• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
يقظة المربي (1- 2)

هل تكفي الخبرة وحسن النية لصناعة مربٍ ناجح، أم أن اليقظة الدائمة للنفس والعلم والإيمان والأسرة هي الضمان الحقيقي لحفظ الأمانة وبناء الأجيال قبل أن تتسلل الغفلة فتفسد كل شيء؟


تُعدُّ اليقظة من منازل المصلحين الربانيين، وقد جعلها ابن القيم -في كتابه مدارج السالكين- أولَ منازل السائرين إلى الله تعالى، بل عليها ينبني سائر السَّير، ومنها تنطلق حركة القلب نحو المقامات العُليا.

واليقظة: انتباه القلب من الغفلة عن الأمانات الملزمة. ويوضحها ابن القيم بقوله: «هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين. ولله ما أنفع هذه الروعة! وما أعظم قَدْرها وخطرها! وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحسّ بها فقد أحس -والله- بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّر لله بهمّته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سُبِيَ منها».[1]

ومن تأمّل قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الحديد: 16)، واستحضر قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: «ما كانَ بيْنَ إسْلَامِنَا وبيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بهذِه الآيَةِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ»[2]؛ أدرك أن أربع سنوات كانت كافية ليُطالَب الجيل الأول باليقظة من الغفلة، وتعبيد القلب لله تعالى، وتليينه بذكر الله تعالى، والانتقال به إلى معالي الأمور؛ حتى لا يُصاب بالقسوة، وأن التأخر عن هذا المسلك لا يليق بمن يشاهد تنزُّل الوحي على خير الأنبياء وسيد المرسلين لقد كانت النفوس -مع قُرْبها من الوحي- تحتاج إلى آيات تُوقظها من سُباتها، وتنتشلها من غفلةٍ قد تتسرَّب إليها في خِضَم السير؛ فلله درّهم!

 ولو رجعنا لقواميس اللغة لوجدنا أن ثمة معاني أوسع تحتملها كلمة اليقظة؛ كالفطنة، والمعرفة والانتباه، والحذر.[3] يؤكد على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ»[4]. قال ابن حجر: «قال: الْخَطَّابِيُّ: هَذَا لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ؛ أَيْ: لِيَكُنِ الْمُؤْمِنُ حَازِمًا حَذِرًا لَا يُؤْتَى مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ، فَيُخْدَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَمَا يَكُونُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَهُوَ أَوْلَاهُمَا بِالْحَذَرِ». وقال: «فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّغْفِيلِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْفِطْنَةِ»[5].

كما يؤكده قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «لستُ بخِبّ ولا الخِبّ يخدعني»[6]. وهو توجيه يُرسّخ في النفس معنى الكياسة والانتباه، فلا سذاجة تُستغَلّ ولا غفلة تُستثمَر. وهي معادلة دقيقة بين سلامة الصدر ويقظة العقل؛ فلا يكون المؤمن مُخادِعًا، ولا يكون لُقْمة سائغة لأهل المكر والخداع. والمربّون اليوم أحوجُ الناس إلى استحضار هذه المنزلة؛ إذ يحملون أمانة التربية، ويتقلّدون مسؤولية الارتقاء بالناس من حالٍ إلى حالٍ أحسن، ومن مستوى إلى مستوى أرقى. وقبل ذلك كلّه هم مَعْنيّون بتزكية أنفسهم أولًا؛ فهم أَولى الناس باستشعار منزلة اليقظة في ذواتهم، ثم فيمن حولهم من الأمانات الملازمة لهم؛ أهلًا ومتربين. ذلك أن الغفلة عن النفس وأماناتها لا يقف أثرها عند حدود صاحبها، بل قد تمتدّ إلى الآخرين؛ فقد يغفل المربي عن نفسه وعمّن يُربيهم، فيقع ما لا تُحمَد عقباه من خللٍ أو عثرة، فتكون الخسارة في أعظم ثروة نملكها؛ النفس، والأهل والمتربين.

ولعلنا نبسط القول في هذه الدوائر بشيءٍ من التفصيل.

