كيف يحافظ المربي على يقظته التربوية في زمن تتسارع فيه التحديات الفكرية والنفسية والاجتماعية، ويوازن بين متابعة المتربين، وتعزيز صلابتهم، وبناء شخصياتهم، مع استمرار المراجعة الذاتية؛ ليبقى مؤثرًا ورساليًا في كل المواقف؟
في العدد السابق ذكرنا أهمية يقظة المربي، وذكرنا يقظته مع نفسه وكيفيتها وآثارها،
ثم يقظته مع أهله، ووسائلها وأهميتها، ونكمل بذِكْر باقي أقسام اليقظة في هذا
العدد؛ فنقول وبالله تعالى التوفيق:
ثالثًا: يقظة المربي مع المتربين:
المتربي رأسُ مالِ المربي، باعتباره أحد أهم أركان العملية التربوية، بل هو محورها
وغايتها وما يبذله المربي من جهدٍ، وما يقدّمه من وقتٍ وفكرٍ وعطاء، إنما يصبّ في
نهاية المطاف في مصلحة المتربي وبنائه. ومن هنا؛ فإن العناية بالمتربي ليست أمرًا
ثانويًّا يُؤجَّل إذا اتّسع الوقت ولا شأنًا هامشيًّا يُناقَش بعد الفراغ من
الأولويات -وكأنه ليس منها-؛ كلا، بل هو من صميم العملية التربوية، ومن أَوْلَى
الأولويات التي تفرض على المربي أن يتلمّس سبل تطويره وتثبيته والانتقال به من حاله
الواقعي إلى حالٍ مستقبليٍّ أفضل.
كما ينبغي للمربي أن يستشعر أمرًا عظيمًا؛ وهو أن الثقة التي مُنحت له في تربية
المتربين أمانةٌ ثقيلة، يجب أن يكون أهلًا لحملها؛ فماذا بعد أن تقذف الأسرة بفلذة
كبدها إليك ثقةً واطمئنانًا؟ وماذا بعد أن يقول لك المتربي بلسان حاله: ها أنا بين
يديك، فازرع فيَّ خيرًا، واغرس فيَّ معروفًا، وخذ بيدي إلى ما ينفعني في دنياي
وأخراي؟!
وقد أشار ابن القيم إلى هذا المعنى في قوله:
«أنفع
الناس لك رجل مَكنَّك من نفسه حتى تزرع فيه خيرًا أو تصنع إليه معروفًا؛ فإنه نِعْم
العون لك على منفعتك وكمالك؛ فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر. وأضرّ
الناس عليك مَن مكَّن نفسه منك حتى تعصي الله فيه؛ فإنه عون لك على مضرتك ونقصك»[1].
وهو ميزانٌ دقيق في تقدير قيمة المصلح وأثره. ولا شك أن المربي في مقدمة مَن يدخل
في هذا المعنى؛ إن أحسن القيام بحق التربية.
كما أن أمانة التربية قد أكّدت النصوص الشرعية مسؤوليتها، وجعلت صاحبها موضع
مُساءَلة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم :
«كُلُّكُمْ
راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ؛ فالإِمامُ راعٍ وهو مَسْؤولٌ، والرَّجُلُ راعٍ علَى
أهْلِهِ وهو مَسْؤولٌ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها وهي مَسْؤولَةٌ،
والعَبْدُ راعٍ علَى مالِ سَيِّدِهِ وهو مَسْؤولٌ، ألا فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ
مَسْؤولٌ»[2]،
وهو خطابٌ يُحمِّل المربي مسؤوليةً لا تحتمل الغفلة ولا التهاون. وعليه؛ فإن من حق
هذه الأمانة على المربي أن يكون يَقِظ القلب، حاضر الذهن، غير غافلٍ عمّن يربيه،
متفقدًا أحواله، متابعًا لتحوّلاته.
ومن مظانّ اليقظة مع المتربين ما يلي:
يقظة في معتقداتهم:
من مفرزات العلمانية بروزُ أفكارٍ ومعتقداتٍ منحرفة تعادي الإسلام وشرائعه؛ مثل
الإلحاد، وهو تموضعُ الإنسان ليكون حرًّا -في زعمه- دون التقيّد بدينٍ يضبط أفكاره
وسلوكه حتى يعيش حياةً يراها مرفهةً بلا قيود. ومن أقرب الطرق التي يسلكها بعضهم
لتحقيق ذلك: إنكار وجود الله تعالى، والقول بأن هذا الكون والمخلوقات وُجِدَتْ
صُدفة.
