• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الجولة الأخيرة

هل تحولت أحداث السابع من أكتوبر من مواجهة فلسطينية محدودة إلى نقطة انعطاف أعادت خلط الأوراق الإقليمية وأسقطت رهانات التطبيع وأطلقت سباقًا على النفوذ والتحالفات وإعادة رسم الشرق الأوسط بين قوى متنافسة ومشاريع متصادمة ومصالح متغيرة؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه، وبعد:

لقد كان طوفان الأقصى بدايةً لأحداثٍ متتابعة تُشبه كرة الثلج المتدحرجة، تكبر وتزداد سرعتها، ولا تتحطّم إلا باصطدامها بهدفٍ أكبر منها. فمنذ السابع من أكتوبر وكرة الثلج تدور وتكبر، تصطدم بالعوائق وتُغيّر طريقها، ولكنها لا تقف، بل تكبر وتكبر ولن تقف. فحرب غزة بدايةً طالت حتى إنها عادت، بل وتعمّقت حالة العداء والرفض لـ«الدويلة اللقيطة» والمشروع الغربي للهيمنة من خلالها.

وبعد أن كانت «الدويلة اللقيطة» على وشك الإمساك بخناق دول المنطقة والسيطرة عليها من خلال تسويق الاتفاق «الإبراهيمي»، الذي بدا كأنه بوابة الدخول لمنطقة التكامل بين الأمان والرفاه الموعودين بصفقة القرن، وقرب اكتمال عقد التطبيع الذي كان يتم تسويقه بقوة في مقابل معارضة خجولة تبعث الاطمئنان في قلوب المخططين؛ كانت الصدمة أن الهدوء وانعدام المعارضة ظاهريًّا كانا يُخفيان عملًا جبارًا يجري بخفاء، فالعمل الجاد يستتر بستارٍ من السلبية واليأس المصطنع.

ولذا، فالطوفان كان مفاجئًا من ناحية القرار والإعداد، وبالتالي فالنتائج كانت أكثر من المتوقع، فمسار الأحداث انقلب رأسًا على عقب. فقبل السابع من أكتوبر كان المخطّط الغربي قائمًا على ما يمكن أن يُسمَّى الفخّ المزدوج، فقد وقعت إيران وأدواتها في فخّ محاولة تدمير المجتمعات السُّنية في أفغانستان والعراق وسوريا، وصولًا إلى لبنان واليمن، في تمدُّد دموي تحت المظلة الأمريكية التي بدا لزعماء الشيعة أنها دائمة. وكرَّر الشيعة من باطنية ورافضة إثني عشرية أخطاءهم السابقة المتمثلة بالتعاون مع الصليبيين أيام الحروب الصليبية، والمغول وقت اجتياحهم للعراق والشام، فالمكاسب الآنية تبقى مؤقتة، وتنقلب إلى خسارة طويلة المدى عند تعثُّر المشروع الأصلي؛ (الاحتلال الصليبي أو الاجتياح المغولي).

ويبدو أن المُخطّط الغربي الحالي قائم على تشجيع إيران على التمدُّد لتقع في فخّ العداوة المطلقة للعالم السُّني، والذي بدوره يتم تخويفه من إيران ليقع في فخّ القابلية للاستغلال في الحرب التي كانت تُعدّ لتحجيم إيران. وكان النجاح ظاهرًا، فإيران أصبحت العدو الأول، وكانت دول الخليج ترفع راية الحرب على إيران، وكان السبيل الوحيد لذلك هو التحالف مع «إسرائيل» لضمان المشاركة الأمريكية في الحرب.

ومرَّت مرحلة كان التقارب مع «إسرائيل» يتم تسويقه بدعوى دفع الخطر الإيراني، وخاصةً مع حالة الخصام المصطنعة مع تركيا. ففي حالة كون إيران خطرًا وتركيا عدوًّا، فلا مناص من التقارب أو التحالف مع القوة الباقية في الإقليم، وهي «إسرائيل»، خاصةً مع تراجع مصر كثيرًا في السنوات القليلة الماضية.

نعم، كان الوضع قبيل السابع من أكتوبر 2023م جاهزًا لتوجيه ضربة لإيران مِن قِبَل تحالف خليجي «إسرائيلي» كان ينقصه تبنٍّ أمريكي غير ممكن في فترة حكم الديمقراطيين، ولذا لا بد من الانتظار ليصل الجمهوريون للحكم، وتنطلق الحرب التي ستدفع فيها دول الخليج ضريبة الدم والمال، والتي ستُعيد تحجيم إيران، والأهم أنها ستُعلن بدء مرحلة قيادة «إسرائيل» لدول المنطقة، وتنفيذ مشروع «إسرائيل الكاملة»؛ بما يعنيه من تتابع النكبات حتى يكون همّنا الأول تحرير خيبر والمدينة!

