• - الموافق2026/03/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
المسيح المخلّص

هل ما يجري في الشرق الأوسط مجرد صراع سياسي عابر، أم أنه جزء من مشروع ديني واستراتيجي أوسع تقوده قوى كبرى لإعادة رسم خريطة المنطقة؟ ولماذا يتكرر الحديث عن «إسرائيل الكبرى» والتحالفات الجديدة بينما تُدفَع دول المنطقة تدريجيًا إلى قلب الصراع؟

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

في مشهد نادر كان الرئيس الأمريكي ترامب جالسًا بهدوء غير معتاد في مكتبه بالبيت الأبيض، يحيط به مجموعة من القساوسة يضعون أيديهم عليه، ويدعون أن «يبارك الرب رئيسنا في هذه الأوقات الصعبة، وأن ينصره على أعدائه».

يأتي هذا بينما تكشف مؤسسة الحرية الدينية العسكرية الأمريكية تلقّيها أكثر من مئتي شكوى من ضباط وجنود يقولون: إن قادتهم أخبروهم أن الحرب على إيران مُباركة من يسوع، وستؤدي إلى معركة هرمجدون، وكان وُعّاظ الجيش يمتدحون ترامب ويصفونه بالمسيح المُخلّص! والغريب أن هذا الوصف لترامب موجود حتى لدى الوُعّاظ الأرثوذكس وبعض علماء اليهود. على الرغم من سبق إطلاق بعض الوعاظ الأرثوذكس على ترامب لقب المسيح الدجال.

والذي يهمنا هنا هو البُعد الديني وراء دخول الإدارة الحالية للحرب في المنطقة، ويؤيده تصريح السفير الأمريكي في القدس «أن الرب وعد أبناء إبراهيم بما بين النيل والفرات، وأن من حق «إسرائيل» أخذها»، وهو ما يتَّسق مع طرح نتنياهو المتكرّر لهدف تحقيق «إسرائيل الكبرى».

ولذا أُطلق على الهجوم الحالي على إيران اسم «درع يهودا»، والذي استُبدل بـ«زئير الأسد»، وكذلك ربط نتنياهو بين الهجوم التدميري على إيران وبين ما حدث في فارس القديمة من إبادة الوزير هامان وأتباعه بتدبير الملكة إستير اليهودية، وهو ما يحتفل به اليهود حتى يومنا هذا في هذه الأيام؛ فالعيد المسمى البوريم، أو عيد المساخر المرتبط بمظاهر الفرح والسرور والمسيرات التنكرية في الشوارع، والذي يوافق هذه السنة اليومين السابع والثامن من الشهر الثالث الميلادي؛ فاحتفالاتهم هذه السنة تتم في أثناء العمليات الهجومية.

ومن الغريب أن نتنياهو قد انفلت لسانه بكلام صريح يدلّ على حالة الاطمئنان والركون لصلابة وثبات الموقف الأمريكي؛ فقد صرّح قبيل الحرب في خطاب مرئي بما نصّه: «نملك تحالفًا استثنائيًّا وتاريخيًّا مع الولايات المتحدة كدولة، وكذلك العلاقات الشخصية مع الرئيس ترامب، لكنّ هذا التحالف ليس معناه أننا لا نبحث عن تحالفات جديدة، بل نقوم بذلك فعلاً؛ ففي تصوّري سوف نخلق منظومة كاملة من سلسلة تحالفات هنا في داخل الشرق الأوسط، تشمل الهند ودولاً عربية ودولاً إفريقية ودولاً في الشرق الأوسط، اليونان وقبرص، ودولاً في آسيا، لا حاجة أن أُفصّل فيها الآن. القصد هو أن نخلق محورًا من دول ترى الواقع والتحديات والأهداف على قدم المساواة وبنفس الطريقة ضد المحور المتطرف، لا سيما المحور الشيعي الذي وجّهنا له ضربات قوية، وكذلك المحور السني الأصولي المتطرّف، وبالتالي فالتعاون بيننا وبين هذه الدول يُتيح لنا أمورًا كثيرة، ويُقوّي مناعتنا ومستقبلنا». هذا الخطاب أساس في فَهْم طريقة تفكير اليهود في كيفية إدارة المرحلة الحساسة التي يُقصَد منها إحكام السيطرة على المنطقة كلها.

وأخطر ما في هذه المرحلة أن اليهود تجاوزوا مرحلة التنسيق والتخادم مع إيران إلى مرحلة الاستئثار بالسيطرة على المنطقة، ويرون أن الوقت قد حان لتكوين إسرائيل الكبرى، بعد تحطيم المحور الشيعي، والتفرغ للتعامل مع المحور السُّني الصاعد الذي يجب التصدي له قبل أن يتشكّل بصورة صلبة.

ولتصوُّر أطراف المحور ننظر في أطراف التحالف التي تحدث عنها نتنياهو؛ فالهند تقابلها باكستان، واليونان تقابلها تركيا، والدولة العربية التي لم يذكر اسمها -والتي قد تكون الإمارات- تقابلها السعودية.