وقد يقود إلى هذا الاتجاه ظروفٌ نفسية وأزماتٌ انفعالية يتعرض لها بعض الأشخاص،
فتفضي إلى اضطراباتٍ شديدة، ثم إلى ضعف اليقين، ومِن ثَم الولوج في مسالك الإلحاد.
وقد يقود إليه كذلك حبُّ الشهوات وإيثارها والاستغراق في الاستمتاع بالملذات؛ إذ
يعلم صاحبها أن الإيمان بالله تعالى سيفرض عليه قيودًا تضبط حركته، وتَحُدّ من
اندفاعه، فينكر وجود الله تعالى؛ ليُخدِّر نفسه من وَخْز الفطرة وضغطها، ويبرّر
لنفسه حياةً قائمة على النفعية والاستمتاع دون حدٍّ أو قيد.
كما قد يقود إلى هذا الاتجاه: الاندهاشُ بالغرب وثقافتهم المتعارضة مع الدين، والتي
تُسوَّق في صورة التطور الحضاري والسبق المادي، ويُربط هذا التقدم -في أذهان بعض
الشباب- بترك الدين والتحرُّر من السلطة الإلهية، فيتوهمون أن النهضة لا تقوم إلا
على أنقاض الإيمان.
حسنًا، بعد هذه التوطئة يمكن القول: إن مَن نربّيهم جزءٌ من المجتمع المحلي، الذي
هو بدوره جزءٌ من المجتمع العالمي، وليسوا بمعزلٍ عنه، لا سيما مع تقارب الثقافات،
وتسارع تبادل المعرفة خلال ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودخول تقنيات الذكاء
الاصطناعي التي وفّرت الوقت والجهد والمعلومة. وقد ظهرت بعض الحالات -ولا نقول إنها
ظاهرة عامة- لكن يمكن القول: إن لها وجودًا في الواقع؛ إذ اتجه بعض الشباب إلى
الولوج في موجة الإلحاد عبر تلك الأسباب وغيرها. وتتعقّد المشكلة في كون الإلحاد من
قضايا الظل؛ فلا يتجرأ كثيرٌ من أصحابه على المُجاهَرة به؛ لعلمهم بتبعاته الدينية
والاجتماعية، مما يجعل رَصْده أصعب، ومعالجته أدقّ. فالبيئات التربوية اليوم ليست
بمعزلٍ عن هذا التحدي العقدي؛ بل هي في تماسٍّ مباشرٍ معه.
والأسباب التي ذكرناها آنفًا في الوقوع في موجة الإلحاد قد تتسرّب -بصورةٍ أو
بأخرى- إلى مَن نُربّيهم فتؤثر في أفكارهم، أو تثير في نفوسهم تساؤلاتٍ تحتاج إلى
وعيٍ ومتابعة قبل أن تتعمّق أو تستقرّ، وهنا تتجلّى أهمية يقظة المربي في تفقد
معتقدات من يربيهم؛ فيرسّخ فيهم أصول الإيمان، ويبني فيهم اليقين، ويصحح لهم
المفاهيم ويتابع ما يُتداول من أفكارٍ في أروقة الجيل الناشئ، فيناقشها بهدوءٍ
وعلم، ويكشف الشبهات ويفنّدها بالحجة والبرهان، قبل أن تتحوَّل من خواطر وشُبَه
عابرة إلى قناعات راسخة.
يقظة في عباداتهم:
تتنوع البيئات الأسرية التي جاء منها المتربون، وبالتالي تختلف الثقافة والمعرفة في
كثيرٍ من القضايا ومنها الجوانب التعبدية؛ وذلك بحسب المستوى التعليمي والثقافة
المعرفية لدى تلك البيئات؛ مما ينعكس على المتربين في مدى تعلقهم بالعبادة، وجودة
إقامتها وتعظيمها وقيمتها في نفوسهم، وكذلك في رغبتهم وحرصهم على سُننها وآدابها،
فضلًا عن شروطها وأركانها وواجباتها.
