• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تصريحات السفير وبوابة الحرب

هل تكشف تصريحات السفير الأمريكي عن «إسرائيل الكبرى» مجرد خطاب ديني متطرف، أم أنها تمهيد إستراتيجي لحروب تعيد رسم حدود الشرق الأوسط؟ وما علاقة هذا الخطاب بالضربة على إيران وتصاعد الفوضى الدولية وانهيار النظام القائم على القانون الدولي؟


السفير الأمريكي في الكيان يدشّن مرحلة الوضوح العقائدي والإستراتيجي لإعلان «إسرائيل» الكبرى

مايك هاكابي يُصرّح بأن أرض فلسطين وأرض إقامة «إسرائيل الكبرى» حقّ إلهي لليهود

لا حصانة لدول المنطقة ولا للقانون الدولي، بل توسُّع بالقوة على حساب الدول العربية بين النيل والفرات

لماذا تجاهلت الإدارة والخارجية الأمريكية المطلب العربي بتحديد موقفها من تصريحات السفير؟

كيف يجري التناغم بين هاكابي وبن غفير وسموتريتش ونتنياهو؟


أثارت تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني -مايك هاكابي- للإعلامي الأمريكي الأشهر، تاكر كارلسون، ردود فِعل غاضبة قوية في العواصم العربية. كما طرحت تساؤلات حول صفته الرسمية، وما إذا كان ينطق بلسان الخارجية والإدارة الأمريكية، أو ينطق باسمه الشخصي -كقس مسيحي إنجيلي مُنْتمٍ للمسيحية الصهيونية-؛ على اعتبار أن التصريحات لم يَسْبق لمسؤول أمريكي أن نطق بها، ولأن الإدارة أو الخارجية الأمريكية تركت تلك التصريحات والغضب الرسمي العربي دون تعليق أو تعقيب لفترة طويلة.

وهي تصريحات ذات أهمية قصوى، تتخطَّى الإعلامي والسياسي إلى الإستراتيجي والعقائدي؛ أدخلت المنطقة في مرحلة الوضوح العقائدي والإستراتيجي الشامل للمشروع الصهيوني -وفق الرؤية الأمريكية-، وباتت كاشفة لأبعاد التطورات الجارية في المنطقة من جهة، وللأبعاد والتحولات المستقبلية من جهة أخرى.

تصريحات تُمثّل نقلة كبرى

إن كان الغرب الأوروبي -المستعمر- قد تولَّى إنشاء وقيام ودعم المشروع الصهيوني خلال المرحلة الأولى؛ وإذ تولّى تثبيت وجوده ودعمه ومساندته خلال حروب 47 و48 و67، وفق رؤية إستراتيجية تقوم على احتلال فلسطين وإضعاف الدول العربية وإجهاض تجاربها التحررية؛ فالرؤية الأمريكية التوراتية التي طرحها السفير بمثابة نقلة كبرى -إستراتيجية وعقائدية- في الصراع مع الدول العربية من الآن فصاعدًا.

هي تعبير عن تحوُّل إستراتيجي ينتقل من خطة السيطرة على فلسطين -التي تبنّتها أوروبا-، إلى خطة بناء «إسرائيل» الكبرى على حساب عدة دول عربية وإسلامية. وهي تنقل المشروع الصهيوني من حالة احتلال إمبريالي صهيوني إلى حالة احتلال لتحقيق أهداف عقائدية يؤمن بها تيار المسيحية الصهيونية، الذي يتحكم في قرار السِّلم والحرب في الولايات المتحدة خلال حكم ترامب.

لقد اعتبر هكابي وجود «إسرائيل» وحروبها وسيطرتها على أراضٍ عربية شاسعة وبناء «إسرائيل» الكبرى تنفيذًا لوَعْد إلهي، وهو طوَّر المشروع الاستعماري الصهيوني من حالة احتلال لفلسطين كاملة إلى حالة احتلال واعتداء على سيادة وحدود دول قائمة في المنطقة، إلى حالة عقائدية. وباعتبار أن لم يسبقه أيّ مسؤول أمريكي في طرح تلك الرؤية، فيمكن النظر إلى تلك التصريحات باعتبارها تمهيدًا نفسيًّا وسياسيًّا وإستراتيجيًّا وعقائديًّا لأخذ المنطقة إلى حروبٍ لا تنتهي.

