كيف تكشف قصة أبي بصير وأبي جندل في أعقاب صلح الحديبية عن قدرة المقاومة المنضبطة على تحويل الضعف إلى قوة، ونقل كلفة الصراع إلى الخصم، وما الدروس التي يمكن استلهامها اليوم في واقعنا المعاصر وما حولنا؟
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه
وصحبِه أجمعين، وبعدُ:
حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بصير -رضي الله عنه-:
«وَيْلُ
أُمِّهِ، مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ»
(رواه البخاري)؛ لم يكن يصف صاحب جيش أو دولة، وإنما يصف إرادةً لا تستسلم، وعزيمةً
تستطيع أن تُحوِّل الضعف إلى قوة، والفُرْقة إلى تأثير.
خرج أبو بصير من مكة وحده، ثم لحق به أبو جندل بن سهيل، وتتابع إليهما المستضعفون
من المسلمين، حتى نشأت جماعة صغيرة لا تخضع لبنود صلح الحديبية. لم تكن تملك حصونًا
ولا موارد، لكنّها امتلكت ما هو أعظم: إرادة المقاومة، وحُسْن توظيف ما لديها من
إمكانات. وسرعان ما أصبحت ضغطًا حقيقيًّا على قريش؛ إذ قطعت طريق تجارتها، حتى
اضطرت قريش إلى أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلغاء الشرط الذي تمسَّكت
به في الصلح.
تكشف قصة أبي بصير وأبي جندل -رضي الله عنهما- أن المقاومة ليست عبئًا على الأُمّة
كما يظن البعض، بل قد تكون من أهمّ أوراق قوّتها. فقد رأى بعض المسلمين يوم
الحديبية أن شرط إعادة من يفرّ من مكة إلى المدينة سيُقيِّد المسلمين ويمنح قريشًا
اليد العليا، لكن الأحداث أثبتت العكس؛ إذ نشأت مقاومة مستقلة خارج المدينة، حمّلت
قريشًا كُلفة اقتصادية وأمنية متصاعدة، حتى انتهت قريش نفسها إلى طلب إلغاء الشرط
الذي فرضته.
وهذه سُنّة جديرة بالتأمل؛ فالمقاومة المنضبطة ليست استنزافًا لأصحابها فحسب، بل قد
تنقل كلفة الصراع إلى العدو، وتُحوّل بعض مَواطن ضعفه إلى عوامل ضغط عليه. ومن
يتابع ما يجري في غزة والضفة الغربية يدرك أن بقاء جذوة المقاومة -رغم اختلال
موازين القوة-، جعل الكيان الصهيوني يُواجه أعباء أمنية واقتصادية وسياسية وإعلامية
مستمرة، وأبقى القضية حاضرةً في الوعي العالمي.
وليس المقصود هنا مساواة الوقائع التاريخية مع اختلاف ظروفها، بل استلهام السُّنة
التي دلّ عليها حدَث الحديبية. لذلك لا ينبغي للأُمّة أن تنظر إلى المقاومة بوصفها
عبئًا، بل بوصفها -إذا انضبطت بمقاصد الشرع وحُسن التدبير- وسيلة من وسائل إضعاف
العدو وإرباك حساباته.