• - الموافق2026/07/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الدولة العبرية أُفُول الدور الوظيفي وانكشاف أزمة الشرعية

هل تقود التحولات الدولية وتراجع التأييد الشعبي الغربي إلى إعادة تعريف مكانة الدولة العبرية، بعدما أصبحت أزمة الشرعية والدور الوظيفي تحدياً يفرض أسئلة جديدة حول مستقبل نفوذها وتحالفاتها واستمرار دعمها الدولي؟


تكشف الذاكرة السياسية العالمية أن شرعية الدول لا تُبنَى فقط عبر قوة الخطاب السياسي أو القدرة على التأثير في السرديات الدولية، بل ترتبط أيضًا بطبيعة السياسات الداخلية، ومدى انسجامها مع التحوُّلات الأخلاقية والقانونية التي يشهدها النظام الدولي. فالتاريخ يُقدّم نماذج عديدة لدول امتلكت الاعتراف الدولي والقوة العسكرية، لكنّها وجدت نفسها لاحقًا أمام أزمة سقوط الدور الوظيفي أمام المجتمع الغربي.

وتُعدّ تجربة جنوب إفريقيا واحدة من أبرز هذه النماذج؛ إذ نشأت الدولة الحديثة في سياق استعماري أوروبي، بعدما أسَّست شركة الهند الشرقية الهولندية محطة رأس الرجاء الصالح عام 1652م لتأمين الطريق البحري للإمبراطورية الهولندية، قبل أن تنتقل المنطقة لاحقًا إلى السيطرة البريطانية التي عزَّزت حضورها الاستعماري في جنوب القارة الإفريقية؛ نظرًا لأهميتها الإستراتيجية والتجارية، باعتبارها أحد أهم الممرّات البحرية للإمبراطورية البريطانية.

وفي عام 1948م، وهو العام الذي شهد إعلان قيام الدولة العبرية ونكبة الشعب الفلسطيني، وصل الحزب الوطني في جنوب إفريقيا إلى السلطة، وهو الحزب الذي مثَّل التيار القومي للأفريكانيين، أحفاد المستوطنين الأوروبيين. وبعد وصوله، شرع في بناء نظام الفصل العنصري المعروف باسم «الأبارتهايد»، الذي حوَّل التمييز العنصري إلى منظومة قانونية وسياسية متكاملة.

اعتمد النظام الجديد على تصنيف السكان وفق الانتماء العرقي، ومَنْح الأقلية البيضاء -التي كانت تُمثّل نحو خمس السكان-، السيطرة السياسية والاقتصادية، بينما حُرمت الأغلبية السوداء من حقوق أساسية، مثل المشاركة السياسية، ومِلْكية الأراضي، والتعليم المتكافئ، وحرية التنقل والعمل. كما فُصِلَت المجتمعات جغرافيًّا وقانونيًّا عبر سلسلة من التشريعات التي كرَّست عدم المساواة.

بدأت مواجهة هذا النظام مبكرًا عَبْر مؤسسات الأمم المتحدة في خمسينيات القرن الماضي؛ حيث صدرت قرارات تدعو إلى مراجعة القوانين العنصرية وإنهاء سياسات الفصل العنصري، لكنها بقيت لفترة طويلة في إطار الضغط السياسي والأخلاقي دون أدوات تنفيذية فعَّالة؛ بسبب تعقيدات النظام الدولي وتوازنات الحرب الباردة.

وفي الداخل، تصاعد دور المؤتمر الوطني الإفريقي الذي قاد حملات مقاومة سلمية وعصيانًا مدنيًّا ضد النظام، قبل أن يُؤسِّس جناحه العسكري «رمح الأمة» عام 1961م، بقيادة شخصيات من بينها: نيلسون مانديلا. وقد صنّفت حكومة جنوب إفريقيا هذا الجناح «منظمة إرهابية»، كما أيَّدت بعض الأوساط الغربية هذا التصنيف في سياق الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة.

