ما الذي دفع أوروبا لرفض المشاركة في الحرب على إيران رغم ضغوط واشنطن؟ وهل يكشف ذلك عن صراع مصالح عميق، وسعي أوروبي لبناء دور دولي مستقل، أم أنه موقف مؤقت فرضته حسابات الطاقة وأزمة أوكرانيا وتكاليف المواجهة؟
• لماذا رفضت أوروبا المشاركة أو تأييد الحرب الأمريكية-الصهيونية على إيران؟
• هل يُتابع العالم خطوة جديدة نحو ضعف أو تفكك حلف الناتو؟
• ما دور المصالح الأوروبية في إيران في تحديد موقفها من الحرب؟
• معادلة أوكرانيا-إيران: أين يقع دورها على خارطة القرار الأوروبي؟
• دلالات تحرُّك أوروبا في قضية مضيق هرمز.
• وما دلالات استبعاد أمريكا من قوة الإشراف على المضيق؟
مثَّل رفض أوروبا المشاركة في الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، ومنع القوات
الأمريكية المُشارِكة في الحرب من استخدام القواعد العسكرية الأوروبية، والامتناع
عن مجرد توفير غطاء سياسي لشنّ تلك الحرب؛ نقلة نوعية في الخلافات الإستراتيجية
الأوروبية مع الولايات المتحدة (والكيان الصهيوني).
هذا الموقف جاء امتدادًا وتطويرًا للخلافات التي ظهرت بعد انسحاب إدارة «ترمب»
الأولى من الاتفاق النووي (خمسة+ 1)؛ إذ نظرت أوروبا لتلك الخطوة باعتبارها محاولة
لاستبعاد الدور الأوروبي من إدارة الصراع، لتحقيق المصالح الأمريكية على حساب
المصالح الأوروبية في إيران، والأهم أن الموقف الأوروبي شكَّل توسيعًا وتعميقًا
للخلافات التي حدثت بين ضفتي الأطلسي بشأن حرب أوكرانيا، وبشأن ما سُمِّي بـ«مجلس
السلام العالمي» الذي رفضت الدول الأوروبية الانضمام له تحت رئاسة «ترمب». كما
شكَّل هذا الموقف تمدُّدًا للخلافات والمواقف -بل حتى الإستراتيجيات-، بشأن التعامل
مع كلٍّ من روسيا والصين.
كما جاءت المحاولة الفرنسية والبريطانية لتشكيل تحالف «سِلْمي» لفتح مضيق هرمز، يضم
دولًا غير متورطة في حرب إيران، لتُظهر مدى توسُّع شُقّة الخلاف بين الطرفين على
صعيد إدارة العلاقات الدولية.
وتلك طبيعة المواقف خلال الحروب؛ تكون المواقف خلال الحروب كاشفة، وحتى حادّة، على
خلاف فترات السِّلم التي تسمح باستخدام العبارات المُنمَّقة، وربما البلاغية.
لقد نطقت أوروبا بكل لغاتها، بأن حرب أمريكا و«إسرائيل» على إيران، ليست حرب أيٍّ
من دول أوروبا، ردًّا على إلحاح وضغط الرئيس الأمريكي لإجبار دول أوروبا -أو الشق
الثاني في حلف الناتو- للمشاركة عسكريًّا في فكّ الحصار الإيراني لمضيق هرمز. وبذلك
سجَّلت أوروبا موقفًا مختلفًا عن موقفها السابق خلال الغزو والاحتلال الأمريكي
لأفغانستان؛ إذ تشكّلت قوة من أعضاء الناتو لمساندة القوات الأمريكية هناك، بل حتى
عن موقفها بشأن استمرار احتلال العراق؛ حيث تكوَّنت بعثة وُصفت بالتدريبية للجيش
العراقي من أعضاء الناتو.