وتُعبِّر تلك التصريحات عن رؤية وموقف تيار المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة -المنتشر أيضًا في كثير من دول العالم-؛ الذي يضع قيام الكيان الصهيوني والدفاع عنه في خانة عقائدية. وهي تُظهر مدى تصاعُد تأثير هذا التيار على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال حكم ترامب. وفي ذلك تشير أرقام التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة إلى انتماء نحو 80 مليون أمريكي إلى التيار الإنجيلي -المنبثق منه تيار المسيحية الصهيونية-، صوّت 85% منهم لصالح ترامب.

وهي تصريحات لا تضع الحكومات والدول العربية والإسلامية -فقط- أمام قرارات كبرى، بل النُّخَب والشعوب أيضًا. كما أنها وضعت المسيحيين -العرب وغيرهم- أمام ضرورة الرد على ما حملته من مضامين لوَت عنق النص الديني (سفر التكوين)، وسخّرته لتغيير وجه الصراع في الإقليم. لقد أصبح على الكنائس الإنجيلية والبروتستانتية والأرثوذكسية والكاثوليكية -بل حتى جماعات يهودية-؛ أن تردّ على مضامين تصريحات السفير؛ إذ أعلن الكثير منها مرارًا وتكرارًا أن ما جرى ويجري هو حالة احتلال، ودعت بوضوح لإنهائه، وتحركت لفرض عقوبات دولية على الكيان الصهيوني.

والأمر بالغ الخطر بشأن دور هذا التيار المسيحي الصهيوني؛ إذ إن من خرجوا في الولايات المتحدة مطالبين الجيش الصهيوني بقصف غزة بالسلاح النووي -خلال حرب الإبادة الأخيرة-؛ هم من المنتمين لهذا التيار الذي ينتمي إليه هذا السفير.

من الوضوح الجزئي إلى الكلي

كان نفس السفير -مايك هاكابي- قد أطلق من قبل مقولات كرَّرها لسنوات تنفي وجود وطن أو هوية فلسطينية. ومن أقواله: «لا يوجد شيء اسمه فلسطيني». كما قد اقترح علنًا أن تُقام الدولة الفلسطينية في مكان آخر، مثل الأردن أو أجزاء من سيناء، قائلًا: إن «هناك الكثير من الأراضي العربية والإسلامية، بينما لا توجد إلا «إسرائيل» واحدة صغيرة». وهو يُؤيِّد بناء المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية. ومن أقواله: «لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية؛ إنها يهودا والسامرة؛ لا يوجد شيء اسمه مستوطنة، إنها مجتمعات، إنها أحياء، إنها مدن؛ لا يوجد شيء اسمه احتلال».

وفي تصريحاته الأخيرة، انتقل من وضوح المواقف بشأن المستوطنات والضفة والهوية الفلسطينية إلى الوضوح العقائدي والإستراتيجي بشأن «إسرائيل الكبرى». لم تتوقف تصريحاته الأخيرة عند حدود فلسطين فقط، بل امتدت لتشمل احتلال الشرق الأوسط كاملًا. ففي رده على سؤال مُحاوِره -تاكر كارلسون- عن النص الذي أورده منسوبًا للتوراة بشأن أرض «إسرائيل من نهر النيل إلى الفرات»؟ قال: هي أرض «أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعب اختاره».

وحين نبّهه المحاور أن هذا النطاق الجغرافي وهذه المساحة الشاسعة تبتلع دولًا بأكملها وتُغيِّر خريطة الشرق الأوسط، وأنها تشمل فلسطين التاريخية والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء واسعة من مصر والعراق والمملكة العربية السعودية؟ رد هاكابي بالقول: «سيكون من الجيد لو أخذوها كلها».

