كيف تُجسّد مناسك الحج القيم الروحية العظيمة، كالإخلاص والتوكل والتضحية، وتُحوّل رحلة الحاج من أداءٍ شكلي للشعائر إلى تجربة إيمانية تُهذّب النفس، وتُزكّي الروح، وتغرس التقوى، وتُعيد صياغة علاقة الإنسان بربه وبالحياة؟
الحج عبادةٌ عظيمةٌ تنطوي على كثيرٍ من المعاني الروحية التي تقود إلى استقامة
السلوك وحُسن المعاشرة ومكارم الأخلاق، وهذا شأن العبادات جميعها في الإسلام؛
فالصوم لتحقيق التقوى كما في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، والزكاة تطهيرٌ وتزكيةٌ؛ كما قال تعالى: {خُذْ
مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة: 103)،
والصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ
مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}
(العنكبوت:45).
وفي السُّنة النبوية عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
، قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ
كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»، قَالُوا: لَا
يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛
يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»[1].
وفي الحج يقول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ
فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما
تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ} (البقرة: 197).
وهذه الآية تُعدّ أصلًا في بيان القِيَم الروحية في فريضة الحج، وتتأكد روحانية
الحج حين نرى أن الآيات الكريمة في هذا الباب تنص على ما يلي: {لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ
عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما
هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} (البقرة: 198)،
وتنص على: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 199)، وتنص على: {فَإِذا
قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنَا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي
الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} (البقرة:200)، فإن هذه الآيات نصَّت على الوظيفة
الأساسية للحج، والمقصد الأعظم، وهو ذِكْر الله تبارك وتعالى.
وقد كانت العرب بعد أداء المناسك تجتمع وتتفاخر بآبائها وأحسابها وأنسابها
وقبائلها، فأراد القرآن أن يمحو هذا الانتماء الطيني الصغير، لكي يكون الجميع في
انتماءٍ آخر «روحي»، هو الانتماء لله وحده، والانضواء حتى لوائه دون سواه، لهذا طلب
منهم ذِكْر الله أكثر من ذِكْرهم لهذه الانتماءات الاجتماعيّة الضيّقة، وفي هذا
تأكيدٌ على الجانب الروحي في الحج، وفي كل شعيرةٍ من مناسك الحج؛ من إحرامٍ وتلبيةٍ
وطوافٍ وسعيٍ ووقوفٍ بعرفات، وغيرها كثيرٌ من المعاني الروحية والقِيَم الإيمانية
التي يجب أن يتمثّلها المسلم ويشعر بسناها في روحه وكيانه كله. لأجل هذا كانت قيمة
الحج الحقيقية ليست بالممارسة الشكلية الميكانيكية الخاوية من استلهام تلك المعاني
والقِيَم؛ فإن «مجرّد هذه الأعمال الماديّة يمكن الإتيان بمشابهها في بلدك وبيتك
دون كلفة العناء والسفر والمشقّة؛ حيث يمكن لك الدوران حول بيتٍ من البيوت أو السعي
بين جبلين مثلًا، فليست رسالة الحجّ الأساسيّة الأمور البدنيّة فقط، وإنما هي
كامنةٌ في الجانب الروحي، وهو العيش مع الله -سبحانه وتعالى- ومع تاريخ القِيَم
والمُثُل العليا»[2].
وحين نقرأ البشارة النبوية لمن حج فيما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ،
وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[3]؛
يتضح أن هذا الجزاء ليس جزاء على هذه الحركات التي يمكن أن تُؤدَّى خارج الحج، ولكن
لكونها مُفْعَمَة بالقِيَم الروحية ومليئة بالمُثُل الإيمانية التي تُهذِّب الروح،
وتُزكّي النفس وتُصفّي الوجدان، ويخرج منها المسلم وقد امتلأت أركانه بالفضائل
والقِيَم العليا والصيانة النفسية والصفاء الروحي.
«إن مناسك الحج تنمية لعواطف المسلمين نحو ربهم ودينهم، وماضيهم وحاضرهم، ويكفي
أنها تجمعهم من أطراف الأرض شُعثًا غُبرًا لا تفريق بين مَلِكٍ وسوقة، ولا بين جنسٍ
وجنس، ليقفوا في ساحة عرفة...، الهتاف فيها لله وحده، والرجاء في ذاته، والتكبير
لاسمه، والضراعة بين يديه؛ فقر العبودية ظاهر، وغِنَى الربوبية باهر، ومِن قبل
الشروق إلى ما بعد الغروب لا ذِكْر إلا لله، ولا طلب إلا منه سبحانه»[4].