أولًا: يقظة مع النفس

في خِضَمّ أدوار المربي وعطائه المتواصل، قد ينشغل بمن يربّيهم حتى يغفل عن نفسه؛ يغفل عن تجديد إيمانه، وعن الاستزادة من العِلْم، وعن تنمية وعيه التربوي. فينضب مَعِينه، ويتكرَّر عطاؤه، ويفقد أثره؛ لأنه لم يعد يَحْمل جديدًا، بل يكرر قديمًا مستهلكًا. والمربي في هذه الحال أحوج ما يكون إلى وقفة يقظة: يقف فيها مع نفسه محاسِبًا، ناظرًا في زاده الإيماني وصلته بربه، وفي زاده العلمي، وفي رصيده المعرفي التربوي. ينفض عن نفسه غفلةً تتستر خلف أعذار «ضيق الوقت» و«كثرة الانشغال»، مع أن الحقيقة أن زاده الشخصي هو زاد المتربين أنفسهم. فكيف يُجيب عن أسئلتهم، ويعالج إشكالاتهم، ويواكب متغيرات زمنٍ تتسارع فيه الأفكار وتتزاحم فيه المؤثرات، إن لم يكن يَقظًا لذاته أولًا؟

اليوم يستطيع المتربي أن يصل إلى أيّ معلومة بضغطة زِرّ، لكنّه يبحث عن شيء أعمق من المعلومة: يبحث عن مُربٍّ كفء، يحترم عقله، ويُحسن الإصغاء لإشكالاته، ويضيء له الطريق ببصيرة وعلم لا بمجرد آراء وانطباعات. فإذا وجد هذا المربي اليَقِظ، استغنى به عن كثير من المصادر؛ لأنه وجد في حضوره احتواءً، وفي أسئلته جوابًا، وفي منطقه حِكمةً، وفي توجيهه أمانًا.

ومن أهم الأمور التي ينبغي للمربي أن يراعي فيها يقظته مع نفسه:

أ-اليقظة الإيمانية:

وهي الزاد الحقيقي للمربي في استمراره ومُضيّه في طريقه؛ ذلك أن تَفقُّد المربي لإيمانه وتعاهُده لقلبه، يولِّد قوةً قلبية، وانطلاقًا سلوكيًّا، لا يتوانى معها عن الثغور، ولا يعرف التقاعس أو الفتور. وتأمّل كيف كانت عبودية قيام الليل فرضًا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  في بداية الدعوة، مع أن المفترض -في منطق العقل- أن يكون الليل موطن راحةٍ بعد عناء يومٍ عصيب من الدعوة والجهر بها، وما يلقاه في سبيل ذلك من محنةٍ وابتلاء، وأذى جسدي ونفسي. ومع ذلك جاءت الآيات تخاطبه؛ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلً} [المزمل: 1- 7].

وكأن الرسالة: أن العمل للدين لا يُسْلَك بقوة الجسد وحدها، ولا بطاقة الحماسة المجردة، بل بزَادٍ إيمانيٍّ متجدّد، ومددٍ ربانيٍّ يُستجلَب بالخلوة مع الله تعالى ومناجاته؛ يمدّ القلب بالثبات، ويغذّي الروح بالصبر، ويهيئ النفس لتحمّل الأعباء. فالليل هنا لم يكن وقت راحةٍ لنفسه الشريفة -بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم-، بل كان إعدادًا لها، وزادًا ووقودًا لأعباء النهار. وهكذا المُربّي؛ إن لم يكن له زادٌ إيمانيٌّ يلملم به شتات قلبه، وشعث نفسه، ويُجدّد نيته، ويقوّي عزيمته، ويُعلي همّته، ويغسل عنه أثر المخالطة اليومية، فإنه مع طول الطريق وكثرة التحديات قد يفتر أو يتراجع.

ب-اليقظة العلمية:

العلم الشرعي زادٌ مهمٌّ يغذّي عقل المربي بالمعارف، ويزيده بصيرةً في دينه، ومن خلاله يتعرّف على ربّه -تبارك وتعالى-، فيزداد له خشيةً وتعظيمًا ويعبده على بصيرة. والنصوص الحاثّة والمرغِّبة في طلب العلم الشرعي أكثر من أن تُحصَى، ولا أظن مَن كان في مسار التربية يغفل عنها أو يجهل قدرها. إلا أن التحدي يكمن في فورة الحماسة لطلب العلم الشرعي في البدايات؛ فتجد المربي حريصًا أشدّ الحرص على البناء العلمي الرصين، يظهر ذلك من خلال حضوره الدائم لمجالس العلم، وملازمته لأهله. وما إن ينخرط في ممارسة العمل التربوي، وتتزاحم عليه المسؤوليات، إلا ويضعف ذلك النَّهم، وربما انقطع عن هذا الزاد المهم، أو اكتفى منه بالحدّ الأدنى. وعندما يُنظَر إلى العلم على أنه مرحلةٌ مؤقَّتة، يمرّ بها المرء ثم ينتقل عنها إلى غيرها؛ يحدث هذا الخلل، ويبدأ التراجع. أما حين ينظر المربي إلى العلم على أنه مرحلةٌ ينتقل بها لا عنها إلى غيرها، وأنه رفيق طريقٍ لا محطة عابرة، فعندئذ يظل هاجس الطلب حاضرًا في قلبه لا يفارقه مهما تقدَّمت به السنون، أو تعددت أدواره.