وهو ما جعل الكثيرين يرون أنه قدم هذا النص كبديل للقانون الدولي وكمرجعية قانونية ووثيقة سياسية وصك ملكية!

وفي ذلك، لا يجب أن ينتظر أحد تعليقًا بالنفي من الخارجية الأمريكية أو ترامب. كما يجب الحذر من أقوال «المتفلسفين العرب»، المتوقع أن يبرّروا أقوال السفير الأمريكي بالقول بأن رد السفير على تاكر كارلسون هو جزء من صراع داخلي في الولايات المتحدة، وفي داخل الحزب الجمهوري وحتى في داخل حركة «ماجا»، ولا علاقة له ولا تأثير على السياسة الخارجية.

ذلك أن هذا الوضوح التوراتي في منطق السفير، والوضوح الإستراتيجي -بشأن «إسرائيل الكبرى»- ليس فعلًا معزولًا، بل هو تعبير عن رؤية معتمدة ومستقرة داخل كتابات وعقول التيار المسيحي الصهيوني، ولأن أمر إطلاقها الآن من فوق أرض الإقليم مرتبط بتطورات سبقته وخطط لاحقة، وليس مجرد تصريحات عشوائية.

فتيار المسيحية الصهيونية هذا يعلن رؤيته تلك منذ زمن طويل وطوال الوقت في الولايات المتحدة. وهناك صراع جارٍ داخلي حول تلك الرؤى، إلى درجة أن يتندر البعض بالقول: لقد بدّل ترامب شعار «أمريكا أولًا» إلى «إسرائيل أولًا».

والجديد أن ما جرى إعلانه عبر تلك التصريحات ليس فقط إطلاقها من فوق الأرض العربية، بل مِن قِبَل مسؤول دبلوماسي أمريكي عيَّنه ترامب والخارجية الأمريكية، وهم يعلمون آراءه وأفكاره، وهو يُوصَف في الإعلام الأمريكي بالمستوطن.

والأمر نفسه في الكيان الصهيوني. لقد نشأ التيار الذي يطرح تلك الرؤية التوراتية -أساسًا للصراع والحرب- كجماعات هامشية متفرقة تنشط خارج الأطر الرسمية الحكومية، لكنه تحوَّل بعد ذلك إلى تيارات ذات جماهيرية واسعة -بدعم من المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة-، وبات ضمن تشكيلة الحكومة الصهيونية.

فتيارا بن غفير وسموتريتش يُروِّجان منذ فترة وعلنًا لتلك المقولات، وعلى أساس من نفس الادعاء التوراتي، بل هي رؤية تحظى بإجماع النُّخَب الصهيونية، وقد أعلن زعيم المعارضة في الكنيست الصهيوني -يائير لابيد- أنه يتفق مع تصريحات السفير الأمريكي مايك هاكابي بشأن «إسرائيل الكبرى»، ويؤكد أن سياسات «إسرائيل» تستند إلى هذا المفهوم «الكتابي».

كما لا يمكن فَصْل تلك التصريحات عن أقوال وخطط نتنياهو. فهو سبق أن رفع الخرائط للعلن، وتحدَّث عن «إسرائيل الكبرى» عدة مرات، كان آخرها في أغسطس 2025م في حديثه لقناة أي24.

وترامب نفسه هو الذي اعترف بالقدس المحتلة عاصمةً للكيان، وهو مَن عَيَّن السفير صاحب التصريحات مقيمًا في سفارة بلاده في القدس. وترامب نفسه سبق وتحدث عن ضم الجولان السوري المحتل إلى الأراضي التي يحتلها الكيان. والحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترامب هو صاحب مقولة وخطة الخيار الأردني أو خيار طرد الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية إلى الأردن وتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية. وترامب نفسه هو الذي كان يطلب طرد الفلسطينيين من غزة إلى سيناء المصرية.

كما لا يجب فصل توقيت إطلاق تلك التصريحات عن الوضع الدولي الراهن. وفي ذلك يمكن القول بأن من أطلقها -ومَن هم خلفه- يرون أن الظروف الدولية تسمح الآن بهذا الوضوح؛ حيث تتحرك سياسة الولايات المتحدة خارج إطار القانون الدولي، وحيث تحل الفوضى والفاشية.

