من هو الشاعر الذي وقف بلسانه مدافعًا عن النبي ﷺ حين اشتدت حملات المشركين؟ وكيف أصبح شعره درعًا يحمي الدعوة الإسلامية ويرد هجاء قريش؟ قصة شاعرٍ جعل قصيدته سلاحًا للعقيدة، فخلّد اسمه في تاريخ الإسلام والأدب العربي.
في مواجهة الحملات الشرسة التي تعرَّض لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم مِن قِبَل الكفار، كان لا بد من محاربتهم بأسلحتهم. ولأن
الشعر كان واحدًا من تلك الأسلحة؛ فقد انتدب النبي ثلاثة من الشعراء الذين آمنوا
بدعوته، ودخلوا الإسلام مؤمنين بالله ورسوله؛ ليردّوا على المشركين؛ وهم: حسان بن
ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، رضي الله عنهم.
ولعل مِن أبرزهم وأقربهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسان بن ثابت.
وهو حساب بن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي الأنصاري، أمه الفريعة بنت خالد بن قيس
بن لوذان الخزرجية، وكان يُكنّى أبا الوليد وأبا عبد الرحمن وأبا الحسام.
وحسان شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، ولقد كان شاعر الأنصار في الجاهلية،
وشاعر النبي صلى الله عليه وسلم في عصر النبوة، وشاعر اليمانيين في الإسلام.
وهو فَحْل الشعر بلا خلاف، وينتسب إلى قوم أصحاب عراقة وأصالة شعرية، قال عنه
المبرد في الكامل:
«أعرق
قوم كانوا في الشعراء: آل حسان؛ فإنهم يُعدّون ستة في نَسَق كلهم شاعر، وهم: سعيد
بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام»[1]؛
ومما يذكر أنه كانت له ناصية يسدلها بين عينيه، وكان يضرب بلسانه أنفه من طوله،
ويقول:
«والله
لو وضعته على شعر لحَلَقه، أو على صخر لفَلَقه»[2].
رائد شعر الدعوة
وُلِدَ حسان -على ما تشير أغلب الروايات-، سنة 60 قبل الهجرة، أي: أن عمره لما قدم
رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان حوالي ستين سنة. وذكر ابن سعد في طبقاته
أنه عاش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام.
أما مكانته الشعرية فلا يكاد يرقى إليها شاعر؛ فحسان شاعر من الطراز الأول، ويُعدّ
رائد شعر الدعوة الإسلامية والمُدافِع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد خلّد
بشعره كثيرًا من الوقائع والأحداث الإسلامية الهامة، مثل غزوة بدر؛ أول صراع بين
الإسلام ومشركي مكة، وغيرها.
وقاسمه هذا الشرف العظيم شاعران كبيران هما كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة -رضي
الله عنهما-، فهؤلاء الثلاثة يمثلون مدرسة الالتزام السياسي في شعر الدعوة؛ إذ
أوقفوا للدعوة كل قَرِيضهم بعد أن أنار الإسلام قلوبهم. ولذلك لن نتكلم عن أمجاد
حسان الشعرية قبل الإسلام، وخاصةً تلك التي يمتدح بها الغساسنة وأشياعهم، لنستبدل
هذا الحديث بأمجاده، وهو يتحدث عن هزيمة قريش في معركة بدر الكبرى؛ حيث قتل منهم
أبو جهل وعتبة وشيبة وغيرهم، وأمر رسول الله بهؤلاء القتلى أن يُطْرَحُوا في
«قليب»
هناك فقال:
فغادرنا أبا جهل صريعًا
وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبة قد تركنا في رجال
ذوي حسب إذا نُسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما
قذفناهم كباكب في قليب
ألم تجدوا كلامي كان حقًّا
وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا
صدقت وكنت ذا أمر مصيب
ومن شعره يوم بدر أيضًا:
لقد علمت قريش يوم بدر
غداة الأسر والقتل الشديد
بأنّا حين نستجر العوالي
حماة الحرب يوم أبي الوليد
موقف النبي
صلى الله عليه وسلم
لقد رضي رسول الله عن حسان وعن شِعْره، فها هو -عليه الصلاة والسلام- ينتدبه لما
قدم عليه، وفد بني تميم، ليرد على شعر الزبرقان بن بدر الذي يقول فيه:
نحن الملوك فلا حي يقاربنا
فينا العلاء وفينا تنصب البيع
فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بيّنوا سُنّة للناس تُتَّبَع
أكْرِم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفرَّقت الأهواء والشِّيَع
وتفوق حسان على شاعر بني تميم، وفي حضرة رسول الله، ويكفيه بها من مزية ومكرمة،
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر مَن هَجَوْه من الشعراء قال:
«ما
يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟»[3]،
فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، وقال: والله ما يسرّني به من مقول بين بصرى
وصنعاء، فقال -عليه الصلاة والسلام-:
«كيف
تهجوهم وأنا منهم؟»[4]
وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ فقال حسان قولته المشهورة:
«والله
لأسُلّنّك منهم كما تُسَلّ الشعرة من العجين»،
وراح يهجوهم بشعر أوله:
عفت ذات الأصابع فالجواء
إلى عذراء منزلها خلاء
وفيه يقول:
هجوت مطهَّرًا برًّا حنيفًا
أمين الله شيمته الوفاء
أتهجوه ولستَ له بكفء
فشرّكما لخيركما الفداء
هجوت محمدًا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
وقال الباحثون والنقاد: إن البيت الثاني من هذه الأبيات هو أنصف بيت قالته العرب من
الشعر.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرًا في المسجد يقوم عليه
قائمًا يهجو ويَذُبّ عن أعراض المسلمين وحرمة الإسلام. وقال له النبي صلى الله عليه
وسلم مؤيدًا:
«إن
روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله»[5]،
ولذلك ترى أن سيدنا عمر لما مرّ بحسان في المسجد ينشد الشعر فلحظ إليه، قال له حسان
يومها: كنت أنشد وفيه من هو خير منك؛ إشارةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولقد حباه النبي بثناء ومكرمة أخرى يوم وهَبه سيرين القبطية أخت ماريا
«أم
ولده إبراهيم»،
وهما اللتان أُهديتا للنبي من ملك القبط في مصر، وقد وَلَدت سيرين ولده عبد الرحمن.