وهو ما طرح تساؤلات بالغة الأهمية، حول مصير ومسار العلاقات الأمريكية الأوروبية
ضمن حلف الناتو، وحول طبيعة المصالح المشتركة والاختلافات الأمريكية والأوروبية في
الشرق الأوسط، وحول المدى الذي ستبلغه أوروبا في قول «لا» للولايات المتحدة، وما
إذا كان لديها قدرة على مواجهة تبعات قول «لا» للولايات المتحدة، سواء على صعيد
الحفاظ على أمنها الإستراتيجي، أو حول الدور الأوروبي المستقبلي في إدارة العلاقات
الدولية؟
حقيقة وحدود الموقف الأوروبي
جاء الرفض الأوروبي للمشاركة في الحرب، باستخدام نفس مفردات سبق أن ردَّدها الرئيس
الأمريكي بشأن حرب روسيا على أوكرانيا، وكأن أوروبا تردّ على «ترمب» بالمثل! فإذ
طالما ردّد الرئيس الأمريكي مقولة: «إن حرب أوكرانيا ليست حربه، وأنه ورثها عن
الإدارة السابقة؛ فقد اجتمع القادة الأوروبيون على الرد على انتقادات الرئيس
الأمريكي للموقف الأوروبي الرافض للمشاركة في الحرب، بقول موحّد: إن حرب إيران
«ليست حربنا».
قال رئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر»: إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط «ليست
حربنا، ولن ننجرّ إلى هذا النزاع»، وأن بلاده تُركِّز على حماية مصالحها الوطنية،
وتقليل تداعيات الأزمة على الداخل البريطاني رغم الضغوط. وذلك في ردّ على سؤال حول
تصريحات «ترمب» بدراسة انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)،
ردًّا على فشل الحلفاء في المساعدة في الحرب.
وردّ المستشار الألماني «فريدريش ميرتس» على مطالبة «ترمب» للدول الأوروبية
الانضمام إلى جهد عالمي ضد إيران، ونشر سفن لفتح مضيق هرمز، بالرفض. وأعلن «أنه
طالما استمرت الحرب، لن نشارك في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز بالوسائل
العسكرية».
وتولّى وزير الدفاع الألماني ترديد مقولة «ليست حربنا». قال: «هذه ليست
حربنا،
ولم نبدأها». وفي فرنسا، قال الرئيس إيمانويل ماكرون أيضًا: «لسنا طرفًا في
الصراع».
أما في إسبانيا، فكان الموقف شاملًا وقاطعًا. لقد سارع رئيس الوزراء «فرانكو
سانشيز» بإدانة الهجمات على إيران، ووصفها بأنها متهورة وغير قانونية، وقررت وزيرة
الدفاع الإسبانية الإغلاق الكامل للمجال الجوي، قائلة بوضوح: «لا نسمح لا باستخدام
القواعد ولا الأجواء لأيّ أعمال مرتبطة بالحرب في إيران»، وهو موقف دفع «ترمب»
لتهديد إسبانيا
بقطع
العلاقات التجارية معها.
لقد رفض القادة الأوروبيون المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية الأمريكية
«الإسرائيلية» ضد إيران، خوفًا من الانجرار إلى صراع غير متوقع لا يفهمون
أهدافه
تمامًا، ولا يحظى بشعبية لدى مواطنيهم.
وبالفعل، كان لافتًا أن جاءت المواقف الأوروبية الرسمية الرافضة للانخراط في الحرب
-أو حتى دعمها- مسنودة بمواقف شعبية. لقد أظهر استطلاع للرأي «أن 58% من الألمان
يعارضون الحرب، وأن 49% من البريطانيين يعارضون الهجمات الأمريكية «الإسرائيلية»
على إيران.
أما في إسبانيا، فقد أيَّد 68% من الشعب مواقف الحكومة، وأكدوا معارضتهم للحرب.
غير أن المدقق في طبيعة المواقف، يلحظ أن أوروبا اتخذت موقفها الرافض للحرب،
مترافقًا مع حرص على عدم الدخول في صدام مباشر مع «ترمب» أو الكيان الصهيوني. كما
ذهبت أوروبا إلى إخراج «ترمب» من مأزقه بشأن مضيق هرمز تحديدًا، لكنها أبرزت قدرتها
على التحرُّك بدون الولايات المتحدة.
لقد حاول الأوروبيون -أو معظمهم- التخلّي عن «ترمب» ببعض المواقف الخجولة في بداية
الحرب.