ولهذا حافظت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على قَدْر من التعاون السياسي والأمني مع بريتوريا، رغم تصاعد الضغوط من الكونغرس والمنظمات الحقوقية والحركات الشعبية المُطالِبة بفرض العقوبات. وقد تجسَّد ذلك في سياسة «التعامل البنّاء» التي تبنّتها إدارة الرئيس رونالد ريغان خلال ثمانينيات القرن العشرين، والتي عارضت في بدايتها فرض عقوبات شاملة على النظام الجنوب إفريقي؛ انطلاقًا من رؤية مفادها أن الحوار والضغط التدريجي أكثر فاعلية من العزل الكامل.

لكنّ المعادلات الدولية بدأت تتغير بصورة جذرية مع نهاية الحرب الباردة. فقد أدَّى سقوط جدار برلين عام 1989م، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م، إلى تراجع القيمة الإستراتيجية التي كان يُمثّلها نظام جنوب إفريقيا بالنسبة للغرب. ومع اختفاء الخصم السوفييتي، لم يَعُد الحفاظ على العلاقة مع نظام الفصل العنصري يحمل الأهمية الأمنية والسياسية ذاتها، وأصبحت تكلفة دَعْمه أعلى من مكاسبه، خصوصًا في ظل تصاعد الانتقادات الدولية والداخلية، وفي غضون سنوات قليلة تحوَّلت قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى إجراءات تنفيذية قابلة لمُحاصَرة النظام وإسقاطه.

تآكُل الحاضنة الشعبية 

إن استحضار تجربة جنوب إفريقيا كنموذج يمكن إسقاطه على ما تَمُرّ به الدولة العبرية في معركة العُزلة الدولية ونزع الشرعية عنها، لا يستند فقط إلى تشابه أدوات المواجهة أو طبيعة الضغوط الدولية، بل يرتبط بدراسة أعمق لمسارات صعود الدول وبقائها، ثم تعرُّضها لأزمات الشرعية. فالتاريخ السياسي العالمي يكشف أن بعض الأنظمة لا تسقط بالضرورة نتيجة ضعف قوتها الداخلية فقط، بل عندما تفقد القدرة على الحفاظ على الشرعية الأخلاقية والسياسية التي تمنحها القبول الدولي.

وتبرز تجربة جنوب إفريقيا باعتبارها نموذجًا مهمًّا في هذا السياق؛ إذ تشترك مع الحالة الصهيونية في وجود روافد خارجية دعّمت استمرار المشروع السياسي والأمني، وفي ارتباط البقاء بعوامل إستراتيجية واقتصادية ودولية، كما تشترك في مواجهة أسئلة متعلقة بالاستيطان والسيطرة على الأرض وبناء نظام سياسي يعتمد على تفوق جماعة محددة. ومع ذلك، فإن لكل تجربة سياقها التاريخي والقانوني الخاص؛ إذ يُضاف إلى الحالة الصهيونية عامل مركّب يتمثل في البُعْد الديني والهوياتي لدى قطاعات واسعة من اليهود الذين يزعمون بأن في فلسطين امتدادًا لتاريخهم وهويتهم الدينية، وهذا يُعمِّق الصراع ويُحوِّله من صراع على الأرض إلى صراع ديني بامتياز.

لكنّ ما يجمع هذه التجارب ليس بالضرورة تطابق الظروف، وإنما وجود قاعدة تاريخية مفادها أن أسباب استمرار النفوذ قد تتحوَّل، مع تغيُّر البيئة الدولية، إلى عوامل ضغط تؤدي إلى تراجُع الشرعية. فالدعم الدولي الذي يوفّر الحماية السياسية والأمنية قد يستمر طالما بقيت المصالح الإستراتيجية قائمة، لكنّه يصبح عُرْضة للتبدُّل عندما تتغيَّر موازين القوى أو تنتهي الوظيفة السياسية والأمنية التي يؤديها ذلك الحليف.