وحين نستعرض أشعار حسان ومواقفه وموقف النبي من شعره نستطيع أن نقول بأن الرجل كان
رائدًا لمدرسة الالتزام الشعري، أو رائد الشعر السياسي في عصر النبوة وصدر الإسلام،
وقبل أن تَعرف المحافل والبيئة الشعرية مصطلحًا بهذا المعنى، فهو الذي نذَر شعره
للعقيدة الجديدة والدفاع عن رسالة السماء ضد خصومها.
ومما يجدر ذكره أيضًا -وفاء للشاعر- أنه لم يَخُض في الكذب أو التهويش والمبالغات
حتى في معرض الرد على خصومه، أو جريًا خلف عذوبة الشعر ومُحسّناته، كعادة زملائه
الذين هم {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون} [الشعراء:225] أبدًا لم ينحُ هذا
الاتجاه نتيجة التزامه حتى لقد قيل له مرة:
«لقد
لان شعرك أو هرم في الإسلام يا أبا الحسام»؟
فقال:
«إن
الإسلام يَحْجز عن الكذب، وإن الشعر يُزينه الكذب»[6]،
ويقال:
«إن
أعذب الشعر أكذبه».
وحسان مُسلم قبل كل شيء، فلا يكذب ولا يهجو الهجاء المقذع المعروف عند الهجائيين،
بل يدافع عن الإسلام ضد مَن يهجوه، ملتزمًا الصدق إلى أبعد الحدود. ولعل أروع
أبياته تلك التي يمتدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
متى يبدُ في الداجي البهيم جبينه
يَلُحْ مثل مصباح الدُّجى المُتوقِّد
فمن كان أو مَن قد يكون كأحمد
نظامٌ لحقّ أو نكال لملحد
ومن أمثلة هجائه الصادق، ما قاله ذامًّا أعداء الله يوم خيبر:
بئسما قاتلت خَيابر عما
جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستُبيح حماهم
وأقروا فعل اللئيم الذليل
افتراءات وتُهَم باطلة
من جهة أخرى، يلصق كثير من الرواة بشاعرنا تُهْمة الجبن، وينقل لنا صاحب
«الاستيعاب
في معرفة الأصحاب»
عن أهل السِّيَر قولهم: إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جبنه أشياء
مُستبشَعَة رووها عن ابن الزبير، أنه حكاها عنه ولم يُوردها ابن عبد البر قائلًا:
«كرهت
ذِكْرها لنكارتها»[7].
ومحصلة أقوال هؤلاء في اتهامهم وحججهم تتمثل فيما يلي:
أولًا:
قصة حسان مع صفية، وقد ذكرها ابن اسحاق في
«المغازي»،
وهي أن صفية بنت عبد المطلب كانت في
«فارع»
حصن حسان بن ثابت، وقالت: إن حسان كان معنا فيه، مع النساء والصبيان، فمرّ بنا رجل
يهودي فجعل يطيف بالحصن، فقالت له صفية: إن هذا اليهودي لا آمَنه أن يدل على
عوراتنا فانزل إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، لقد عرفت ما
أنا بصاحب هذا! قالت صفية: فأخذت عودًا ونزلت من الحصن حتى قتلت اليهودي، فقلت يا
حسان انزل فاسْلُبْه، قال: ما لي بسَلَبه من حاجة[8].
ثانيًا:
لم يشترك حسان بالغزوات كلها مع رسول الله.
ثالثًا:
افتخر مرة بحضرة النبي قائلًا:
لقد غدوت أمام القوم منتطقًا
بصارم مثل لون الملح قطاع
يُحفّز عني نجاد السيف سابغة
فضفاضة مثل لون النهي بالقاع
قال: فضحك رسول الله، فظن حسان أنه ضحك من صفته نفسه مع جبنه.