ولكنّ الله رحم هذه الأُمّة بثُلّة من المجاهدين الذين حبَاهم بقدر كبير من الدهاء الممزوج بقدر أكبر من الشجاعة والإقدام والجَلَد والإصرار على تنفيذ جملة أهداف طموحة كانت تُعلَن أو تُسرَّب تباعًا، ولكن أهمّها كان منع استكمال طوق السيطرة «الإسرائيلي» على دول المنطقة، وتحطيم التحالف «الإبراهيمي»، ودَفْع الكيان للدخول في معضلة التعامل مع ارتدادات الطوفان والغرق في دوامات عنيفة لا تنتهي من ردود الأفعال المتشنجة.

وهكذا بدأت كُرَة الثلج تكبر وتُغيّر اتجاهها بسرعة متزايدة، فلم تَعُد الكُرَة فلسطينية خالصة، بل أصبح المُكوّن الفلسطيني ضئيلًا. فمع خفوت أصوات الحرب في غزة وتحوُّلها إلى أنين جوعى ومكلومين، اشتعلت حرب ضروس على جبهات الإقليم والعالم. فمع عجز اليهود عن حسم سريع لحرب غزة، حاولوا تحقيق نصر سريع بضرب حزب الله والتحرش بإيران وأذرعها بالمنطقة، وكانت النتيجة المباشرة هي سقوط نظام الأسد وخروج إيران من سوريا وعودة أهل السُّنة لحكم سوريا بعد حوالي ستين سنة من الحكم النُّصَيري، وهو ما أوجَد حالة من الهستيريا داخل الكيان، حتى صرح نتنياهو بأن «إسرائيل» قوية، وستُدمّر جميع أعدائها في المنطقة لتكوين شرق أوسط جديد.

وهنا خفت شعار أن لـ«إسرائيل» الحق في الدفاع عن نفسها، الذي كان يردّده جميع السياسيين في الغرب، ويرنّ صداه في المنصات الإعلامية، وبدأنا نسمع همهمات تحوَّلت إلى صرخات مفادها: لا للحرب لحساب «إسرائيل». بالتزامن مع تبجُّح «نتنياهو» أنه سيُدمّر التكتُّل الشيعي الذي تلقَّى ضربات مزلزلة، وسيتبعها بمواجهة التحالف السُّني الذي يتكوّن.

وهنا تورطت «إسرائيل» بمواجهة شرسة مع إيران كانت تُخطّط لها منذ سنوات برسم الخطط واختراق النظام، ولكن الحرب التي كان مقررًا لها أن تكون عربية بقيادة «إسرائيلية» ودعم أمريكي؛ تحوَّلت إلى حرب انفردت فيها أمريكا و«إسرائيل» بالقرار وتحمُّل النتائج.

وأصبح ملخّص الموقف العالمي أنها حرب غير قانونية وغير مُبرَّرة، ولهذا شنّ «ترمب» حربًا كلامية ضد الزعماء الأوروبيين، وتعدّاه إلى خلاف علني مع «البابا» الذي رفَض شرعنة الحرب ضد إيران. وبات واضحًا تحوُّل الكاثوليك بعيدًا عن حرب الهيمنة الصهيونية، وقادت إسبانيا هذا التيار بالتزامن مع بروز انشقاقات خطيرة في تيار «لتكون أمريكا عظيمة»، مع تنامي التساؤل المُلِحّ والجوهري: هل أمريكا أولًا أم «إسرائيل»؟

ومن هنا كان الطَّرْق على الوتر الحساس: هل الحرب على إيران يقودها نتنياهو أم ترمب؟ وهل التذبذب الشديد في مواقف ترمب نتيجة قناعاته وتخبُّطه في قراءة المشهد المعقَّد الذي يتغيَّر بصورة مستمرة، أم يُضاف إليها ضغوط وابتزاز نتنياهو وفريقه المتغلغل حتى داخل إدارته، بل وحتى غرفة نومه؟!

والجواب أن ترمب وصل به الحال أن يكون إظهار الخلاف الشخصي مع نتنياهو وتسريب سيل الشتائم والسباب التي كالها لنتنياهو وسيلة لتلميع صورته المهتزّة، التي كشفت أن تناقضاته نتيجة فعلية للأزمة التي يعيشها فعليًّا كشخص نرجسي استعراضي فيه الكثير من صفات المصابين بداء العظمة، اصطدم بحقيقة قدرات جيشه ومستوى طاقمه المتدنّي، وحقيقة ولائهم لشخصه ولأمريكا، والتي انكشفت له أولًا، وانعكست على مواقفه المعلنة.