وفي هذا السياق، يشير الدكتور دان ديكر، الباحث الصهيوني المتخصّص في ملف الشرعية الدولية، إلى خطورة التحوّلات الجارية في هندسة الرأي العام العالمي وتأثيرها المتزايد على مكانة الدولة العبرية. ويقول في تشخيصه لحَجْم التحوُّل الذي تشهده الصورة الدولية للدولة العبرية: «بعض الأرقام صادمة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها. فبحسب مؤشر مدركات الديمقراطية لعام 2026، وهو أحد أكبر استطلاعات الرأي العام العالمي، والذي أعدّته شركة نيرا داتا بالتعاون مع مؤسسة تحالف الديمقراطيات، حصلت الدولة العبرية على درجة سلبية في مدركات الرأي العام بلغت -24، ما يضعها في مرتبة أدنى من أفغانستان وكوريا الشمالية وإيران، وكل دولة أخرى شملها الاستطلاع. وسواءٌ أكان المرء يتقبَّل حكم العالم أم لا، فإن سُمعة الدولة العبرية في الخارج لم تكن يومًا بهذا السوء».

ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات فقط في قياس مستوى القبول أو الرفض الشعبي، وإنما في كونها تمثّل مرحلة مبكرة في مسارٍ قد ينتقل لاحقًا من المجال المجتمعي إلى المجال السياسي والمؤسسي. فالتاريخ يُوضّح أن تغيُّر المزاج الشعبي العالمي تجاه دولة ما يمكن أن يتحوَّل تدريجيًّا إلى سياسات رسمية تمسّ العلاقات الدبلوماسية، والتعاون الاقتصادي، والشراكات الأكاديمية والثقافية، بل وقد يصل إلى التأثير في مفهوم الشرعية السياسية ذاته.

وفي هذا الإطار، تكتسب استطلاعات الرأي العام التي تقيس صورة الدولة العبرية عالميًّا أهمية خاصة، باعتبارها مؤشرًا على التحوُّلات العميقة في الوعي الشعبي، وليس مجرد انعكاس مؤقّت للأحداث السياسية. فقد كشف استطلاع نشره معهد بيو للأبحاث في مارس الماضي، وهو معهد أمريكي، أن 60% من الأمريكيين ينظرون إلى الدولة العبرية نظرة سلبية، مقارنةً بـ42% في عام 2022.

ويثير القلق بشكل خاص التوزيع العمري لهذه التحولات؛ إذ تشير نتائج الاستطلاع إلى أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا ينظرون إلى الدولة العبرية نظرة سلبية، بما في ذلك نحو 60% من الجمهوريين الشباب، وهي الفئة العمرية التي لطالما افترض كثير من أنصار «إسرائيل» أنها تُمثّل قاعدة دعم مستقبلية للدولة اليهودية.

وبذلك، فإن التحوُّل الأبرز لا يكمن فقط في حجم الانتقادات الحالية، بل في انتقال مركز الثقل من جيل إلى آخر؛ إذ إن صورة الدول في الوعي العالمي لا تتشكل فقط عبر الحكومات والتحالفات الرسمية، وإنما عبر الأجيال الجديدة التي ستتولى لاحقًا مواقع التأثير في السياسة والإعلام والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.

مسار القرارات الدولية وتداعياتها

لم تكن موجة القرارات الصادرة عن المؤسسات الدولية في أعقاب الحرب على غزة مجرد استجابة دبلوماسية تقليدية لضغط سياسي عابر، بل جاءت في سياق لحظة عالمية مضطربة بدأت فيها المسافة تتَّسع بين مواقف الحكومات ومشاعر قطاعات واسعة من الشعوب التي خرجت إلى الشوارع في أكبر موجات احتجاج شهدتها العديد من العواصم الغربية منذ عقود بلغت ذروتها فيما عُرِفَ بـ«انتفاضة الجامعات».

فقد تحوَّلت صور الدمار والضحايا في غزة إلى عامل ضاغط أعاد تشكيل النقاش العام حول شرعية الدولة العبرية. النظام الغربي سعى للبحث عن حلول لاستيعاب الغضب الشعبي الذي وصل لتأثيره للنخب الفنية والأكاديمية وحواضن صُنّاع القرار. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة كثير من القرارات الدولية باعتبارها محاولة لإعادة استيعاب هذا الغضب داخل قنوات مؤسسية وقانونية؛ بحيث تنتقل الاستجابة من ردود الفعل المنفردة إلى مواقف جماعية منظَّمة. فالمؤسسات الدولية لا تتحرَّك فقط تحت تأثير الحسابات السياسية للدول، بل تعمل أيضًا على احتواء الأزمات عندما يصبح الضغط الشعبي قادرًا على التأثير في خيارات الحكومات.

