتأمل، منها:
1-صرف شرورهم عن المؤمنين: فمن رحمة الله بعباده الصالحين أن يَشْغل الظالمين
بأنفسهم، فإذا انشغلوا بالتناحر والاقتتال فيما بينهم، انشغلوا عن إيذاء غيرهم، ولو
مؤقتًا.
2-تعجيل العقوبة في الدنيا: قبل أن يَلْقى الظالم ربّه فيحاسبه على ظلمه للآخرين،
يُذيقُه الله مرارة الظلم ممن هو على شاكلته، فيكون ذلك عبرة له ولغيره، وكسرًا
لشوكة الكبرياء في نفسه. فكثيرًا ما نرى ظالمًا بالأمس قويًّا شامخًا، فإذا به
اليوم ذليلًا تحت أقدام ظالم آخر أشد منه.
3-إنها رسالة واضحة أن الباطل ليس كيانًا مُوحَّدًا، بل هو متصدّع في ذاته، وأنّ
أهله لا يلبثون أن يختلفوا؛ قال تعالى في وصف الظالمين يوم القيامة: {إِذْ
تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166]؛ وهذا التبرؤ والعداوة يبدأ
في الدنيا حين يُسلَّط بعضهم على بعض.
4-إظهار عدالة الله في خَلقه؛ فالعقوبة من جنس العمل، قال ابن القيم -رحمه الله
تعالى-:
«وقد
جعل الله -سبحانه- أعمال البَرّ والفاجر مُقتضِيات لآثارها في هذا العالم اقتضاءً
لا بد منه؛ فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة، سببًا لمنع الغيث من السماء، والقحط
والجدب.
وجعل ظلم المساكين، والبخس في المكاييل والموازين، وتعدّي القوي على الضعيف، سببًا
لجَوْر الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استُرحِمُوا، ولا يعطفون إن
استُعْطِفُوا، وهم في الحقيقة أعمال الرعايا، ظهرت في صور ولاتهم!!
فإن الله -سبحانه- بحِكْمته وعدله يُظْهِر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها،
فتارةً بقحط وجدب، وتارةً بعدوّ، وتارة بولاة جائرين، وتارة بأمراض عامة، وتارة
بهموم وآلام وغموم تحضرها نفوسهم لا ينفكُّون عنها، وتارة بمنع بركات السماء والأرض
عنهم، وتارةً بتسليط الشياطين عليهم تؤزّهم إلى أسباب العذاب أزًّا؛ لتَحِقّ عليهم
الكلمة، وليصير كلّ منهم إلى ما خُلِقَ له.
والعاقل يُسَيِّر بصيرتَه بين أقطار العالم، فيشاهد وينظر مواقع عدل الله وحكمته،
وحينئذ يتبيّن له أن الرسل وأتباعهم خاصة، على سبيل النجاة، وسائر الخلق على سبيل
الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون، والله بالغ أمره، لا مُعقِّب لحكمه، ولا
رادّ لأمره، وبالله التوفيق»
انتهى من زاد المعاد (4/333- 334).
إن المتأمّل في واقع العالم اليوم يرى مصداق هذه الآية في أحداث لا تُحصَى؛ حيث نرى
تحالفات الظلم الدولية والإقليمية تبدأ متآزرةً، ثم سرعان ما تنقلب إلى صراعات
دموية وتنافُس محموم يأكل بعضها بعضًا. نرى الطغاة والمستبدين يجمعهم الظلم
والطغيان، ثم تثور بينهم الخلافات على المصالح والنفوذ، فيُهلك بعضهم بعضًا بيده.
بل إنّ التاريخ حافل بشواهد على أن الإمبراطوريات الظالمة لا تُدمّرها الجيوش
الخارجية بقَدْر ما تُهدَم من الداخل بتنازع قادتها وخيانة حاشيتها.
إن سُنّة الله في تسليط الظالمين بعضهم على بعض هي سُنّة عدل ورحمة في آنٍ واحد؛ هي
عدل لأنها جزاء وفاق لما كسبته أيديهم، وهي رحمة لأنها تُريح المستضعفين من شرورهم
ولو مؤقتًا، وتكون درسًا بليغًا لكل مَن تُسوّل له نفسه الظلم أن عاقبته وخيمة.
والواجب على المؤمن أن يَعتبر بهذه السُّنة فلا يظنّن أن تمادي الظالم في طغيانه
علامةُ قوة دائمة، بل هو إمهالٌ من الله حتى يُبتَلى بظالم مثله أو أشد منه. وليعلم
المؤمن أن النجاة الحقيقية هي في التمسك بدين الله والاعتصام بالوحيين، والفرار من
الفتن والظلم، فإنه إن وقع الظلم فلن ينجو منه إلا مَن عصمه الله.
وإنه لا تدوم للظلم دولة؛ {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا
صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31]، والله ينتقم من
الظالم بظالمٍ مثله، ثم ينتقم من الظالمين أجمعين، وتكون العاقبة للمتقين؛
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
[يوسف: 21].