وعليه، فليس المقصود من الحج مجرد أداء المناسك فحسب، وإنما ما يحصل من تلك
الأفعال من الصيانة المعنوية والآثار الروحية والمقامات الإيمانية الرفيعة التي
تجمعها كلمة «التقوى» في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ
فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: 197)، وهذه
الأشياء تُعدّ من محرمات الإحرام ومحظوراته؛ لأنها تتنافى مع التزكية الروحية
والصيانة النفسية التي يغرسها الحج في المسلم، فهي رحلةٌ روحيةٌ مليئةٌ بالقِيَم
الإيمانية التي تُصفّي الروح وتُهذّب السلوك، وصدق مَن قال:
الحج للأجــيال أفـضلُ معهدٍ
تجني به عفوَ الإله السرمـدِي
وتسير في درب التُّقَى بتضامـنٍ
وتعارفٍ وتعاطـــفٍ وتودُّدِ
إحرامه نزعٌ لثوب مطـــامع
وطـوافُه إجلال ربٍّ أوحــدِ
وصَلاتُه صِلةُ القلوب بخالــقٍ
باري الوجود ونبع عيشٍ أرغدِ
والسعيُ سعيٌ للفـضيلة والعُلا
وقضاءِ حاجات الفقير المُجهَدِ
وكذلك التقــصير رمز تجرُّدٍ
من كل خُلقٍ عن كمالـك مُبْعِدِ
أما الوقوفُ فوقفة لتعــارفٍ
وتقاربٍ رغم المكان الأبــعدِ
والازدلاف لمشــعرٍ نرنو به
لرضا السماء بتضــرُّعٍ وتعبُّدِ
والرمي رمي للطغـاة بموقفٍ
حُرّ -من الجمع الغفير- مُوَحَّدِ
والـذبحُ ذبحٌ للهـــوى وتأثرٌ
بسخاء إبراهيم بالــغضّ النَّدِي
والحلق زينة مؤمنٍ متمــسكٍ
عُرى الـتقى رغم الزمان الأنكدِ
أما المبيت لدى مِنى فضـيافةٌ
محمـــودةٌ عند الإله الأجودِ
هي تلك فلسفة المناسك أشرقت
وعيًا يُبدِّد حيـرة المتــــرددِ
فالله لا يدعـو الأنامَ لغير مـا
يُجدِي البرية في القريب وفي الغدِ
وكذاك إن يَنْهى فعن مُرْدٍ لنـا
جــسمًا وروحًا دون أيّ تردُّدِ
هو عالمٌ بمفاسدٍ ومصــالـحٍ
تُعطي السعادة للتقـي المهــتدِي
فمن اتّقى يجني المُنـَى بتعبُّـدٍ
وسواه يُغرق في الـشقا بتمـرُّدِ»[5]
وفي سياق الحديث عن روحانية الحج يَحْسُن أن نتناول بعض عطاءات الحج الروحية
ومِنَحه في تزكية النفوس، فمن أعظم قِيَمه الروحية:
التجرد الكامل لله تعالى والإخلاص المطلق له
إن معنى الحج في اللغة: القصد، وهو أن تقصد بكل حركةٍ وجه الله تعالى لا سواه،
وهذا التجرد الكامل والإخلاص تُترجمه عبارة التلبية الخالدة؛ ولفظها المأثور كما
ثبت عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: إِنِّي لَأَعْلَمُ كيف كان النبي صلى الله
عليه وسلم يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ
لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، قالت: يُلَبِّي: لَبَّيْكَ
اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ
وَالنِّعْمَةَ لَكَ»[6].
إن هذه الوفود القادمة من القارات كلها على اختلاف جغرافياتها وأحوالها ولغاتها
وألوانها وأجناسها لا تهتف إلا لإلهٍ واحدٍ لا شريك له، بهذا النداء المأثور الذي
يهزّ الأودية، لا لأحد من الخلق كائنًا مَن كان، وتُترجم هذه الملايين عما أكنَّته
من إخلاص وتجرُّد بهذا الجُؤَار الذي يملأ الآفاق ويُدوّي كالرعد القاصف، معلنةً
أنه لا انتماء إلا لله، ولا هتاف إلا باسم الله، ولا تقديس إلا لله، ولا ذِكْر إلا
لله، ولا ولاء إلا لله؛ متمثلين قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ
أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162). ولا يوجد شعيرة
يتمثل فيها التجرُّد أكمل ما يكون مثل فريضة الحج؛ حيث الهتاف فيها ليس لبشر أو
مخلوق، وإنما لله وحده لا سواه؛ طلبًا لرضاه، هذا عن تجرُّد النية والقصد.