وهذا ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ كانت نظرتهم إلى العلم والاستزادة منه نظرة ملازمة لا تنفك عن حياتهم، يطلبونه في شبابهم ويزدادون منه في كهولتهم، ويحرصون عليه حتى آخر رمقٍ من أعمارهم، لأنهم أدركوا أن العلم ليس زاد بداية الطريق فحسب، بل زاد السير كلّه. ولعلنا نتذكر في هذا الباب إقبال الإمام أحمد على طلب العلم وشَغفه به رغم كبر سِنّه وعلوّ كعبه في العلم، وكأنه يُوصّل رسالة عملية إلى أن العلم الشرعي رفيق طريق إلى الله تعالى، لا ينقطع عنه السائر إلى الله تعالى. فعندما رأى رجل مع الإمام أحمد محبرة، قال له: يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين؟ فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة».

وقال البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: «أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر». وقال محمد بن إسماعيل الصايغ: «كنت أصوغ مع أبي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يده، فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله! ألا تستحي؟ إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟ قال: إلى الموت».[7] وكان بعض السلف يُوصي فيقول: «اجهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر». وعندما سئل سهل بن عبدالله: «إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتى يموت، ويُصَبّ باقي حِبْره في قبره»[8].

ولعل مما يعين على اليقظة العلمية ما يلي:

تكرار المقروءات السابقة:

فحريٌّ بالمربي أن يراجع مقروءاته السابقة، فيستذكر بها مسائل العلم، ويطالع تعليقاته واستدراكاته وأسئلته التي دوَّنها في مراحل سابقة؛ فإن في ذلك معينًا على تجدُّد العلم، وتثبيته في النفس، وربط اللاحق بالسابق، وإحياء المعاني التي قد يعتريها النسيان مع طول العهد. وقد كان هذا ديدن السلف الصالح؛ إذ لم تكن قراءة الكتب عندهم مرةً عابرة، بل مدارسةً متكررة يعيدون النظر فيها، ويزدادون معها فهمًا، ويستخرجون من مَعِينها في كل قراءةٍ جديدًا. بل بعضهم جعل عدم التكرار آفة العلم، كما أوصى الزرنوجي بقوله: «إن لكل شيء آفة، وآفة العلم تَرْك الجهد والتكرار»[9].

ومن أخبارهم في ذلك: ما ذُكِر عن المزني قوله: «أنا أنظر في كتاب (الرسالة) منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرتُ فيه مرَّةً إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته». وفي ترجمة البرهان الحلبي: أنه قرأ صحيح البخاري أكثر من ستين مرة، وصحيح مسلم نحو العشرين، سوى قراءته لهما في الطلب، أو قراءتهما من غيره عليه. وفي ترجمة عباس بن الوليد الفارسي: أنه وُجد في آخر بعض كتبه: دَرَسْتُه ألفَ مرة[10].

استدراك فنون العلم الفائتة:

هناك مِن المربين مَن لم يتيسّر له طلب بعض فنون العلم؛ لانشغاله بمصلحةٍ من مصالح المسلمين، تصدَّر لها، وبذَل فيها وقته وجهده، حتى تقدَّم به السنّ. فمثل هذا حريٌّ به أن يستدرك على نفسه ما فاته، وألّا يجعل فوات البدايات حائلًا دون تدارك النهايات؛ فالعمر ما دام فيه بقية، فباب الطلب مفتوح، وفضل الله واسع. وقد استدرك الكسائي على نفسه في تكوينه العلمي متأخرًا، وعلى كِبَرٍ من سنّه، ولا سيما في علم النحو، حتى صار إمامًا يُشار إليه فيه.

وفي هذا عبرةٌ للمربي؛ أن العلم لا يرتبط بمرحلةٍ عمرية بعينها، وإنما يرتبط بعزيمةٍ صادقة، وهمّةٍ تستدرك ما فات، وتلحق ما سبق. قال الفراء: «إنما تعلَّم الكسائي النحو على كِبَر»[11]. وكذا أبو بكر المروزي (القفال)، يقول الذهبي: «فلما صار ابن ثلاثين سنة، آنَس من نفسه ذكاءً مفرطًا، وأحبّ الفِقْه، فأقبل على قراءته حتى برع فيه، وصار يُضرَب به المثل»[12].