فمن التهديد باستهداف جميع البنية التحتية المدنية ومحو الحضارة الفارسية، وهي جرائم حرب سيلاحقه بها خصومه في الداخل، إلى التبشير بالاتفاق وإحلال السلام، وبين ذلك وبدون مقدّمات يُهدّد دول الخليج، ويأمرها بالعودة إلى الاتفاق «الإبراهيمي»، وإلا... وهي تهديدات تدلّ على موت مشروع التطبيع وانهيار منظومة الصهيونية المحلية، التي انتهت بهرولة الإمارات إلى طهران.

فدول الخليج التي انفرط عقدها لاختلاف مواقفها من الحرب، يجمعها الآن الخوف من نتائج الاتفاق المُعلَن أصله والمجهولة تفاصيله. ولكنّ المؤكد أن تيار الحرب، -ونعني به «إسرائيل» والإمارات-، اكتشف أنه وحيد، فأمريكا لم تَعُد قادرة على الحسم عسكريًّا كما تريد، فليست وحدها بالساحة.

كما أن بكين -التي زارها ترمب مؤخرًا- أصبحت قِبْلة الزعماء بدلًا من واشنطن، فبُعَيْد عودته منها خالي الوفاض شهدت بكين احتفالية تتابُع الزعماء المعارضين للهيمنة الأمريكية؛ فقد جاء بوتين وتبعه الرئيس الإيراني، وانتهت بزيارة تاريخية لافتة لرئيس كوريا الشمالية الذي سلَّم أخيرًا بضرورة المظلة الصينية وأهميتها.

بالعودة إلى المنطقة، نجد أن المشهد يتغيَّر بصورة جذرية؛ فذهاب الإمارات إلى طهران جعل «إسرائيل» وحيدة. وكما قال ترمب لنتنياهو: «أنت مكروه، وإذا أردت الحرب فحارِب وَحْدك». ولذا فشمول الاتفاق للبنان يُقيِّد «إسرائيل»، ويدل على رغبة أمريكية بإعادة التنسيق مع إيران وعودة نفوذها في المنطقة.

فالقادم خطير، نفهمه من صراخ اليهود من الخطر التركي، وأنه أكبر من الخطر الإيراني. وهنا نقف أمام مفارقة أن من حاول التخلُّص وتحجيم التكتل الشيعي اصطدم ببروز عدو قادم يتشكّل ويكبر مع الوقت، بقناعات دول المنطقة أن الخطر الأول «إسرائيل»، وأن بقاء إيران قوية بتعريتها حدود قوة أمريكا، التي انكشفت خرافة حمايتها المزعومة، يُشكّل معضلة، بحيث لم يَعُدْ هناك مفرّ من خيارات صعبة ومحدودة، وهي التحالف مع «إسرائيل» المأزومة بوضعها الجديد، وبين الخضوع لإيران الجديدة التي فرضت نفسها بالقوة لاعبًا رئيسيًّا في المنطقة.

ويبقى الخيار الأخير، وهو التسليم بنهاية عصر «سايكس بيكو»، وأن خريطة المنطقة يُعَاد تشكيلها بالقوة من جديد. وكما فعل الجنرال الفرنسي «غورو» لما دخل دمشق، وذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- قال: «ها قد عُدنا يا صلاح الدين!»؛ فإن هناك مَن يحاول العودة من جديد سالكًا طريق الأجداد.

فمشروع الجامعة الإسلامية، ورمزه الأساسي سكة حديد الحجاز، قد وُضِعَ على طاولة التنفيذ وصولًا إلى بحر العرب، ولن يتم تنفيذه إلا بكسر الحظر الذي فرضه المنتصرون في الحرب العالمية الأولى.

ونحن حاليًّا نعيش مرحلة الاصطفاف الأوّلي تمهيدًا للحرب الأخيرة والحاسمة، فهل تتمكّن «إسرائيل»، -كما يُبشّر نتنياهو-، من تكوين تحالفات جديدة وتنجح في إعادة بناء قوتها العسكرية بمعزلٍ عن أمريكا، وبالتالي تخوض حربها الأخيرة ضد عدوّ جديد؟

كُرَة الثلج التي وصلت شمال سوريا عادت بكل قوة من حلب باتجاه دمشق وبيروت، فهل تصل إلى بحر العرب؟ وهل يتحقق حُلم وزير الداخلية التركي بأن يكون واليًا على القدس ولو ليوم واحد؟

إنها إرهاصات حرب وجودية سيُشارك فيها الجميع إجبارًا، وخيار ملوك الطوائف في المنطقة هو نفس خيار المعتمد بن عباد: إما أن يرعى الإبل أو أن يرعى الخنازير!

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].

 

أعلى