• - الموافق2026/07/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
فِقْه المدخل والمخرج

كيف يرسخ فقه المآلات ثقافة اتخاذ القرار الرشيد، عبر التروي، والشورى، واستشراف العواقب، بما يضمن حسن البدايات، وسلامة النهايات، ويجنب الأفراد والمؤسسات والدول أخطاء يصعب تدارك آثارها لاحقًا دائمًا؟


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعدُ:

يُروَى أن معاوية بن أبي سفيان قال لعمرو بن العاص -رضي الله عنهم-: «ما بلغ من دهائك يا عمرو؟

قال عمرو: لم أدخل في أمر قطّ فكرهته إلا خرجت منه.

قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه».

هذه المُحاورة -بغضّ النظر عن ثبوت روايتها- تُلخّص درسًا بليغًا في الإدارة والسياسة، وتدبيرًا عميقًا في استشراف المستقبل، وهو ما عُرِفَ بفقه المآلات، أو باتخاذ القرار الصحيح، في الوقت الصحيح، بالطريقة الصحيحة.

إن التأنّي، وحُسْن التأتّي، وتقليب أوجه النظر، وتقدير المآلات والعواقب، ووضع الاحتمالات، مع تحديد كيفية التعامل مع أيّ طارئ منها أو من جنسها؛ خصالٌ من دلائل النُّضْج، وبُعْد النظر، والأهلية للمسؤولية والقيادة، وهي سببٌ من أسباب النجاح أو السلامة، أو تقليل المخاطر على أقل تقدير.

هذه السمات شخصية، تختلف في مقدار توافرها من إنسان لآخر، لكنّها تتوافر في المجموع الذي تسود فيه الشورى الحقيقية، والحرية المنضبطة، والعمل المشترك، فيكون في تبادل الآراء فرصة للتكامل، وإصابة الحق أو القرب منه، والسلامة من الخطأ أو التباعد عنه.

إن أعقل الناس يقتبس من حكمة غيره دون نكير على مُخالِف يعتقد ما يقوله، ما دام سائغًا يقع في دائرة المقبول والممكن.

وهذه التدابير في التصور والعمل ضرورية في خاصة شأن المرء، وفي بيته، وفي عمله الذي يتولاه، سواءٌ صَغُر أم كَبُر، وصولًا إلى المسؤوليات العظيمة عن البلاد والناس والمستقبل، فلا يجوز بحال رهن القضايا الكبرى والعامة لرأيٍ فرديّ أيًّا كان صاحبه، أو لتوجُّه خاص أيًّا كانت منزلته، ولا مناصَ من المشاركة بالرأي مِن قِبَل أهل العلم والخبرة والفكر، فكلّ باب لا يمكن غَلْقه، يجب التفكير مرارًا قبل فَتْحه!

إنّ الرشاد كل الرشاد يكمن في أن يدخل المرء مدخل صدق، والتوفيق كل التوفيق يكون مع خروج المرء مخرج صدق، وتحقيق ذلك -مع الدعاء والاستخارة والتوكل على الله-، يحصل من بذل الأسباب النفسية والعقلية والمادية، ومن الصواب في اختيار طريق الذهاب، والصواب في انتقاء دروب الإياب إذا احتاج إليها.

وباعتماد هذا المنهج الرزين الرشيد لن يضطر الواحد للخروج مما بدأه، وإن اضطُرّ فسوف يخرج منه دون تَبِعات أو خسائر مزلزلة، ولن يقع مَن سعى وفق هذه الملامح في وَحْل من التخبُّط وتشابك الخيوط الناجمة عن فقدان البوصلة الصالحة، والمُعين المخلص، وحُسْن التقدير.

أعلى