وهذا ما ظهر بوضوح على لسان وزير الخارجية الأمريكية في مؤتمر ميونيخ للأمن.

لقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي أمام مؤتمر ميونيخ أن العالم القديم انتهى، وهو نفس ما قاله مستشار ألمانيا بوضوح أدق؛ إذ قال -في ذات المؤتمر-: «إن النظام الدولي القائم على القواعد انتهى»!

والحاصل أن عالم اليوم يشهد حالةً من الفوضى غير المسبوقة؛ حيث إن العلاقات الدولية محكومة باستخدام القوة لتحقيق الأهداف والمصالح -أكثر من أيّ وقتٍ مضى-، فلم يعد القانون الدولي والمبادئ التي تأسست عليها المنظمات الأُممية محل تقدير ولو حتى شكليًّا، كما لم تَعُد قادرة على تحقيق العدالة أو فرض الالتزام بين الدول. هذه الفوضى ليست مجرد حالة عابرة، والأهم أن الأساس في حدوثها هو التحولات التي جرت وتجري في السياسة الأمريكية خلال حكم ترامب. والمنطقة العربية وصراعات الشرق الأوسط ليست استثناء.

ولذا، لا يجب النظر إلى تلك التصريحات الغاية في الخطورة باعتبارها مجرد تعبير عن رأي سفير، أو أنها تعبير عن حالة التراشق بين أحد تيارات «ماجا» التي يُمثّلها تاكر كارلسون وتيار المسيحية الصهيونية المُشكِّل للجناح الآخر في «ماجا»؛ بل يجب النظر إلى تلك التصريحات باعتبارها كاشفة للرؤية العقائدية وللإستراتيجية الشاملة للإدارة الأمريكية الحالية في مواجهة العرب والمسلمين والدول العربية والإسلامية، وأنها بداية وتمهيد لنقلة كبرى في الصراع.

دلالات تلك التصريحات ومخاطرها

نحن لسنا أمام مجرد تعبير عن رأي، أو مجرد أقوال لسفير، بل أمام انتقالة كبرى، وما ذهب إليه السفير الأمريكي بمثابة طلقة بداية للتغيير، وليس قنبلة اختبار فقط. ونحن أمام لحظة الحقيقة التي حاول كثيرون التغطية عليها أو عدم مواجهتها. وهناك مَن هو في ورطة الآن، خاصة أولئك الذين تبنوا مقولات الخلاف بين أمريكا والكيان الصهيوني، أو الذين كانوا يعملون وفق مقولة: «إن المرور للسياسة الأمريكية يتطلب المرور عبر بوابة إسرائيل». الآن لا بوابات ولا نوافذ يمكن الدخول من خلالها للفصل بين المواقف الأمريكية والصهيونية. يظهر الآن مدى متانة التوافق بين الرؤيتين الأمريكية والصهيونية، والموقف الأمريكي سافر العداء للدول العربية وعلى أساس توراتي. ويبدو أن اللقطة التي ظهر فيها أحد قادة اللوبي الصهيوني وهو يضع يده على كتف ترامب ويُحدّثه بأنه الرئيس اليهودي الأول لأمريكا تدور الآن بأذهان أمثال هؤلاء.

وهذه التصريحات تضع العالم العربي والإسلامي أمام وضع خطر؛ إذ هي تَحمل مضمون إهدار الاتفاقيات التي جرى عقدها خلال المرحلة السابقة. هي تصريحات تتعارض مع الاتفاقات التي عُقِدَت بين الدول العربية والكيان الصهيوني برعاية أمريكية. هي تثير التساؤلات حول ما اتُّفِقَ عليه في اتفاقية كامب ديفيد التي عَيَّنت الحدود المصرية الصهيونية، وهي اتفاقية مُسجَّلة لدى الأمم المتحدة! وكذا حال اتفاقية وادي عربة التي عيّنت الحدود بين الكيان الصهيوني والمملكة الأردنية، والتي سُجّلت هي الأخرى في الأمم المتحدة أيضًا. والحال كذلك بالنسبة للحدود مع لبنان المحددة وفق اتفاقية وقف إطلاق النار عام 1949م، والحدود مع سوريا المحددة باتفاق وقف إطلاق النار عام 1974م.