ومن فُرَص المُعايشة التربوية مع المتربين: تكرار اللقاءات بهم، وتوفير الوقت
للجلوس إليهم، ومرافقتهم في الذهاب والإياب، وربما السفر أيامًا مصاحبًا لهم؛ مما
يُمكِّن المربي من متابعة عباداتهم عن قرب، فيتعاهدها تصحيحًا وتقويمًا، وترغيبًا
فيها، وربطًا لها بالمعنى لا بالشكل فحسب. وأعظم من ذلك أن يربط عباداتهم بحالة
الافتقار إلى الله تعالى بين يديه، واستشعار عظمته ومراقبته فيحفّز هذا، ويصحّح
لهذا، ويثني على ذاك في حرصه ويتابع آخر في تحسين عبادته والإتيان بها على الوجه
الصحيح.
إن المربي أحوج ما يكون إلى يقظةٍ إزاء عبادات من يربيهم؛ فمن المحزن أن يعيش
المتربي شهورًا وسنين وهو يمارس بعض العبادات على وجهٍ خاطئ، ولا يجد مَن يرشده
ويُوجّهه. ولعلنا نتذكر حديث المسيء صلاته، حين لم يُترك على خطئه، بل وُجِّه
وصُحِّح له حتى يُتقن عبادته. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال:
«دَخَلَ
رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى،
فَسَلَّمَ علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَرَدَّ، وقالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ،
فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، فَرَجَعَ يُصَلِّي كما صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ علَى
النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ فَقالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ، فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ
ثَلَاثًا، فَقالَ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي.
فَقالَ: إذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ معكَ
مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى
تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى
تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وافْعَلْ ذلكَ في صَلَاتِكَ كُلِّهَا»[3].
يقظة في سلوكياتهم:
اللقاءات المتكررة، والجلسات المستمرة، ومعايشة المتربين -لا سيما في الأوقات
العفوية والتلقائية- وملاحظة علاقتهم بعضهم ببعض، وما يقع بينهم من مواقف؛ كل ذلك
يُمكِّن المربي من الوقوف على سلوكياتهم وأخلاقياتهم عن قُرْب. فيُعزِّز السلوك
الحَسَن، ويثني على صاحبه ويُقوِّم السلوك السيئ ويُنبِّه فاعله، ويُبرز جماليات
الأخلاق ومواقف الإخاء بينهم؛ فينشر ما هو جميل من التعاملات حتى يسود في البيئة
التربوية، ويغدو سِمةً ظاهرة فيها.
كما يجب أن يكون المربي يقظًا إزاء الجانب المظلم من السلوك؛ فيلاحظ الانحرافات
مبكرًا قبل أن تستفحل أو تنتشر بين المتربين؛ كالتعلّق المذموم، وما قد ينشأ عنه من
عشقٍ منحرف أو سلوكٍ أخلاقيٍّ مرفوض، وهي أمورٌ غذّاها حضور بعض أنماط الثقافة
الغربية بمغرياتها الجاذبة، ومن ذلك الترويج للشذوذ الجنسي عبر بعض المنصات
الإعلامية العالمية مثل
Netflix،
من خلال أفلامٍ ومسلسلات تُظهر الممارسات الشاذة كالمثلية، بل وتطرح قضايا خطيرة
كاشتهاء الأطفال (البيدوفيليا)، ويُروَّج لذلك بشبهاتٍ مضلِّلة، كاعتباره جزءًا من
التنوع الطبيعي، أو الدعوة إلى تَقبُّله والتعايش معه بوصفه سلوكًا عاديًّا.
وأعظم من ذلك: آفة إدمان المواقع والمقاطع الإباحية؛ ذلك الشرّ المستطير وباب
الفتنة والهلاك لمن ولجه، بما يتركه من آثارٍ مدمّرة على الفطرة والسلوك والقِيَم،
عبر مواقع تكرّس الانحراف وتُجمِّله، وتعرضه بأدوات جذبٍ وإغراء. وهذا كله يتطلّب
من المربي أن يكون يقظًا منتبهًا لما يدور حوله، وما يؤثر في سلوك المتربين
وأخلاقياتهم. فقوة الملاحظة والحدس لا تكون للغافل، بل هي لليَقِظ المُنتبِه أقرب؛
فيبادر إلى الوقاية والتحذير، ويسعى في البناء والتحصين، ويعالج مبكرًا قبل أن
يستفحل الداء ويصعب الدواء.