كما أصدرت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا -وهي الدول التي تُحدِّد المسار الفعلي
للدبلوماسية الأوروبية-، بيانًا مشتركًا أدانوا فيه «بأشد العبارات» الضربات
الإيرانية الانتقامية ضد دول الجوار، دون إدانة للضربات الأمريكية «الإسرائيلية» ضد
إيران.
وتحدَّث ماكرون عن ضرورة «إعادة الكلمة إلى الشعب الإيراني الذي يُسْفَك دمه على يد
النظام عبر ذبح المعارضين»، ليقترب من الخط «الترمبي» الداعي لتغيير النظام.
ووصل المستشار الألماني «فريدريش ميرتس» حد تبرير الضربات الأمريكية -وإن على
استحياء-؛ إذ قال: «لقد سعت الولايات المتحدة طويلًا إلى حلّ تفاوضي، لكن إيران لم
تَقبل».
وهي حالة انعكست -بطريقة أخرى- في تبنّي أوروبا لاقتراحات تُخرج «ترمب» من مأزقه
بشأن مضيق هرمز، باعتباره إشكالية عجزت الولايات المتحدة عن حلها.
لقد أعلنت بريطانيا سعيها مع الحلفاء لإعادة فتح مضيق هرمز. وأطلقت فرنسا دعوتها
إلى تشكيل تحالف لتأمين المضيق، وأعلنت أنها أجرت مشاورات مع دول أوروبية وآسيوية
ودول الخليج العربية بشأن خطة تشمل قيام سفن حربية بمرافقة ناقلات النفط والسفن
التجارية. ورهنت ذلك بحدوث استقرار للوضع الأمني، غير أنها أشارت إلى عدم مشاركة
الولايات المتحدة والصين، وهي أحد الدلالات المُهمّة على تحرُّك أوروبا كطرف أو قطب
دولي.
فالملاحظة الإستراتيجية هنا، أن أوروبا تتحرك في هذا الاتجاه وفق نمط مشاركتها في
إدارة الصراعات الدولية، وليس دفاعًا عن مصالحها المباشرة فقط. فرغم تأثيرات ما حدث
عالميًّا في مجال الطاقة جراء الحرب، فأوروبا ليست المتضرّر الأكبر؛ إذ لا يتخطّى
ما تستورده أوروبا من نفط الخليج نسبة 6%، والغاز 10%؛ إذ تعتمد على موردين من
النرويج وأمريكا وأستراليا والجزائر وأذربيجان، فيما تبلغ نسبة واردات دول جنوب
آسيا أكثر من 80% من احتياجاتها من الخليج.
الأسباب المباشرة للرفض الأوروبي
لقد ساق الأوروبيون أسبابًا كثيرة لتبرير موقفهم الرافض للمشاركة في الحرب. قيل: لم
يتشاور معنا أحد (ألمانيا). وقيل: إن الحرب تُمثّل عصفًا بالقانون الدولي
(إسبانيا). وقيل: «لم تُبلَّغ فرنسا ولم يتم إشراكها في القرار، وكذلك الأمر
بالنسبة إلى دول المنطقة كافة وحلفائنا». وقيل: إن أهداف الحرب غير واضحة، وإن
أهداف الولايات المتحدة ربما تختلف عن أهداف «إسرائيل».
ولقد أظهرت المواقف الصادرة عن الاتحاد الأوروبي تخوفًا واضحًا من السقوط بأيدي
رئيس أمريكي لا يعرف أحد أبعاد مواقفه، ولأنه صاحب مواقف متقلّبة ويميل لتوريط
الآخرين. كما أظهرت قلقًا أوروبيًّا من الانجرار إلى معركة لا يُمثّل الانغماس فيها
أولوية للأمن القومي الأوروبي، الواقع تحت ضغط التهديد الروسي لأوروبا، بل حتى ضغط
الولايات المتحدة نفسها، كما هو الحال في محاولة السيطرة على جزيرة جرين لاند.