لذلك كان تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تأييد «إعلان نيويورك» بشأن حل الدولتين؛ أحد المؤشرات البارزة على التحوّل في المواقف الدولية؛ إذ لم تكن أهمية الإعلان مرتبطة بقدرته التنفيذية المباشرة على إنتاج تسوية سياسية، بقدر ما عكسته نتائج التصويت من اتساع دائرة التأييد الدولي للمسار السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية، وتراجُع قدرة الدولة العبرية على الحفاظ على إجماع دولي داعم لمواقفها التقليدية.

وفي الإطار الأممي، لعبت هيئات مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) دورًا مؤثرًا عبر نشر تقارير وبيانات حول الأوضاع الإنسانية في غزة خلال الحرب، تضمَّنت أرقامًا عن الخسائر البشرية والدمار والاحتياجات الإنسانية، وهو ما ساهم في تصاعُد الانتقادات الدولية للسياسات الصهيونية المتعلقة بإدارة العمليات العسكرية ودخول المساعدات.

وعلى المستوى القضائي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة، وهو تطوُّر نقل الضغوط الدولية من المجال السياسي إلى مستوى المُساءَلة القانونية.

وفي أوروبا، أدَّى التحوُّل في المواقف السياسية إلى دعم عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي لمسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو المسار الذي تبنّته لاحقًا إسبانيا وإيرلندا والنرويج. كما ظهرت دعوات داخل البرلمان الأوروبي لمراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية-الصهيونية، بما يشمل وقف بعض الامتيازات التجارية ومقاطعة منتجات المستوطنات ومراجعة التعاون البحثي والعلمي، وفرض قيود على تصدير قطع عسكرية، وهو إجراء أخذته هولندا، وكذلك مقاطعة عسكرية فرضتها إسبانيا.

أما داخل منظومة الأمم المتحدة، فتشير بيانات منظمة «يو إن ووتش» (UN Watch) إلى أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتمد خلال العقد الذي تلا تأسيسه عام 2006 نحو 135 قرارًا ينتقد دولًا بعينها، كان من بينها 68 قرارًا ضد الدولة العبرية. كما تشير المنظمة إلى أن اليونسكو اعتمدت خلال العقد الماضي نحو عشرة قرارات سنويًّا ضد الدولة العبرية، مقابل قرار واحد فقط ضد دولة أخرى هي سوريا عام 2013. أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد اعتمدت خلال العقد الماضي نحو 25 قرارًا سنويًّا تنتقد دولًا بعينها، كان أكثر من 75% منها متعلقًا بالدولة العبرية.

وامتدّ مسار الضغط إلى المجال الأكاديمي؛ حيث شهدت الفترة بعد أكتوبر 2023 موجة من قرارات تعليق أو إنهاء شراكات أكاديمية مع مؤسسات صهيونية، خصوصًا في أوروبا. وتشير تقارير إلى أن نحو 30 جامعة أوروبية في دول مثل هولندا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا أنهت أو علّقت شراكات مع جامعات صهيونية، إضافة إلى نحو 300 حالة من المقاطعة الأكاديمية أو العزل المهني لباحثين ومؤسسات صهيونية منذ أكتوبر 2023.

وفي المجال الاقتصادي والاستثماري، ظهرت مؤشرات على انتقال المقاطعة من النشاط الشعبي إلى المؤسسات المالية الكبرى؛ إذ أعلن صندوق التقاعد النرويجي التخارج من الاستثمار في شركة كاتر بيلر بسبب مخاوف مرتبطة باستخدام معداتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أعاد صندوق التقاعد الهولندي، الذي يُدير أصولًا تبلغ نحو 500 مليار يورو، تقييم بعض استثماراته وفق معايير المسؤولية الاجتماعية.