يقظة في اهتماماتهم:
تُعدّ اهتمامات المتربين من مواهب وهوايات مدخلًا مهمًّا للتنمية وبناء الشخصية؛
فمن خلالها يكتشف المربي توجهاتهم المستقبلية، وبواسطتها يستطيع أن يبني معهم
جسورًا من العلاقة الممتدة، ويفتح أمامهم آفاقًا واسعة للنمو والعطاء. والمتربون
ليسوا سواءً في اهتماماتهم؛ فمنهم مَن تميل اهتماماته إلى جوانب العلاقة والتواصل
مع الآخرين، ومنهم من ينجذب إلى طلب العلم والقراءة، ومنهم من يهتم بالجوانب
العلمية والمهارية، وهناك مَن تتَّجه ميوله إلى الرياضة أو الجوانب الفنية، وهكذا
قد علم كل أناس مشربهم. وهنا تتجلّى يقظة المربي في اكتشاف اهتمامات المتربين
مبكرًا، وتوجيهها التوجيه الصحيح، وعدم التعامل معهم بنمطٍ واحد، بل بالنظر إلى ما
يتميّز به كل متربٍّ على حدة.
ومما يُعين المربي على هذه اليقظة ما يلي:
-التعرّف على اهتماماتهم واكتشافها من خلال الحوار معهم، وملاحظة شغفهم وما يحبون،
وكذلك بالاستفادة من بعض الأدوات المعاصرة؛ مثل اختبار الذكاءات المتعددة، واختبار
DISC،
واختبار
Gallup
Clifton
Strengths،
واختبار
Herrmann
Brain
Dominance
Instrument.
-توجيه الاهتمامات الوجهة الصحيحة، والعمل على تنميتها ونُضجها، وربطها بما ينفعهم
وينفع أمتهم.
-حماية الاهتمامات من الإفراط أو التفريط؛ حتى لا تتحوَّل إلى عبءٍ أو انشغالٍ
مفرط.
-ربط الاهتمامات برسالة أسمى وغاية عليا، واستحضار نفع الأمة والأوطان والمجتمعات.
وفي المقابل، فقد غزت الاهتمامات التافهة كثيرًا من الشباب اليوم عبر وسائل التواصل
الاجتماعي؛ حتى أصبح المحتوى التافه يستحوذ على عقولهم، ويجعلهم يقضون الساعات
الطوال في متابعة مقاطع لا هدف لها سوى المتعة الوقتية والضحك العابر. وغدا هذا
المحتوى شغلًا شاغلًا لبعض الشباب، يصرفهم عن اهتماماتهم الجادة، ويجعلهم مستهلكين
ينتظرون جديد تلك المقاطع صباح مساء!!
ولعل من أسباب هذا التوجه حياة اللامعنى التي يعيشها بعض الشباب؛ فعندما يفرغ
الإنسان من قضايا المعنى والقيمة، وما له وزن في الدين والمجتمع، فلا يُستغرب أن
ينجذب إلى التوافه وما لا طائل تحته. ومن هنا تبرز يقظة المربي؛ إذ ينبغي له أن
يرتقي بشباب الأمة نحو معالي الأمور، وأن يربطهم بقضايا أُمّتهم ومجتمعهم، وألا
يتركهم أسرى لحياة اللامعنى؛ فتُستنزف أوقاتهم وطاقاتهم في التوافه ورذائل الأفكار
والسلوكيات، بدل أن تكون سواعدهم قوة بناءٍ ونماء لأمتهم.
يقظة في تحدياتهم:
تُحيط بالمتربين تحدياتٌ كثيرة، داخليةً كانت أم خارجية، فهم جزءٌ من المجتمع
يتأثرون بمؤثراته ومغرياته كما يتأثر غيرهم. غير أن يقظة المربي تؤدي دورًا مهمًّا
في حماية المتربين من آثار هذه التحديات، وتوجيههم للتعامل معها بوعيٍ وحكمة. ومن
يتأمل واقع التحديات المعاصرة يجد أنها متعددة المسارات ومتنوعة الأشكال. فمنها
التحديات الفكرية؛ إذ انتشر في السنوات الأخيرة الترويج لما يسمى بـ«الدين
الإبراهيمي»،
وهو طرحٌ يقوم على فكرة أن الأديان السماوية جميعها تعود إلى إبراهيم -عليه
السلام-، وأن الطرق كلها تؤدي إلى الجنة. وقد دُعِم هذا التوجُّه في بعض الأماكن
بإنشاء مراكز تجمع أتباع الأديان المختلفة للعبادة المشتركة. غير أن القرآن الكريم
يبيّن حقيقة الأمر بوضوح في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا
وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. ومن هنا فإن المربي اليَقِظ ينظر إلى مثل هذه
التحديات بعين الاعتبار، ويجتهد في تحصين المتربين علميًّا وفكريًّا؛ حتى لا يقعوا
في الشبهات المضللة.