ج- اليقظة التربوية:

جديرٌ بالمربي أن يكون مطّلعًا، واسع القراءة في مصادر التربية وكتبها، تراثيةً كانت أم معاصرة، وأن يتابع التجارب التربوية السابقة والحديثة، مستفيدًا مما فيها من خبرات ودروس. كما ينبغي له أن يجدّد قراءاته ومعارفه التربوية باستمرار، وألا يكتفي بما حصَّله من رصيد سابق أو خبرة ميدانية محدودة؛ فالحياة متجددة، وفيها نوازل ومتغيرات وتحديات متلاحقة، تتطلب من المربي أن يُنمِّي ثقافته التربوية على الدوام ليُحْسِن التعامل معها.

إن التجربة السابقة أو الرصيد التربوي الضئيل لا يُؤهِّلان المربي لأن يفصل في كثير من القضايا التربوية الدقيقة؛ إذ قد يظن أنه يُصْلِح وهو في الحقيقة يُفْسِد. ومن يضمن آثار ما قد يقع فيه من أخطاء نتيجة آراء أحادية سطحية في مسائل تحتاج إلى علم رصين، وفهم تربوي عميق وسعة أفق، ومشورة راشدة؟ لذلك كان لزامًا على المربي أن يظل طالِب عِلْمٍ في ميدانه، يجدّد معارفه، ويستعين بأهل الخبرة والرأي، حتى يؤدي رسالته التربوية على بصيرة وحكمة. قال صلى الله عليه وسلم : «من تطبَّب ولم يُعلَم منه طبٌّ قبل ذلك؛ فهو ضامنٌ»[13]. وفي لفظ آخر «أيُّما طبيبٍ تَطبَّبَ على قَومٍ لا يُعرَفُ لهُ تَطَبُّبٌ قبلَ ذلكَ فأعْنَتَ؛ فهوَ ضامِنٌ»[14]

يقول السعدي: «هذا الحديث يدل بلفظه وفحواه على: أنه لا يَحِلّ لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يُحسنها، سواء كان طبًّا أو غيره، وأن مَن تجرَّأ على ذلك، فهو آثِم. وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما، فهو ضامن له، وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يُحسنها، فهو مردود على باذله؛ لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يُحْسِن، وهو لا يحسن، فيدخل في الغش، و«مَن غشّنا فليس منا». ومثل هذا البَنّاء والنَّجّار والحداد والخراز والنساج، ونحوهم ممن نصب نفسه لذلك، مُوهمًا أنه يُحْسِن الصنعة، وهو كاذب»[15].

والتربية صناعةٌ وعِلمٌ مستقلّ، له مصادره ومَراجعه، وروّاده، ووسائله وأساليبه، وأدواته ومضامينه التي تُميِّزه عن غيره من العلوم. ولكل صناعة مادتها الأصيلة التي تتعامل معها، غير أن مادة التربية ليست خشبًا ولا حديدًا، بل مادتها النفس الإنسانية التي كرّمها الله تعالى، ورفع قَدْرها.

ومن هنا كان لزامًا أن يُتعامل معها بكثير من العلم والتقدير والاحترام والحرص؛ فهي نفسٌ مُكرَّمة مصونة، تحتاج إلى رعايةٍ واعيةٍ وبصيرةٍ يقظة، حتى تُنمَّى قدراتها، وتُوجَّه طاقاتها، وتُبنَى شخصيتها البناء الذي يليق بكرامة الإنسان التي أودعها الله فيه.

ولعلنا نشير إلى بعض مظاهر هذه اليقظة، ومنها:

الحرص على البناء المعرفي التربوي؛ من خلال القراءة المنتظمة في كتب التربية، ومتابعة ما يستجد منها.

الاطلاع على الدراسات العلمية والأكاديمية في الشأن التربوي، والاستفادة من نتائجها وتوصياتها.

متابعة الأطروحات التربوية المستجدة عبر حضور المؤتمرات والندوات والملتقيات المهتمة بالشأن التربوي، أو الاطلاع على ما يصدر عنها.

التعرّف على النظريات التربوية والاجتماعية والنفسية، ومحاولة توظيف ما يتناسب منها في الحقل التربوي.

الاستفادة من العلوم القريبة من علم التربية؛ مثل: علم النفس التربوي، والقياس والتقويم، وعلم المراحل العمرية وخصائصها، وغيرها من العلوم التي تُسهم في فَهْم المتربين، والتعامل معهم على نحوٍ أدق وأعمق.