ولفهم الخطر بشكل أعمق، ولإيضاح مسألة أن تلك التصريحات تُمثّل تغييرًا حاسمًا في الرؤية والموقف الأمريكي، يجب الربط بينها وبين تصريحات السفير الأمريكي في تركيا، توم براك، بشأن نهاية اتفاقية سايكس-بيكو الأوروبية.

فإذ أعلن «براك» خطأ التقسيم الأوروبي وفق سايكس-بيكو، ونزع الاعتراف عن الحدود التي شكّلت الدولة الوطنية العربية بعد الحرب العالمية الأولى؛ فقد جاءت تصريحات مايك هكابي لتفتح حدود سايكس بيكو أمام الاحتلال الصهيوني في عموم المنطقة العربية.

ويزيد عمق الخطر إذا وضعنا في الاعتبار أنها تَصْدر في ظل حكم ترامب، الذي يُجاهر بعدم احترام الاتفاقات والمعاهدات والقانون الدولي وحدود واستقلال الدول، وهو ما تَجسَّد عمليًّا في انتهاك سيادة فنزويلا وخطف رئيس البلاد، وفي أحاديثه عن ضم جرينلاند ودولة كندا، وفي حديثه عن السيطرة على غزة لبناء مشروع سياحي.

وهي تصريحات لا يمكن فَصْلها عما هو جارٍ من خطط لإضعاف الدول القوية في المنطقة، وإنهاكها من خلال ميليشيات مدعومة صهيونيًّا، كما هو حال السعودية ومصر وتركيا، وعن قرار الكيان الصهيوني بالاعتراف بتقسيم الصومال. وبطبيعة الحال، لا يمكن فَصْلها عن أحاديث نتنياهو عن «إسبرطة» التي لا تتوقف عن الحرب، وعن الحرب على سبع جبهات... إلخ.

ردّ الفعل العربي والإسلامي

لا شك أننا تابعنا ردود فعل قوية من الدول العربية والإسلامية. وإذ لم نشهد بعدُ ردود فعل شعبية أو تحليلات نخبوية تتناسب مع خطورة التصريحات؛ فالمتوقع أن نشهد تحركات أقوى إذا لم تُصدر الولايات المتحدة توضيحًا ونفيًا، خاصةً أن ما سرَّبته صحيفة الجارديان البريطانية عن مذكرة وجَّهها وزير الخارجية الأمريكي للسفراء الأمريكيين في الشرق الأوسط؛ لم يتحدث عن عدم تغيير السياسة الأمريكية، بل عن عدم قيام السفراء بالتعليق على قضايا تُثير لبسًا بشأن السياسة الأمريكية وتُقوِّض ضغوط الرئيس على إيران!

ووفقًا للبيان المشترك الصادر عن الدول العربية والإسلامية، فقد طالبت واشنطن بإيضاح موقفها، وهو بيان اعتبر التصريحات انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا للأمن في المنطقة، ووُصِفَتْ بالرؤية المتعارضة مع رؤية الرئيس الأمريكي بشأن غزة.

وما هو متوقع في الفترة القادمة أن يجري الانتقال في الردود العربية والإسلامية من الإعلامي والسياسي إلى الإستراتيجي في التعامل مع التغيير الحادث في الرؤية والإستراتيجية الأمريكية؛ ذلك أن تلك التصريحات تعبير عن انتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن السياسي إلى العقائدي.

ومما يوفّر إمكانية أمام التحرُّك العربي والإسلامي أنه ظهر مؤخرًا في الولايات المتحدة تيار يناهض التيار المسيحي الصهيوني، ويكسر المُحرّمات التي فُرِضَت على النُّخَب والمجتمع الأمريكي بشأن انتقاد الكيان الصهيوني واللوبي الصهيوني. وقد اعترف ترامب بهذا التحوُّل، مُبدِيًا دهشته.