وأما عن تجرُّد الذات؛ فالحاج قد قطع كل العلائق الدنيوية، وتَحلَّل مِن أحب
المألوفات، فإنه ترك الأهل، والوطن، والأزواج، والأبناء، والعشائر، والمسكن الفسيح،
والفراش الوثير؛ حتى الثياب التي اختارها لنفسه ويُحب لبسها قد تجرَّد منها، ولبس
غيرها لباسًا غير مخيطٍ يشبه الكفن، هو «لباس الإحرام» الذي يستوي فيها كل البشر،
وهو أول فِعْل يفعله الحاج من أعمال الحج «التجرد من لبس المخيط»؛ إيذانًا بتجرده
من حظوظ النفس، بل من الدنيا كلها، وإقباله على الله وحده لا شريك له، فالله يريد
منا أن نخلع كل الهيئات، ونتجرَّد من كل المقامات إلا مقامه الأعلى، فشرع لباسًا
واحدًا للجميع، لا يتميز فيه أحدٌ عن أحد.
وقمة التجرد من الذات يتجلّى في الطواف حول الكعبة، وهي في الأصل حجر، وكذا تقبيل
الحجر الأسود، ثم رمي الجمار، وهي كلها أحجار، فأنت ترى هنا حجر يُقَبَّل ويُبَاس،
وآخَر يُرمَى ويُدَاس، وهذا قمة التجرد لله تعالى، فهو يطيع الآمِر تعالى، ويخضع له
حبًّا وتقرُّبًا وتعبُّدًا دون النظر إلى ماهية الأمر.
والحج هو الشعيرة التي قيَّدها الله زمانًا ومكانًا؛ بحيث لا اختيار للعبد في
أدائها إلا في زمانها ومكانها، وهو مَلْمحٌ آخر من ملامح التجرد المطلق لله في هذه
الشعيرة، والخضوع له، والخروج من الذات.
ولا ننسى أن البيت الحرام بناه نبيّان كريمان، مخلصان لله تعالى وحده، متجرّدان له
دون سواه، «أحدهما: رُمِيَ في النار عقوبةً له على نَبْذ عبادة الأصنام، وهو
إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الذي قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي
فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
(الأنعام: 79)، والآخر إسماعيل الذي أسلم عُنقه للذبح؛ لما قال له أبوه: {يَا
بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى
قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّابِرِينَ} (الصافات: 102).[7]
التوكل على الله تبارك وتعالى
من القِيَم الروحية في الحج: التوكل على الله. وإن مَن يتأمل مناسك الحج يجد أنها
في ذاتها تُدرِّب المسلم على التوكل؛ فالحج كله توكُّل على الله -خاصةً- «منسك
السعي بين الصفا المروة»، فهو يُذكِّرنا بالسيدة هاجر أم إسماعيل، وهي تسعى بين
الربوتين ذهابًا وإيابًا سبعة أشواط، والسعي لا يكون إلا بحركةٍ وجهدٍ وعناء، تلتمس
الماء للرضيع الذي يتلوى عطشًا في صحراء قاحلةٍ جرداء؛ لا زرع فيها ولا ماء، ومع
ذلك سعت وتحركت، ولم تستسلم لليأس أو العجز، وتوكَّلت على الله ببذل الأسباب بحسب
وُسْعها، ثم فوَّضت الأمر لله؛ فتحقق الفرج ممن لا يُخيّب عبدًا توكَّل عليه ورجاه.
إن «شعائر السعي تجديدٌ وتخليدٌ لمشاعر التوكُّل على الله؛ كما استقرت في قلب هاجر
أم إسماعيل، وكما استقرت في قلب رَجُلها إبراهيم الخليل. إن التوكل شعورٌ نفيسٌ
غريب، وهو أغلى من أن يُخامر أيّ قلب، إنه ما يستطيعه إلا امرؤٌ وثيق العلاقة
بالله، حسَّاس بالاستناد إليه والاستمداد منه، وعندما ينقطع عون البشر، وتتلاشى
الأسباب المرجوة، وتغزو الوحشة أقطار النفس؛ عندئذ ينهض التوكل بردّ الوساوس وتسكين
الهواجس.