وبدا واضحًا أن القادة الأوروبيين وصلوا إلى تقدير بأن فوائد عدم مشاركتهم في هذه
الحرب تفوق المخاطر التي تترتب على الخلاف مع الولايات المتحدة، وربما كان لديهم
تقديرات بفشل الولايات المتحدة و«إسرائيل» في حسم المعركة بسرعة، بما يجعل مشاركتهم
في الحرب بمثابة تورط في نزاع يستنزف ميزانيات دولهم المرهقة بفعل أزمة الطاقة بعد
قرار تخفيض استيرادهم للطاقة الروسية الرخيصة، وبسبب رفع نِسَب مساهمة دولهم في
ميزانيات حلف الناتو، وبسبب زيادة الرسوم الجمركية التي فرضها «ترمب» على السلع
الأوروبية المورّدة لأمريكا.
كما يبدو أن الأوروبيين وجدوا ضرورة مصلحية للاستمرار في موقفهم الرافض لاستخدام
القوة العسكرية، والمطالب باستخدام الوسائل الدبلوماسية والقانونية في حلّ المشكلات
بين الدول، بالنظر إلى موقفهم من الأزمة الأوكرانية.
صراع مصالح أمريكي أوروبي في إيران
لقد تشكَّلت عوامل عديدة لاتخاذ دول أوروبا لهذا الموقف خلال مسيرة الصراع مع
إيران.
لقد كانت أوروبا صاحبة الدور الأبرز في إدارة الصراع مع إيران عند بداية أزمة
البرنامج النووي، في عام 2003م، ووقتها كان الاتحاد الأوروبي مَن يتفاوض وحده مع
إيران، وكان الموقف الأمريكي رافضًا لفكرة حل الأزمة بالتفاوض.
ولاحقًا، توسَّعت عملية التفاوض عبر صيغة (خمسة+ 1) (أعضاء مجلس الأمن + وألمانيا)،
ليصبح للاتحاد الأوروبي مقعدان في التفاوض (فرنسا وألمانيا)، يُضاف إليهما
بريطانيا، وكان لكل من الصين وأمريكا وروسيا مقعد. ووفق تلك الصيغة، بات لمجلس
الأمن الدولي دور أكبر.
ولعب الاتحاد الأوروبي دورًا بارزًا في فرض العقوبات على إيران؛ إذ كان لقرار
الاتحاد الأوروبي الصادر في عام 2012م، بمنع استيراد النفط والغاز من إيران، الدور
الأكبر في الضغط على المفاوض الإيراني.
وتحوَّل الاتحاد الأوروبي إلى دور المُنسِّق في التفاوض بين الولايات المتحدة
وإيران، حتى تم التوصل إلى اتفاق بين إيران ومجموعة (خمسة+ 1)، في عام 2015م،
وبعدها تحوّل الدور الأوروبي إلى موقع مَن يقوم بتسهيل تنفيذ الاتفاق. واعتمد
التحرُّك الأوروبي فكرة نزع فتيل المواجهة العسكرية.
وقد ساهم الاتفاق في ارتفاع معدلات التبادل التجاري بين أوروبا وإيران، حتى أصبح
الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الثاني لإيران؛ إذ قضى الاتفاق برفع العقوبات
الدولية على إيران.
لكن الاتحاد الأوروبي تلقّى صفعة قوية في عام 2018م، بصدور قرار من الرئيس الأمريكي
«ترمب» -خلال ولايته الأولى- بالانسحاب من الاتفاق الذي كان قد تحوَّل إلى اتفاق
دولي بصدور قرار من مجلس الأمن الدولي، جرى التصويت عليه بالإجماع.
وهكذا تمترس الاتحاد الأوروبي على موقفه المتمسك بالاتفاق، فيما ذهبت الولايات
المتحدة في طريق فرض أقصى العقوبات، والبحث والإعداد لتعامل عسكري لإنهاء الملف.
وهي مرحلة تراجَع فيها التبادل التجاري بين أوروبا وإيران؛ إذ تراجع إلى 4.5 مليار
يورو في عام 2024م، وكان قد وصل إلى نحو 10 مليارات يورو بعد توقيع الاتفاق، بما
أضاف بُعدًا اقتصاديًّا للخلاف الأمريكي الأوروبي حول أسلوب أو إستراتيجية التعامل
مع إيران.
ولذا بدا منطقيًّا أن لا تشارك أوروبا في العمل العسكري الأمريكي، سواء خلال ضربات
«مطرقة منتصف الليل» في عام 2025م، أو في الحرب التي انطلقت في 28 فبراير 2026م.