ومن الإشكالات الكبيرة أن هناك محاولة لتفكيك وإجهاض المحور السُّني قبل تشكله، وتدميره بشكل فردي استباقي، وذلك بإقحامه بالصراع الحالي مع قطب المحور الشيعي «إيران».

ومن هنا نلاحظ تداول الأخبار حول تدخُّل «إسرائيل» في افتعال عمليات بقصد توريط دول الخليج وتركيا في الحرب، ومن ذلك استهداف رأس تنورة والسفارة الأمريكية في الرياض والصاروخ البالستي فوق تركيا، ونفي إيران صلتها، وهو ما يَطرح شكوكًا قوية، ويقتضي التقصي حول الجهة المنفّذة سواء كانت إيران أو «إسرائيل»، أو غيرهما من الأطراف، وهو ما يبدو من ردود الأفعال المتأنية.

والخطر الثاني هو استهداف «إسرائيل» وأمريكا مصافي النفط ومحطات تحلية المياه في إيران؛ مما يُهدّد بردّ للأهداف المماثلة، وهي مشكلة مُركّبة تُوقع دول الخليج في مأزق عسكري وإداري خطير.

والمهم هنا معرفة أن إيران المأزومة لا تريد زيادة أعدائها، بل تبحث عن ترسيخ تحالفات وإرسال التطمينات المغلَّفة بالتهديد، ويقابل ذلك حرص أمريكا و«إسرائيل» على غمس دول المنطقة في الحرب بصورة مباشرة؛ بغض النظر عن مستقبل هذه الدول ومصالحها بعد توقف الحرب أيًّا كانت النتائج.

فخروج إيران من حلبة الصراع يعني استفراد أمريكا و«إسرائيل» بالمنطقة، وشروع النصارى في خوض الملحمة الكبرى، وهو ما يعني إشعال حروب دامية في المنطقة تلزم لنزول المسيح -حسب معتقدهم-، وفي نفس الوقت تعطي لليهود فرصة للتوسع وتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى».

وللوقوف أمام المشروع التدميري والاحتلالي للمنطقة يجب إعادة التفكير في كل السياسات، وتقييم كل الممارسات التي كانت تهدف لتسهيل احتلال المنطقة، ولا نرى حلاً للأزمة ومخرجًا من هذا المأزق إلا بتكوين تحالف سُنّي حقيقي، وفهم الهدف القريب القادم للتحالف الصليبي اليهودي؛ فالدول إما أن قد تتجمّد عند إثارة شعارات معينة من قبيل محاربة «الإسلام الأصولي»، وهو ما يَصُبّ في مصلحة تحقيق حلم نتنياهو.

 في المقابل يجب أن تكون هناك وقفة جادة تنفض عن المنطقة عقود التبعية والتغريب، وتتعاون على الدفاع عن الذات والكينونة، وأن نعي ذاتنا وقُدراتنا ونعتز بديننا؛ فهم يخافوننا إذا رجعنا إلى كوننا نُعبّر حقًّا عن أهل السنة والجماعة، ونخرج من بوتقة التبعية.

وينبغي أن نكون على وَعْي بالمكر الغربي، ففي هذه الظروف المصيرية هناك مَن يسوق لجرّ المسلمين لمذبح ترامب ونتنياهو، فيدعو لتحالف مع النصارى واليهود، ويدّعي أن ذلك يتوافق مع أحاديث آخر الزمان، وهي فِرية وكذبة تخدم مشروع توسُّع اليهود الحالي.

 ونحن موقنون بوقوع كل ما صحّ وثبت أن نبينا محمد # أخبر عنه؛ ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود: «ستُصالِحونَ الرُّومَ صلحًا آمِنًا؛ فتَغْزونَ أنتم وهُمْ عدُوًّا مِن ورائِكم؛ فتُنصَرون وتَغْنَمونَ وتَسْلمونَ، ثم ترجِعونَ حتَّى تَنزِلوا بمَرْجٍ ذي تُلولٍ، فيرفَعُ رجلٌ من أهلِ النصرانيَّةِ الصليبَ، فيقولُ: غلَبَ الصليبُ؛ فيغضبُ رجلٌ مِنَ المسلِمينَ فيدُقُّه؛ فعِندَ ذلك تَغْدِرُ الرُّومُ وتجمَعُ للملحمةِ».

فمن أدخل اليهود في هذا الحلف فقد افترى؛ فاليهود يخصهم حديث الشجر والحجر؛ فهم أحقر من أن يتحالف معهم أهل الإسلام، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي # قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ، فيقتلُهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديُّ من وراءِ الحجرِ والشجرِ، فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ: يا مسلمُ، يا عبدَ اللهِ، هذا يهوديٌّ خلفي، فتعالَ فاقْتلْه. إلا الغَرْقَدَ، فإنه من شجرِ اليهودِ».

 فقتالنا للنصارى واليهود ثابت، وهو ما يعني أن فترة الاستضعاف الحالية مؤقتة، وأن هناك ظهوراً قادماً لأمة الإسلام وعزة منتظرة، نرجو أن تكتحل عيوننا ببعض تلك الأيام، وأن يكون اجتماعنا إيذانًا بفكاكنا وفرح قلوبنا بنصر الله؛ قال الله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} [الروم: 4 - 5].

أعلى