إنني بعين الخيال أتتبّع «هاجر»، وهي ترمق وليدها الظامئ، ثم تجري بخطواتٍ والهةٍ
هنا وهناك؛ ترقب الغوث، وتنتظر النجدة، إن ظنّها بالله حَسَن، وقد قالت لإبراهيم
عندما تركها في هذا الوادي المجدب الصامت: «آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت -في
رسوخٍ-: إذن لا يضيعنا». وها هي ذي تتعرَّض للمحنة، وتنتظر تدخل السماء، وتدخلت
السماء، وتفجّرت زمزم، وغَنِي الوادي بعد وحشة، وصار الرضيع المُحرج أُمةً كبيرة
العدد، عظيمة الغَنَاء، ومن نَسْله صاحب الرسالة العظمى، ومن شعائر الله: هذا
التحرك بين الصفا والمروة تقليدًا لأم إسماعيل، وهي ترمق الغيب بأمل. ألا ما أحوج
أصحاب المُثُل إلى عاطفة التوكل! إنها وحدها تُكثّرهم من قلة، وتُعزّهم من ذِلّة،
وتجعل من تعلقهم بالله حقيقة محترمة»[8].
وصدق من قال:
ليكن بربّك عز نفْــــــ
سك يستقرّ ويثبت
وإن اعتززتَ بمن يمو
ت فإن عزّك ميت[9]
التضحية والفداء
ومِن القِيَم الروحية للحج: قيمة التضحية والفداء. والتضحية بَذْل الغالي والنفيس،
وعلى رأسها النفس والمال، والحاج خرج بنفسه يحمل روحه على كفّه قاصدًا بيت ربه
الحرام، لا يبالي بما يلاقي من المشاق والمتاعب، كذلك بَذْل الحاج ماله الحلال، بل
تَرْك الدنيا كلها خلف ظهره ابتغاء وجه ربه.
ولو تفرّسنا في شعيرة الحج لاتضح أن التضحية من أعظم معالمها؛ لما فيها من مفارقة
الأوطان، وتعب الأبدان، وبذل النفائس، وتتجلَّى هذه القيمة جليةً في موقف نبي الله
إبراهيم مع ابنه إسماعيل، حين قدَّما مثالًا فريدًا على التضحية بأغلى شيء؛ فها هو
يرى الرؤيا بذبح ابنه الوحيد، فلم يتردد في تقديم أمر الله على مراده مهما كان
شاقًّا على النفس، ويستجيب الابن البارّ، فيقدم عنقه للذبح دون تردُّد كما قص ذلك
القرآن؛ {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي
الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا
تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافات: 102).
وهذا ترجمةٌ صادقةٌ لحبّ الله، فمن أحبّ محبوبًا بذل كل نفيس في حبّه، ومعلومٌ أن
الأنبياء أكمل الخلق في إنسانيتهم، ونفوسهم تزخر بمشاعر الرحمة والحب، فرغم تلك
المشاعر الجياشة، ورهافة الحس النبوي، إلا أنهما بادرَا بالامتثال للذبح دون تباطؤ،
وهذا يُعطي قيمةً كبرى لإيمان هذين النبيين الكريمين وتضحيتهما في سبيل الله تعالى.
وقد أحسن مَن قال:
يجود بالنفس إن ضنّ البخيل بها
والجود بالنفس أقصى غاية الجود[10]
والحمد لله أولًا وآخرًا.
[1] أخرجه البخاري في صحيحه1/197، ح505، ومسلم في صحيحه أيضًا، واللفظ له، 1/462،
ح667.
[2] فريضة الحج وأبعادها الروحية، حيدر حب الله
www.islam4u.com.larlmaghalat
[3] أخرجه مسلم في صحيحه، 2/983ح438.
[4]
مائة سؤال عن الإسلام، الشيخ محمد الغزالي، ص80.
[5] فلسفة الحج، حسن طراد، ص233- 234.
[6] أخرجه البخاري 2/138، ح1550.
[7] هذا ديننا، الشيخ محمد الغزالي، ص128.
[8] فن الذكر والدعاء، الشيخ محمد الغزالي، ص87.
[9] ذكره الحسن اليوسي في كتابه: محاضرات في اللغة والأدب 1/213، ولم ينسبه لأحد.
[10] ذكره أبو هلال العسكري في ديوان المعاني1/103،104، ونسبه لمسلم بن الوليد.