حدود وأبعاد الخلاف الأوروبي-الأمريكي
تُبْدِي أوروبا اهتمامًا «بمصالحها» هي الأخرى، على غرار ما يسعى إليه الرئيس
الأمريكي صاحب شعار «أمريكا أولًا». وتتعدد مجالات الخلاف من أوكرانيا إلى إيران،
والقضية الفلسطينية إلى التعامل مع الصين وروسيا. وفي ذلك يبدو واضحًا أن أوروبا
تنتقل بمواقفها، رويدًا، من مجرد المعارضة لمواقف أمريكا والانصياع لقراراتها في
نهاية المطاف، إلى القدرة على قول «لا»، والسير في طرق مستقلة مُعاكِسة للتوجهات
والضغوط الأمريكية.
وفي الانتقال من الخلاف حول أوكرانيا، وحول العلاقات مع الصين وروسيا، إلى الخلاف
حول إيران، حدث تحوُّل مُهِمّ.
لقد تعاملت أوروبا في الخلاف مع الولايات المتحدة حول أوكرانيا، باعتباره خلافًا
يمكن الالتفاف عليه عبر ضخّ ميزانيات أكبر في الصراع الأوكراني، مع التمترس بالرفض
للتوجهات الإستراتيجية المتعلقة بالصراع. لقد خصَّصت أوروبا ميزانيات لشراء السلاح
الأمريكي المُوجَّه لأوكرانيا، لمعالجة شكوى «ترمب» من إنفاق الولايات المتحدة
الأموال في الحرب الأوكرانية، لكنها قالت «لا»، وعملت على إفشال خطط «ترمب» حول
الاقتراب من روسيا عبر منحها أراضي أوكرانية.
أما في حرب إيران، فقد سجَّلت أوروبا قدرتها على اعتماد إستراتيجية خاصة تُحقّق
مصالحها، مع رفض الضغوط الأمريكية وعدم الانصياع لها، حتى مع تهديد «ترمب»
بالانسحاب من حلف الناتو. رفضت أوروبا المشاركة في حرب لم تكن طرفًا في التخطيط لها
أو في إشعالها، ورفضت انجرار الناتو للمشاركة في الحرب. وكان الأشد أهمية أن رفضت
أوروبا منح تغطية إعلامية تمنح تلك الحرب مشروعية غربية، وإن تحرَّكت وحدها
-مستبعدةً الولايات المتحدة- لحلّ أزمة مضيق هرمز. لقد تحركت أوروبا في اتجاه
إستراتيجي مضادّ للموقف الأمريكي، وبدت في موقع القطب الدولي المستقل، الذي يُحاول
استعادة الثقة بالقانون الدولي، ومَن يسعى لعقد اتفاقيات متعددة الأطراف على الصعيد
الدولي؛ إذ ذهبت مشاوراتها باتجاه الدول المتضررة من إغلاق المضيق في جنوب آسيا، مع
استبعاد كلٍّ مِن الولايات المتحدة والصين. وكان لافتًا أن تحرَّكت أوروبا عسكريًّا
تحت عنوان الدفاع عن دول الخليج.
والملاحظة الإستراتيجية هنا، أن أوروبا لم تخشَ احتمال رهن «ترمب» مساندة أوروبا
لحَرْبه ضد إيران بموقفه تجاه أوكرانيا، وذلك يُمثِّل التطور الإستراتيجي الأبرز،
والمؤشر الأعلى على قدرة أوروبا على اتخاذ خطوة إستراتيجية على الصعيد الدولي دون
وَجَل أو مراعاة لقدرة أمريكا على الضغط عليها في قضية تَعتبرها أوروبا أهم قضايا
أمنها الإستراتيجي.
غير أن أوروبا لا تزال في بداية الطريق للانفصال عن الموقف الأمريكي، أو للتحوُّل
إلى قطب دولي مُحدّد المصالح والتوجهات -وهي تبذل جهدها للحفاظ على بقاء حلف
الناتو-؛ إذ لن يتحقق لها الاستقلال إلا ببناء قوة عسكرية مستقلة قادرة على فرض
مصالحها أو الدفاع عنها، وهو ما يحتاج إلى وقتٍ حتى يتم تحقيقه.