وفي الولايات المتحدة، امتدت دعوات سحب الاستثمارات إلى الجامعات؛ إذ أعلنت جامعة سان فرانسيسكو سحب استثماراتها المباشرة من أربع شركات دفاعية أمريكية، بينما توصَّلت جامعة براون إلى اتفاق مع الطلبة لمناقشة التصويت على سحب الاستثمارات.

وتشير هذه التطورات مجتمعةً إلى انتقال الضغوط على الدولة العبرية من مستوى الانتقادات السياسية إلى مسار متعدد الأدوات؛ يشمل: المؤسسات الدولية، والقضاء الدولي، والعلاقات الاقتصادية، والقطاع الأكاديمي، وهو ما يعكس تحوُّل قضية الشرعية الدولية إلى أحد ميادين الصراع الرئيسية في المرحلة الراهنة.

تآكُل المظلة الأمريكية

شكّلت الولايات المتحدة، لعقودٍ طويلة، الركيزة الأساسية للأمن القومي الصهيوني، ليس فقط من خلال الدعم العسكري والاقتصادي، بل عبر توفير مظلة سياسية ودبلوماسية حالت في العديد من المحطات دون انتقال الضغوط الدولية إلى إجراءات أكثر تأثيرًا. ولذلك فإن تصاعد الخلافات العلنية بين واشنطن وتل أبيب خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بشأن إدارة الحرب في غزة ومستقبل القطاع؛ يُمثّل تحولًا حساسًا يمسّ أحد أهم عناصر القوة الإستراتيجية الصهيونية، وقد ترجَم ذلك قول الجنرال الصهيوني المتقاعد إسحاق بن بريك في تعقيبه على الحرب الإيرانية الأمريكية الأخيرة بالقول: «نحن لا نستطيع أن نخوض حربًا بدون مشاركة مباشرة من الولايات المتحدة».

لذلك ومع قرب انتهاء مذكرة التفاهم الأمنية التي بموجبها حصلت الدولة العبرية على 38 مليار دولار أمريكية على هيئة مساعدات عسكرية أمريكية منذ عام 2016 وحتى عام 2028؛ أصبحت الدولة العبرية تبحث عن مخرج يُوثّق الشراكة الدفاعية بين الجانبين عبر مقترحات مشاريع تُقدّم مِن قِبَل نواب في الكونغرس لسببٍ واضح؛ وهو فقدان القدرة المستقبلية على إلزام المشرّع الأمريكي بفرض تجديد المذكرة الأمنية الحالية بسبب تغيُّر مزاج الناخب الأمريكي وفقدان «اللوبي اليهودي» قدرته على التأثير.

لقد تحوَّل ملف الدولة العبرية داخل مؤسسات صناعة القرار الأمريكي، ومن بينها الكونغرس ومجلس الشيوخ، إلى ملف استقطاب سياسي حادّ، وهذا التحوُّل يحمل مخاطر إستراتيجية؛ لأن تغيُّر الإدارات الأمريكية أو تركيبة الكونغرس قد يؤدي إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة ومستوى الالتزام الأمريكي تجاه الدولة العبرية.

وفي هذا السياق، أشارت السفيرة الصهيونية السابقة لدى النرويج ورئيسة قسم الأمريكتين في وزارة الخارجية ليورا هرتزل إلى أن التحدّي الأكبر لا يتمثل فقط في مواقف بعض السياسيين، بل في التحوُّل المتدرّج داخل المجتمع الأمريكي، خصوصًا بين الشباب. وأوضحت أن الدعم الشعبي للدولة العبرية يشهد تراجعًا ملحوظًا، وأن ارتباط الأجيال الشابَّة بالدولة العبرية لم يَعُد بالمستوى التاريخي نفسه.

كما حذَّرت هرتزل من أن انتقال الدولة العِبْرية من كونها قضية تحظى بتوافق الحزبين إلى قضية ترتبط أكثر بمعسكر سياسي واحد يُمثّل خطرًا إستراتيجيًّا؛ لأن السياسة الأمريكية بطبيعتها متغيرة، والدولة التي تعتمد على تيار سياسي واحد قد تجد نفسها أمام أزمة عميقة عندما تتغيّر موازين القوى.