ثانيًا: يقظة مع الأهل:

ومن أهمّ الدوائر المحيطة بالمربي: دائرة الأهل والأولاد؛ فهي الدائرة الأولى بالرعاية، وأولى الناس ببركة عِلْمه وأثره، وأحقّهم بنفعه وعنايته. غير أنّ التحدي الحقيقي يكمن حين ينشغل المربي خارج بيته حتى يضعف حضوره داخله، فيقع في تفريطٍ غير مقصود، يبدأ بقلة متابعة، ثم بفتور سؤال، حتى يتحوَّل إلى فجوة شعورية وتربوية. فإذا وقع خللٌ أو انحراف في أهله أو ولده، ألقى اللائمة على كثرة انشغاله بتربية الناشئة والشباب، وجعل ذلك ذريعةً للتراجع أو التثاقل، وربما قال بحسرة: يكفي ما أضعت. وهذا في حقيقته ليس إلا أثر من آثار اضطراب الأولويات وخلل الموازنة بين الحقوق، وعدم إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه من الرعاية والاهتمام.

إن العمل التربوي خارج البيت لا يُعفي من المسؤولية داخله، فالبيت ليس هامشًا في مشروعه التربوي، بل هو مركز الاختبار الحقيقي. ومن هنا كان المربي بحاجة إلى يقظة مبكرة؛ يقظة تعيد ترتيب دوائره قبل أن تتصادم، وتصحح ميزانه قبل أن يختلّ. يقظة تدفعه إلى السؤال: هل بيتي ينال من وقتي بقَدْر ما يناله الآخرون؟ هل أولادي يشعرون بحضوري كما يشعر به طلابي؟ هل أتابعهم كما أتابع من أُربّيهم خارج المنزل؟ ماذا عن المعايشة التربوية الأسرية؟ هل لها نصيب من الواقع؟ من الحيرة بمكان: أن يَعرف المربي كل صغيرة وكبيرة عمن يربيهم من المتربين، ويقف غافلًا عن معرفة تفاصيل حياة أولاده وتحدياتهم واهتماماتهم. فالوقاية هنا خيرٌ من كل اعتذار لاحق؛ لأن الفوات مُؤلِم، وإذا وقع التقصير لم يُغنِ الندم.

 ولعلّ مما يعين المربي على يقظته مع الأهل:

 أن يحدّد يومًا في الأسبوع يجتمع فيه بأهله وأولاده، فيجلس إليهم جلسة قربٍ وحضور يناقشهم فيها بطرح بعض القضايا التربوية والعلمية، ويسأل كلَّ واحدٍ منهم عن اهتماماته، وما يواجهه من تحديات وما يشغله في يومه وأسبوعه.

ويحسن أن يُطعَّم هذا اللقاء بشيءٍ من الطرائف والمواقف اللطيفة التي تكسر الرسمية، وتجعل المجلس محفّزًا وجاذبًا، حتى ينتظره الجميع بشغفٍ وصبر، لا على أنه واجبٌ ثقيل، بل موعد أُنسٍ وقرب. ولا سيما إذا اقترن بشيءٍ من التوسعة عليهم في الطعام والشراب، ونحوهما؛ فإن النفوس مجبولة على الارتباط بالمشاعر السارة، فإذا اجتمع دفء اللقاء وحسن الإصغاء، ولطف الأجواء، صار هذا اليوم محطةً أسبوعية تُجدّد الألفة، وتُعمِّق الصلة وتسدّ كثيرًا من الفجوات قبل أن تتسع.

 

 


 


[1] ابن القيم، مدارج السالكين، ج1، ص188.

[2] صحيح مسلم، رقم 3097.

[3] ابن منظور، لسان العرب، ج7، ص466.

[4] صحيح البخاري، رقم 6133.

[5] ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج10، ص530.

[6] ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، ج5، ص23.

[7] مجموعة من المؤلفين، الجامع لعلوم الإمام أحمد، ج2، ص 365.

[8] الشريف، نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء، ج12، ص741.

[9] الزرنوجي، تعليم المتعلم في طريق التعلم، ص75.

[10] العمران، المشوق إلى القراءة وطلب العلم، ص89.

[11] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج9، ص133.

[12] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج17، ص406.

[13] صحيح النسائي، الألباني، رقم 4845.

[14] صحيح أبي داود، الألباني، رقم 4587.

[15] السعدي، بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، ص 118.

 

 

أعلى