وفي النُّصْح باتجاهات الحركة العربية؛ ففي الاتجاه الأول يجب التحرك ككتلة عربية تتكاتف فيها مواقف الدول المستهدَفة للضغط على صانع القرار الأمريكي. كما يجب التحرُّك في الوقت الحالي دون تأجيل للاستفادة من حالة الانعزال المتصاعدة للموقف الأمريكي على الصعيد الدولي، وحالة الاضطراب التي تسبّب فيها الموقف الأمريكي على صعيد العلاقات مع الحلفاء.

أما في الاتجاه الثاني، فيجب الإسراع ببناء شراكات وتوافقات مع الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، وتلك التي أوقفت توريد -أو تمرير- السلاح، وتلك التي تقدّمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة نتنياهو كمجرم حرب. وسيكون ضروريًّا في تلك المواجهة أن يتم التركيز الإعلامي والسياسي والإستراتيجي على القانون الدولي، في مواجهة محاولة استبدال القانون الدولي والامتناع عن اعتباره مرجعية.

وفي الاتجاه الثالث، يجب التحرك والتعاون لبناء توافقات مع الأقطاب الدولية الصاعدة المؤيدة للحق الفلسطيني، وتلك التي ستتضرر من إقامة «إسرائيل الكبرى»، التي تستهدف أيضًا مصالح الدول الكبرى التي تتنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ والدور في الإقليم. وقد رأينا كيف أن الكيان الصهيوني يتحرك لبناء شراكات وتحالف مع الهند وغيرها.

ويمكن القول بأن البداية تتمثل في الضغط وطلب الإيضاح من الخارجية والإدارة الأمريكية بشأن موقفها من تصريحات السفير. تلك هي البداية وليست النهاية.

وفي كل الأحوال، يجب إدراك أن تصريحات «هاكابي» هي دعوة صريحة لإطلاق حرب احتلال صهيونية للأراضي الفلسطينية ولأراضي الدول العربية الأخرى.

من التصريحات إلى الصواريخ: إيران نموذجًا

إذا كانت تصريحات السفير قد مَثَّلت «طلقة بداية» لمرحلة الوضوح العقائدي والإستراتيجي؛ فإن الهجوم الصهيوني-الأمريكي على إيران صباح يوم السبت 11 رمضان (28 فبراير 2026م)؛ جاء ليُحوِّل هذا الوضوح إلى قرار ببدء حرب مفتوحة؛ حيث انتقلت واشنطن وتل أبيب من إدارة الصراع عبر التصريحات والضغوط إلى تنفيذ إجراء مباشر، بما يعني أن «التحفظ الدبلوماسي» الذي طُلِبَ من السفراء سابقًا لم يكن ابتعادًا عن التصعيد، بل كان في الأساس تنظيمًا للخطاب بما لا يُؤثّر على سير العمليات أو يُعرقل الضغوط السياسية المُوجَّهة لإيران.

ولأن الضربة استهدفت مراكز الدولة الحيوية، فقد أدّى ذلك مباشرة إلى تصاعُد ردود الفعل الإيرانية واحتمال توسُّع المواجهة على مستوى الإقليم ككل، بما في ذلك تعطُّل الملاحة الجوية، وازدياد مخاطر الملاحة البحرية، وتغيرات كبيرة في أسعار النفط والغاز، ومعها يتحول ما كان يُعتَبر خطرًا نظريًّا في المقال إلى تهديد فِعْلي تتابعه العواصم لحظة بلحظة.

وهنا تتضح الصلة العميقة بين «الوعد التوراتي» الذي يُطرَح كبديل للقانون الدولي والحرب ضد إيران. فحين يُدار الإقليم بمنطق التفويض الغيبي والحق الإلهي، لا تبقى حدودٌ ثابتة ولا حصانةٌ سيادية للدول؛ فتغدو إيران اليوم جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بالقوة. ويظهر أن القضية ليست مرتبطة بفلسطين فقط، بل هي جزء من مشروع يمتد تأثيره ليشمل خرائط الشرق الأوسط بأكملها.

 

أعلى