وتشير هذه التحولات إلى أن التحدي الذي يواجه الدولة العبرية لا يرتبط فقط بمستوى الدعم الرسمي القائم حاليًّا، بل بمدى قدرة هذا الدعم على الاستمرار خلال العقود المقبلة. فالعلاقة الأمريكية-الصهيونية لم تُبنَ فقط على المصالح الحكومية، وإنما استندت أيضًا إلى قبول اجتماعي واسع داخل الولايات المتحدة؛ وأيّ تراجُع في هذا القبول قد يتحوَّل تدريجيًّا إلى ضغط سياسي يؤثر في طبيعة التحالف ومستقبله.

وبذلك، فإن فقدان الحصانة الأمريكية يُمثّل أحد أخطر أبعاد أزمة الشرعية التي تواجهها الدولة العبرية؛ لأن الولايات المتحدة لم تكن مجرد حليف عسكري، بل كانت لعقود طويلة العنصر الأهم في حماية الدولة العبرية من التحوُّلات الدولية المعاكسة، وهذا الأمر فسَّره الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- في موسوعته بالقول: «إنّ من أهم مسببات بقاء الدولة العبرية هو الدعم الأمريكي اللامحدود، والصمت الإسلامي اللامحدود».

غياب القيمة الإستراتيجية

لم تقم مكانة الدولة العبرية الدولية على قوتها العسكرية فقط، بل على الوظيفة التي أدَّتها داخل المنظومة الغربية؛ باعتبارها شريكًا أمنيًّا متقدمًا في الشرق الأوسط، يوفّر للغرب نفوذًا وقدرات استخباراتية وعسكرية في منطقة ذات أهمية إستراتيجية. ولذلك فإنّ التحدي الأخطر الذي يواجه الدولة العبرية اليوم لا يتمثل فقط في تراجُع صورتها الدولية، بل في احتمال تراجُع الحاجة إلى الدور الذي قامت عليه مكانتها لدى حلفائها.

وقد كشفت أحداث السابع من أكتوبر 2023 عن تصدُّع في إحدى أهم ركائز القوة الصهيونية، بعدما أظهرت عجز منظومة الأمن والاستخبارات والردع عن منع هجوم واسع، وتطلَّب الأمر تدخلًا أمريكيًّا مُكلّفًا لحماية الدولة العبرية تَحوَّل هذا التدخل فيما بعد إلى تكلفة سياسية فتح الباب أمام التشكيك في الدور الوظيفي للدولة العبرية وأهم مسببات الدعم الغربي لها.

ويتزامن ذلك مع تغيُّر البيئة الإقليمية؛ حيث لم تعد الدولة العبرية اللاعب الأمني الوحيد القادر على تقديم شراكات إستراتيجية للغرب. فقد عزَّزت تركيا حضورها الإقليمي من خلال موقعها في حلف شمال الأطلسي، وتطوّر صناعاتها الدفاعية، وقدراتها في مجالات الطائرات المسيّرة والاستخبارات، ما جعلها طرفًا يصعب تجاوزه في الحسابات الغربية المتعلقة بالشرق الأوسط، بعد نجاحها في ليبيا وسوريا وأذربيجان، وحصارها لروسيا في البحر الأسود.

كما أن الحرب على غزة كشفت حدود الرهان الصهيوني على أن التطبيع الرسمي مع بعض الدول العربية يمكن أن يُعِيد تعريف مكانتها الإقليمية؛ إذ أثبتت الأحداث أن القضية الفلسطينية ما زالت قادرة على التأثير في المزاج الشعبي والسياسي، وأن العلاقات الرسمية لا تلغي التحديات المرتبطة بالشرعية والصورة الدولية.

ولعل التصريح الأكثر دلالة جاء من داخل الساحة السياسية الصهيونية نفسها، حين أكّد زعيم المعارضة يائير لبيد أن الدولة العبرية يجب أن تبقَى «مفيدة للغرب»؛ حتى يستمر في دعم وجودها. فهذه العبارة تكشف إدراكًا صهيونيًّا بأن التحالفات الكبرى لا تقوم فقط على الروابط التاريخية، بل على معادلة المصالح والقدرة على تقديم قيمة إستراتيجية مستمرة.

 

 

أعلى