ومن التحديات أيضًا: التحديات النفسية؛ إذ تعاني بعض الأجيال الناشئة -إلا من رحم
الله- من ضعف الصلابة النفسية، فتغدو نفوس بعض المتربين هشَّةً سريعة التأثر، ضعيفة
القدرة على مقاومة التعب والجهد وتحمُّل البلاء والمسؤولية. وربما ينهار بعضهم أمام
ضغوط الحياة أو المسؤوليات المفاجئة، فيقع في أزمات نفسية تؤثر في واقعه ومستقبله.
وهنا يظهر دور المربي اليقظ؛ فهو الذي يُربّي المتربين على الصلابة النفسية،
ويُعوِّدهم تحمُّل المسؤولية، ويُشركهم في العمل، ويمنحهم فرصة اتخاذ القرار، حتى
ينشؤوا أقوياء قادرين على مواجهة التحديات، ويكون كلٌّ منهم عنصر قوةٍ لغيره.
كما تبرز التحديات الاجتماعية، ومن أبرزها: تأخر سنّ الزواج لدى بعض المتربين؛
نتيجة تعقيدات الحياة الزوجية، وارتفاع المهور، وقلة ذات اليد، وصعوبة الاستقرار
الوظيفي. وهذه التحديات تستدعي من المربي أن يكون قريبًا من المتربين، حاضرًا في
همومهم وتحدياتهم. وليس بالضرورة أن يملك المربي حلولًا لكل مشكلة، لكنّ قُربه من
المتربين، واهتمامه الصادق بمعاناتهم، وسعيه لمساندتهم بما يستطيع، يُعدّ في حد
ذاته بلسمًا يُخفّف عنهم، ويمنحهم شعورًا بالطمأنينة بأن هناك مَن يشاركهم همومهم
ويهتم بقضاياهم.
ديمومة اليقظة
من جميل الموافقات أن نختتم هذه المقالة بكلام ابن القيم كما ابتدأناها بكلامه.
فاليقظة التي يحتاجها المربي ليست يقظةً وقتية، تحضر في ظروفٍ معينة أو عند وقوع
الأحداث، بل هي يقظةٌ دائمة ترافقه في مسيره التربوي كله. وقد أكّد ابن القيم هذا
المعنى حين قال:
«اليقظة
معه في كل مقام لا تفارقه. وكذلك البصيرة والإرادة والعزم. وكذلك التوبة، فإنها كما
أنها من أول المقامات فهي آخرها أيضًا، بل هي في كل مقام مُستصحَبة»[4]؛
أي: إن السائر إلى الله تعالى ينبغي أن يستشعر ديمومة اليقظة، وأنها ملازمة له في
كل مرحلة من مراحل سَيْره، فلا ينتقل عنها إلى غيرها، بل ينتقل بها ومعها إلى
المقامات الأخرى. وهكذا ينبغي أن يكون المربي؛ يسير في طريقه مستحضرًا ديمومة
اليقظة، يراقب نفسه، ويتفقد مَن يربيهم، ويستدرك ما قد يعتري طريقه من غفلة أو
فتور.
ويتذكر في ذلك ما رُوِيَ عن سالم مولى أبي حذيفة -رضي الله عنه-: لما أخذ الراية
يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال له المهاجرون: أتخشى أن
نُؤتَى مِن قِبَلك؟ فقال: بئس حامل القرآن أنا إذًا»[5].
وهي كلمة تُعبِّر عن يقظة القلب واستحضار المسؤولية. فديمومة اليقظة هي ضمانة بقاء
المربي حيّ القلب، حاضِر البصيرة، ثابت العزم، لا تغلبه الغفلة.
[1] ابن القيم، الفوائد، ص279.
[2] صحيح البخاري، رقم 5188.
[3] صحيح البخاري، رقم 757.
[4] ابن القيم، مدارج السالكين، ج1، ص204.
[5] ابن كثير، البداية والنهاية، ج9، ص497.