وفي الواقع أن هذه الأقوال عارية من الصحة، ومغلوطة، وبسط وجه الافتراء فيها واضح
على الشكل التالي:
أولًا:
قصته مع صفية، هو لم يقل لها (أنا جبان)، بل قال لها بوضوح:
«يغفر
الله لكِ! لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا»،
ولقد روى الواقدي في مغازيه أن حسان بن ثابت قد قُطِعَ أكحله بضربة سيف عطّلت عمل
يده فلم يكن يضرب بيده، لذلك فمعنى قوله
«لست
بصاحب هذا»؛
أي أنك تعلمين مشكلتي وإصابتي، وبالتالي فهو صاحب عذر، وهي نقطة هامة جدًّا في
تفنيد مزاعم مَن حكم عليه أو اتهمه بالجبن، فالجبان لا يقول عن نفسه أنه جبان، بل
يُخفي نقصه، بينما حسان صرّح بعذره علنًا.
ثانيًا:
حسان لم يشترك بغزوة لأنه معذور -كما أسلفنا-؛ لا لأنه جبان، فلو كان جبانًا حقًّا
لهُجِيَ بجُبْنه، فإنه قد هجا قومًا شعراء مثله متقنين للشعر، ومع ذلك لم يَهْجُه
أحد منهم أو يُعرِّض به من هذه الزاوية، وقد أشارت أكثر من رواية أن صفوان بن
المعطل قد ضربه بالسيف فقطع أكحله.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن شاعرنا لما دخل الإسلام كان له من العمر ستون سنة،
وقد ناهز الستين في أثناء هذه الحادثة، فماذا يتوقع من رجل شُلّت يده وتجاوز
الستين؟!
ثالثًا:
تبسُّم رسول الله لما افتخر حسان بحضرته لا ينبئ عن شيء سوى ملاطفة النبي لأصحابه
وتودده إليهم، وصفات النبي معروفة تنضح بالنبل وكرم الأخلاق، ولقد رُوِيَ عنه
الكثير من تودُّده لأصحابه وتبسُّمه في وجه كعب بن مالك، ونعيمان، وعبد الله بن
حذافة.
وهكذا عرفنا أن تُهْمة الجبن ليست سوى افتراء ومحض ادعاء لا أصل لها إطلاقًا، حتى
إن الذين أوردوها من أصحاب السير استنكروها هم أنفسهم، كما فعل ابن عبد البر صاحب
الاستيعاب، وصاحب الأغاني نفسه التي ساق التهمة أورد بنفسه ما يرفضها وينقضها.
ويبقى هنالك أمر يصعب فهمه على غير المسلم، وهو أن حسان رفض سَلَب اليهودي الذي
قتلته صفية، ورفض أن يطوّح به ويرميه من الحصن؛ لأن رمية الرجل أشد من رمية المرأة،
تريد صفية أن ترعب به قومه، هذا الأمر لم يفعله حسان؛ وعلل ذلك بقوله:
«لا
حاجة لي بسَلَبه»؛
لأن رسول الله يقول:
«من
قتل قتيلًا فله سَلَبه»[9]؛
ولم يرغب حسان في منافسة صفية حقها الشرعي في سَلَب رجل قتلته بيدها، أما لماذا لم
يطوّح به؟ لأنه عاجز كما مرّ، ولم أجد من الدارسين لشعر حسان وشخصيته -على كثرتهم-
مَن تنبه لهذه النقطة.
وفاته
كُفّ بصر حسان بن ثابت قبل وفاته، وتوفي بالمدينة وله من العمر مئة وعشرون عامًا،
وكانت وفاته سنة 54ه على الأرجح مُخلّفًا حشدًا ضخمًا من القريض، فاضَ به لسانه
دفاعًا عن دين الله، ومُخلّفًا ورائه حفنة من الافتراءات التي نطق بها الحاقدون،
وتولى كِبرها الجاهلون، وكلها باطلة، ويكفي حسان مكرمة وعلو منزلة شهادة رسول الله
وصحبته له وهو القائل:
«لا
تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فلوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بَلَغَ
مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»[10].
[1] وفيات الأعيان، ابن خلكان، ٥/١٩٣.
[2] خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي، عبد القادر البغدادي ١/٢٢٨.
[3] تاريخ دمشق لابن عساكر (٢٨/٩٦).
[4] صحيح البخاري (3531).
[5] أخرجه أبو داود (٥٠١٥)، وابن عساكر في ((المعجم)) (٦٥٠) كلاهما بلفظه، وأحمد
(٢٤٤٣٧).
[6] الاستيعاب في معرفة الأصحاب- ابن عبد البر، ت البجاوي ١/346.
[7] الاستيعاب في معرفة الأصحاب، المصدر السابق، ١/٣٤٨.
[8] أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين - ط العلمية ٤/٥٦،
وذكر الرواية كاملة ابن كثير في البداية والنهاية - ت التركي ٦/٥٠.
[9] أخرجه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١).
[10] أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١).