كيف يمكن للمجتمعات الإسلامية اليوم تحويل نشر العلم الشرعي من واجب فردي محدود إلى مشروع حضاري شامل يعالج ضعف المناهج والشبهات ويؤسس أجيالًا تجمع بين التخصص الدنيوي والفهم الشرعي العميق والوعي بالمقاصد والقواعد والأحكام وخدمة الأمة؟
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه
وصحبِه، وبعدُ:
العلم ضرورة لأي مجتمع، ولكل إنسان، ولجميع الدول والأمم، وهذه قاعدة مسلّم بها لا
جدال فيها، ولا تحتاج إلى دليل. ويبرز علم الشريعة فوق العلوم كلها فهو أسماها
وأسناها؛ لارتباطه بالمولى الكبير سبحانه، ولأن آثاره تصحب الإنسان في أحواله كلها،
ومع شؤونه دون استثناء، وفي محياه، ومماته، وبرزخه، ومبعثه، وحسابه.
بل إن الأمر يتجاوز هذه المعاني إلى العمران والتنمية؛ ولذا حاول بنو العباس
استقطاب أبي حنيفة إلى بغداد بعد بنائها، ودعي المحدث أبو داود السجستاني ليسكن في
البصرة ويحدث فيها؛ فيكثر الناس من سكانها، وترتفع قيمتها في الأعين، وتروج فيها
التجارة، وتزداد الحركة داخلها، والقدوم إليها.
ولأن الأمر بهذه الصورة كان لزامًا على كل مسلم أن يعتني بتحصيل قدر من العلوم
الشرعية، ينفي عنه الجهل، ويبعده عن وصف العامي، ويخرجه من دائرة الإعراض، ويقربه
إلى رحمة ربه العزيز العليم. هذا القدر ليس له حد معين، وإن تواترت الأقوال بضرورة
أن يتعلم المرء المعلوم من الدين بالضرورة، وهو ما أوجبه الله وما حرمه؛ إذ لا
ينبغي جهله من مسلم خاصة من يعيش في ديار المسلمين.
ثمّ لا يقف طلب العلم عند هذا المقدار الأدنى، فمن فتح عليه في باب فمن التوفيق أن
يستمر فيه ويتعمق، عسى أن يأتي منه بما ينفع ويبقى؛ ذلك أن الخلود والانتشار سمتان
مترافقتان مع العلم، وما أعظمه من علم حين يكون خالصًا صوابًا وذا صلة بدين الله
وشرعه.
أما أجدر شيء بحملة العلم وسدنته بعد صيانته عن العبث والمتاجرة، فهو أن يجتهدوا في
تبليغه للخاصة من طلبة العلم المشتغلين به المتفرغين له، وللعامة من المسلمين في
أماكنهم، وعلى اختلاف مستوياتهم وقدراتهم، وتنوع تخصصاتهم الدراسية.
هذا المطلب يزداد إلحاحًا مع ضعف المناهج الدراسية، وانصراف بعض الآباء أو انخفاض
قدرتهم العلمية أو التربوية، ويضاف لذلك كثرة الشبه والواردات التي تربك أذهان من
لم يحظ بتأسيس متين، أو يظفر بإيمان عميق، ويُعَنْ على عبادات قلبية تحول دون
الزلل.
ويمكن ابتكار برامج علمية مناسبة، في أصول علوم الشريعة وفروعها، وتتاح طوال السنة،
بوسائل تقنية عديدة تتجاوز الحدود والأطر والمؤسسات التقليدية وشروطها، حتى نجد في
شباب المسلمين وشاباتهم من لديه اختصاص في علم دنيوي، أو مهارة وحرفة، ويزين ذلك
فهم لمقاصد الشريعة، وبصر بقواعدها، ومعرفة بحدودها، وحفظ لأحكامها. لقد غدا الأمر
في عصرنا ضرورة ملحة؛ لخطر تجاهل تقريب العلم ونشره، ولتيسر الشروع فيه بالشرح
والبيان والتوضيح دون حواجز.